براهما تشيلاني

نيودلهي - تصدرت جزيرة نورث سينتينيل النائية التي تحف بها الشعاب المرجانية عناوين الصحف الرئيسية في أواخر العام الفائت، بعد أن انتهت رحلة تبشيرية سرية قام بها مبشر مسيحي أميركي لهداية سكانها ــ آخر مجموعة قَبَلية يعرفها العالَم تنتمي إلى ما قبل العصر الحجري ــ إلى وفاته. سلطت هذه الواقعة الضوء على التهديدات التي تواجه المجموعات السكانية الأصلية في العالَم، والتي أصبحت بالفعل على وشك الاختفاء.

ربما كان أهل الجزيرة الذين استهدفهم المبشر الإنجيلي القتيل دو ألين تشاو المجموعة الأكثر عزلة بين القبائل النائية المتبقية على مستوى العالَم، وهم حريصون على البقاء على حالهم. يطلق أهل الجزيرة السهام لتحذير أي شخص يقترب من جزيرتهم، ويهاجمون أولئك من أمثال تشاو الذين يتجاهلون تحذيراتهم.

لم تكن هذه هي الحال دائما. فعندما اتصل الأوروبيون بسكان جزيرة نورث سينتينيل لأول مرة، وصفهم القائد البحري البريطاني موريس فيدال بورتمان في عام 1899 بأنهم "خجولون بشكل مؤلم". وليس من الصعب تفسير هذا التحول العميق. فقد تعلمت مثل هذه القبائل الربط بين الغرباء والعنف المروع والأمراض الفتاكة التي جلبها الاستعمار الأوروبي.

تسببت الفظائع التي ارتكبها الاستعمار البريطاني في تقليص عدد السكان الأصليين على جزر أندامان، التي تضم جزيرة نورث سينتينيل، من أكثر من 24 قبيلة قبل 150 عاما إلى أربع قبائل فقط اليوم. والواقع أن القبائل التي نجت من الإبادة الجماعية على أيدي المستعمرين لم تتمكن من النجاة إلا بفرارها إلى الأجزاء الأشد عمقا وتحصنا في الأدغال.

كانت هذه هي القصة على جزيرة نورث سينتينيل، التي داهمها بورتمان وقواته، واختطف الأطفال والمسنين القلائل الذين فشلوا في الفرار إلى الغابات المطيرة الكثيفة في الوقت المناسب. وكما ذكر كتاب صدر في عام 2009 من تأليف ساتادرو سِن، استخدم بورتمان أفرادا من قبائل إندامان كموضوعات في بحثه المزعوم حول القياسات البشرية، فكان يقيس أجسادهم ويصورها قسرا. وعلى حد تعبير سِن فقد عكس ذلك البحث "افتتانا" منحرفا بالأعضاء التناسلية الذكرية".

بعد القضاء على الشعوب الأصلية تحت الحكم الاستعماري، انتهجت البلدان حيث لا تزال بعض قبائل منعزلة باقية ــ بما في ذلك بوليفيا، والبرازيل، والإكوادور، والهند، وبيرو ــ سياسة "عدم الاتصال" في التعامل مع هذه المجموعات. ترتكز هذه السياسة على قوانين تقضي بحماية حقوق السكان الأصليين في أرض الأسلاف والحياة في عزلة، وتعززها اتفاقية دولية تلزم الحكومات بحماية أراضي هذه المجتمعات، وهوياتها، وعاداتها العقابية، وأساليب حياتها.

من غير القانوني ــ وعقوبته السجن ــ أن يدخل غرباء إلى المحميات القَبَلية في الهند. ومع ذلك، تحايل تشاو على القوانين الهندية والأمن الساحلي، وفقا لروايته في يومياته التي دونها بنفسه، لكي يقوم بغارات متكررة داخل جزيرة نورث سينتينيل على مدار ثلاثة أيام ــ وهو جهد شاق قامت بتسهيله وكالة تبشيرية مقرها في كانساس سيتي، والتي تولت تدريبه على رحلته. لم يقتله سكان الجزيرة إلا بعد أن تجاهل التحذيرات المتكررة لحمله على وقف التعدي على أرضهم.

لكن المخاطر التي تهدد سكان جزيرة نورث سينتينيل ــ وكل القبائل المعزولة في حقيقة الأمر ــ تظل قائمة، حيث استغل بعض المراقبين موت تشاو كفرصة للاحتجاج بضرورة إبطال السياسات التي تحمي القبائل المعزولة. ورغم حسن نوايا بعض الناس ــ توفير القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة، والتعليم، والرعاية الصحية ــ فإن آخرين يُضمرون نوايا أخرى. على سبيل المثال، هدد رئيس البرازيل الجديد جايير بولسونارو، الذي ينتمي إلى اليمين المتطرف، بإلغاء الضمانات الدستورية التي تحمي أراضي السكان الأصليين من أجل توسيع قدرة شركات البناء على الوصول إلى الأمازون، أكبر غابة مطيرة في العالَم.

أيا كان الدافع فإن التواصل مع القبائل النائية يرقى إلى الحكم بإعدامها. تسببت الموجات الأولى من الاستعمار الأوروبي في القضاء على سكان المجتمعات الأصلية على نحو فاجع من خلال العنف وجلب أمراض معدية مثل الجدري والحصبة، والتي لا يملك السكان الأصليون أي مناعة ضدها.

في البرازيل، انقرضت ثلاثة أرباع المجتمعات الأصلية التي انفتحت على العالَم الخارجي، في حين تعاني التجمعات السكانية المتبقية من انحدار سكاني كارثي. فعلى مدار القرون الخمسة الأخيرة، انخفض إجمالي عدد السكان الأصليين من نحو خمسة ملايين إلى أقل من 900 ألف شخص، مع إقرار الحماية الدستورية لأراضي الشعوب الأصلية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين بهدف وقف الانحدار.

في سلسلة جزر إندامان، من بين القبائل الأربع التي بقيت على قيد الحياة، أصبحت القبيلتان اللتان جرى دمجهما قسرا من قِبَل البريطانيين تعتمدان على المساعدات الحكومية وأقرب إلى التلاشي. والآن تبلغ نسبة المجتمعات الأصلية مجتمعة من سكان العالَم 4.5% فقط.

من المؤكد أن ترك القبائل المنعزلة على حالها لا يضمن لها البقاء. والواقع أن هذه المجموعات الفطرية الداخلية التوالد تشهد تضاؤل أعدادها بالفعل، وتواجه شبح الموت والزوال التام. لكنها قد تموت بسرعة أكبر كثيرا إذا اتصلنا بها بشكل مفاجئ، جالبين معنا مسببات أمراض حديثة لا تحمل أبدانهم أجساما مضادة لها.

ربما تكون هذه القبائل منعزلة، لكن زوالها سيكون مصحوبا بعواقب وخيمة. فمع تبجيلها للطبيعة ــ وفهمها لها ــ تضطلع هذه المجموعات بوظيفة حراس البيئة في العالَم، فتحمي 80% من التنوع البيولوجي العالمي وتلعب دورا بالغ الأهمية في التخفيف من حِدة تغير المناخ والتكيف معه. عندما وقعت كارثة تسونامي المحيط الهندي في عام 2004 مات أكثر من ربع مليون إنسان في 14 دولة، لكن القبيلتين المنعزلتين في سلسلة إندامان اللتين تعتمدان على أنظمة الإنذار التقليدية، لم تتكبدا أي خسائر معروفة.

ولكن كما تؤكد وعود بولسونارو، فقد أصبحت مجتمعات السكان الأصليين مكشوفة بشكل مباشر في مواجهة قاطعي الأخشاب، وأصحاب المناجم، ومزارعي المحاصيل، ومربي الماشية، والمنقبين عن النفط، والصيادين، وغير ذلك من المتطفلين. وفي السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة وحدها، وفقا لبيانات الأقمار الصناعية، خسر حوض الأمازون في البرازيل مساحة من الغطاء الحرجي تعادل كامل مساحة جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تحتل المرتبة الحادية عشرة بين أكبر دول العالَم مساحة.

الحق أن السكان الأصليين يشكلون عنصرا أساسيا في التنوع الثقافي والانسجام البيئي، ناهيك عن كونهم كنزا بيولوجيا للعلماء الساعين إلى إعادة بناء التاريخ التطوري والهجرات البشرية. وأقل ما يستطيع العالَم أن يقوم به الآن هو أن يتركهم يعيشون بسلام على أرض الأجداد التي بجلوها واحترموها وحافظوا عليها لقرون من الزمن.

* براهما تشيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز مقره نيودلهي لأبحاث السياسات، وهو مؤلف من الطاغوت الآسيوي، المياه: آسيا جديد ساحة القتال
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3