في شهر ابريل الماضي كان الرئيس الأمريكي صريحا في حديثه عما يشعر به تجاه حلفائه في الخليج، ولعل العبارة الشهيرة التي أطلقها في ذلك الشهر، واغضبت الكثيرين في السعودية والبحرين والامارات، وباقي دول الخليج، عندما قال الرئيس الأمريكي "باراك أوباما"، إن "أكبر خطر يتهدد عرب الخليج ليس التعرض لهجوم من إيران إنما السخط داخل بلادهم، سخط الشبان الغاضبين العاطلين والإحساس بعدم وجود مخرج سياسي لمظالمهم"، وسبق ان المح في الماضي، قبل ان يزور المملكة العربية السعودية نهاية العام الماضي، ان الكلام عن حقوق الانسان غالبا ما يكون ثقيلا على اسماع حلفائه في الشرق الأوسط، كما انه طرح سؤالا بسيطا يحتاج الى اجابه بسيطة أيضا عندما قال، "لماذا لا نرى عربا يحاربون الانتهاكات الفظيعة التي ترتكب ضد حقوق الإنسان أو أن يقاتلوا ضد ما يفعله الأسد؟"، وكان يقصد الرئيس السوري "بشار الأسد"، واعتقد ان الإجابة تتعلق بمن ينتهك حقوق الانسان في بلاده لا يستطيع ان يحارب من ينتهك حقوق الانسان في البلدان الأخرى.

اما التطرف الديني في دول الخليج فلا يحتاج الى تعريف او إحصاءات او حتى دلائل لمعرفة حجمه ومديات انتشاره، ومع ان السعودية تحتل المرتبة الأولى في حجم التطرف الديني وعدد مواطنيها المنظمين الى الجماعات والتنظيمات الإرهابية ذات الأيديولوجيات الدينية التكفيرية (كتنظيم القاعدة وتنظيم داعش)، الا ان اغلب دول الخليج تعاني من انتشار الفكر الديني المتطرف بدرجات متفاوتة، لكنها، على الأقل، متساوية من حيث دعم الأنظمة الحاكمة فيها لهذا الفكر، داخليا وخارجيا، لأسباب سياسية وطائفية، تأتي في مقدمتها تسهيل الحفاظ على الحكم وكرسي السلطة مرتكزا بيد العائلة الحاكمة وابعاد المعارضين والمخالفين لها في الرأي السياسي او العقيدة المذهبية، وهي فلسفة غربية لكنها اثبتت نجاحها في الكثير من الأحيان، ولعل هذه الطريقة في التفكير هي ما دفعت "أوباما" للقول، "ينبغي على الولايات المتحدة أن تتساءل، كيف يمكننا تعزيز الحياة السياسية في هذه البلاد حتى يشعر الشبان السنة أن لديهم شيئا آخر يختارونه غير تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؟".

يبدو ان متلازمة "حقوق الانسان" و"التطرف الديني"، هي متلازمة خليجية لا يمكن فصل احداها عن الأخرى، على الرغم من النداءات والمناشدات التي أطلقتها المنظمات الدولية والدول الكبرى (بما فيها الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوربي)، وطالبت فيها الخليج بتعديل نهجها الحقوقي ومنح المزيد من الحريات للنشطاء وأصحاب الرأي، إضافة الى مكافحة الفكر المتطرف المنتشر في مناهج الدرس ومنابر الصلاة والجمعيات والمدارس الدينية، وتعج بها مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من الأساليب التي تعمد اليها لنشر الأفكار التي من شانها الترويج لخطاب الكراهية وعدم التسامح الديني وتكفير المذاهب الأخرى.

ويمكن، على سبيل المثال، اخذ نموذجين من دول الخليج، الأول يمثل ضياع حقوق الانسان (البحرين)، والثاني ازمة التطرف الديني (السعودية)، لمعرفة المدى المتدهور الذي وصلت اليه الازمة الإنسانية والفكرية في هذه البلدان، كنموذج يمكن تعميمه على باقي دول الخليج:

البحرين

عندما حاولت الأغلبية الشيعية من مواطني البحرين، حالهم في ذلك حال بقية الشعوب العربية، الخروج بمظاهرات سلمية للمطالبة بإصلاحات سياسية وحقوقية واجتماعية، انطلاقا مع ثورات الربيع العربي عام 2011، كيف كان رد الفعل الحكومي لنظام "ال خليفة" تجاه هذه المطالب؟

ببساطة طالب السعودية بتدخل قوات "درع الجزيرة" سيء الصيت، (والذي شارك فيه، إضافة الى السعوديون، جنود وضباط من الامارات والكويت والأردن)، بمدرعاتها ومصفحاتها وعتادها الثقيل (بعد ان عجزت عن ثني المتظاهرين عن مطالبهم)، لتسحق المدنيين العزل، في واقعة اثارت استياء واستنكار عالميين، كما تم توثيق اغلب الاعتداءات والقتل بحق النشطاء بالصور ومقاطع الفيديو التي حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هل توقف الحال عند هذا الحد؟

بالتأكيد لم يتوقف عند هذا الحال، بل عمد النظام الى شن حملة قاسية من المداهمات والاعتقالات في صفوف المعارضة والنشطاء الذين تعرضوا لتعذيب داخل السجون البحرينية، ومنها سجن "جو المركزي" سيء الصيت، كما أصدرت محاكم النظام عقوبات تراوحت بين الإعدام والسجن لفترات طويلة بحق الاخرين، وسحبت الجنسية من عشرات المعارضين ممن استطاعوا الهرب قبل القاء القبض عليهم، إضافة الى تهديم عشرات المساجد ودور العبادة، ويتحدث الاعلام الرسمي بعد سنوات من قمع الاحتجاجات بان هذه المظاهرات والمسيرات لها "اجندات خارجية"، هدفها النيل من وحدة وامن البلاد.

السعودية

بالأمس تم تفجير مسجد "الامام علي بن ابي طالب" في القطيف، من قبل تكفيري سعودي يرتدي حزام ناسفا، وأدى هذا التفجير الى مجزرة مروعة راح ضحيتها (150) من المواطنين الشيعة بين شهيد وجريح، وأعلن تنظيم "داعش" مسؤوليته عن الهجوم، كما وعد "الشيعة" في المملكة بالمزيد من التفجيرات والقتل والمفخخات، وقبلها أطلق مجهولون اعيرة نارية على مصلين قرب حسينية في قرية "الدالوة" بمدينة الاحساء، وراح ضحيتها عدد من المواطنين الشيعة أيضا، الغريب وانت تتابع تصريحات كبار الدعاة والمشايخ والخطباء في السعودية لا تجد احد يترحم او ينعى شهداء التفجير الإرهابي الذي استهدف المسلمين الشيعة من مواطني المملكة، لانهم ببساطة لا يتعرفون بهم كمسلمين او موحدين، وبالتالي لا يجوز الترحم عليهم، ولنأخذ امثلة على بعض الدعاة المشهورين في المملكة ومنهم:

- الدكتور عبد العزيز الفوزان: حيث يقول "اثارة الفتن والصراعات الطائفية أخطر سلاح يحاربنا به الحلف الصفوي الصهيوني الصليبي كما فعلوا في العراق.

- الدكتور محمد البراك: حيث يقول "أتحدى ان يجد الشيعة تسجيلا لعالم او داعية او سياسي يدعو او يجيز فيه قتل الشيعة غير المعتدين بخلاف رموز الشيعة وقنواتهم الذين يجيزون قتلنا".

اعتقد ان كلام الدكتور البراك بحد ذاته دعوة على الكراهية والقتل بين المذاهب الإسلامية

- عائض القرني: قال "اللهم من أراد المملكة بسوء فأشغله في نفسه ورد كيده في نحره، اللهم احفظ علينا امننا وسلامتنا"

وهكذا اغلب التصريحات والكتابات التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يذكر أحد الضحايا الذين سقطوا جراء هذا الاعتداء، ولماذا فجر هذا الإرهابي نفسه في حسينية للمسلمين الشيعة؟، وما هي العقيدة التي دفعته لهذا الفعل؟

كيف سنعالج الامر ونتصدى للتطرف، وضياع حقوق الانسان في بلدان الخليج إذا كنا من الأساس نرفض الاعتراف بان لدينا حقوق ضائعة او فكر متطرف من الأساس، اعتقد ان هذا النفس لن يستمر صامدا الى الابد، وان شعوب المنطقة ملت من هذه السياسية العقيمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0