انتهاكات حقوق الإنسان في دول الخليج، تصنف بالبشعة والصارخة والتعسفية، وهي تتسع بشكل كبير وتسجل أرقاما قياسية حسب تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، إذ هناك الآلاف من المعتقلين في السجون من الرجال والنساء ومنهم شيوخ وأطفال ونساء، وتشير التقارير إلى تعرضهم للتعذيب، بالإضافة إلى الآلاف من المحرومين من حرية السفر والانتقال، والمئات ممن تم حرمانهم من حق الجنسية عبر سحبها وتهجيرهم من وطنهم، وكل ذلك بسبب التعبير عن الرأي للمطالبة بالإصلاح والتغيير، وهناك أيضا اعتقالات تعسفية لبعض أفراد السلطات الحاكمة بسبب صراع الأجنحة. وهذه تعد جرائم ضد الإنسانية وتقع بأوامر من الحكومات.

خلال قمم مجلس التعاون الخليجي ومنها الأخيرة التي اختتمت في الرياض في 9 كانون الأول/ديسمبر قبل يوم واحد من ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، تم التأكيد في البيان الختامي للقمة على “قيم الاعتدال والتسامح والتعددية وحقوق الإنسان والالتزام بسيادة القانون وإرساء قواعد العدل المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف والتقاليد العربية الإسلامية”. ويشير الواقع إلى عكس ذلك تماما، حيث لا تلتزم هذه الدول بضوابط العدل حسب توجهات الدين الإسلامي بل تخالفه ولا علاقة لها بالشريعة التي تحولت إلى مجرد أداة تستغل بيد الأنظمة الحاكمة، وانها لا تحترم الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ومناهضة التعذيب والعنف ومحاسبة المسؤولين عن التعذيب والقمع وقتل المتظاهرين والمعتقلين.

بل انها حكومات تمارس كافة أساليب انتهاك وقمع الإنسان وحرمانه من حقوقه حسب ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فهي تنتهك حقوق مواطنيها كما يحدث حاليا وبالخصوص في الإمارات والبحرين والسعودية التي تلاحق مواطنيها في الخارج وتقوم باختطافهم وتعذيبهم وقتلهم كما فعلت مؤخرا مع الإعلامي جمال خاشقجي، بالإضافة إلى قيام تلك الحكومات بممارسة ما يخالف ما تصرح به في قمم المجلس الخليجي ومسمى التعاون فالواقع يشير إلى غياب مبدأ التعاون والتسامح والتعددية والاحترام بين قادة الدول الأعضاء حيث تقوم ثلاث دول خليجية وهي: الإمارات والبحرين والسعودية بمهاجمة وحصار قطر وشعبها الخليجي لغاية اليوم وتشن حربا على اليمن، كما أن قوات درع الجزيرة بقيادة السعودية موجودة في البحرين لمواجهة وقمع الشعب البحريني بعد قيامه بثورة شعبية سلمية 2011. انه تعاون على انتهاك حقوق الإنسان ومواجهة مطالب الجماهير الشعبية الخليجية.

المثير ان هذه الأنظمة مستعدة لاستخدام أبشع الأساليب القمعية مع كل من ينتقد أو يعارض سياستها ولو بالحراك السلمي، وقد ظهرت بعض هذه الأنظمة على حقيقتها كونها لا تحترم أبسط مبادئ حقوق الإنسان بمطاردتها وخطفها واعتقالها أو اغتيال المواطنين داخل البلاد وفي الخارج، كما انها لا تحترم العادات والتقاليد الاجتماعية وذلك عبر اعتقالها للنساء وتعذيبهن والتحرش الجنسي بهن كما وثقته الجمعيات الحقوقية الدولية، ما يعتبر تجاوزا لكل الأعراف والتقاليد والخطوط الحمراء.

وطالما تفاخرت أنظمة الخليج وشعوبها باحترام العادات والتقاليد في المنطقة، والاهتمام بالأسرة والمرأة والدفاع عن العفة والشرف، لدرجة أن بعض الخليجيين يجدون في ذكر اسم المرأة وبالخصوص الأم أو الزوجة أو البنت أمرا معيبا واعتداء على الشرف، ولكن في الفترة الأخيرة شهدت المنطقة اعتقالات تعسفية واسعة للنساء ومئات الأطفال، وتعرضهن للانتهاك كالتحرش حسب اعتراف بعض المعتقلات داخل مباني مؤسسات الدولة وعلى أيدي موظفين رسميين ولكن الشعوب لم تتحرك!.

فما أسباب تفاقم حالات الانتهاكات لحقوق الإنسان وتصاعد وتيرة الاعتقالات التعسفية والتعذيب للمواطنين بما يخالف القوانين الإلهية والوضعية ومنها القوانين الدولية، ولماذا السكوت الشعبي والدولي اتجاهها وما آثارها وتداعياتها؟.

يوم 10 كانون الأول/ديسمبر هو ذكرى "#اليوم_العالمي_لحقوق_الإنسان” وهو مناسبة للتأكيد على أهمية احترام حقوق الإنسان، والوقوف ضد كل من يعتدي عليها. وتمر هذه المناسبة هذا العام وواقع حقوق الإنسان في دول الخليج في أسوأ حالاته، في ظل سكوت الشعوب عما يحدث من اعتقالات تعسفية وتعرض سجناء الرأي والإصلاح للتعذيب وصدور أحكام قاسية جدا وصلت إلى حد المؤبد والإعدام.

البحرين: اعتقالات تعسفية

تشهد أغلب دول الخليج انتهاكا للأعراض وسلبا للحقوق تصنف كجرائم ضد الإنسانية من بشاعتها، وهي موثقة من قبل الهيئات والجمعيات الحقوقية رغم التضييق، حيث شهدت البحرين منذ عام 2011 انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان على يد السلطة التي قامت باعتقالات تعسفية للقيادات السياسية والشخصيات الحقوقية العالمية. وتجاوز عدد المعتقلين في البحرين 5 آلاف معتقل، من رجال ونساء بسبب التعبير عن الرأي والنشاط الحقوقي والمشاركة في المظاهرات السلمية. وسجلت سلطات البحرين الرقم الأول في عدد السجناء المعتقلين في دول العالم نسبة لعدد السكان، وقد تعرض المعتقلون والمعتقلات في السجون للتعذيب بأنواعه الوحشية لدرجة القتل حيث سقط العشرات منهم ضحايا. كما تم إعدام عدد من المعتقلين عبر إصدار أحكام قضائية من محاكم تفتقد أبسط المعايير الدولية والشفافية. وتم اعتقال مئات الأطفال نحو 500 على أن الرقم غير مؤكد نتيجة خوف الأهالي من الإبلاغ عن عملية الاعتقال خشية من السلطة، بالإضافة إلى اعتقال مئات النساء منذ 2011 حيث وثقت المنظمات الحقوقية “حالات كثيرة من تعرض النساء لانتهاكات خطيرة، من بينها الاعتداءات الجنسية والتحرشات والتعرية الكاملة، ولمس أجزاء من أجسادهن والكلام البذيء والتهديد بالاغتصاب من قبل ضباط في جهاز الأمن الوطني أو وزارة الداخلية”. وقد تحدثت الناشطة الحقوقية ابتسام الصايغ وكذلك الناشطة المعتقلة ريحانة الموسوي وغيرهما عن بعض تلك الانتهاكات القاسية والمؤلمة.

السعودية: مملكة الصمت والانتهاكات

أما انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية فهي واضحة وموثقة من قبل المنظمات الحقوقية الدولية، والتي تتم بشكل ممنهج ضد النشطاء من الرجال والنساء والأطفال، وقد تصاعدت حملات الاعتقالات التعسفية مع عهد الملك سلمان وابنه الأمير محمد بن سلمان ولي العهد الذي يوصف بعهد الحزم والشدة والترهيب. حيث بدأ عهده بدموية عبر إعدام معارضين وبعض الشباب الذين شاركوا في الاحتجاجات الشعبية، وقد تم اعدامهم مع العشرات من المتهمين بجرائم إرهابية حسب الروايات الأمنية عام 2016. والسعودية من أكثر الدول في العالم بتطبيق عقوبة الإعدام، والمعتقلون بالآلاف ومعظمهم بسبب التعبير عن الرأي أو المشاركة في المظاهرات والاحتجاجات ومنهم أطفال. وقد تعرض المعتقلون لأقسى أنواع التعذيب والتنكيل والانتهاك في المراكز الأمنية والسجون وسقط عدد من الضحايا بسبب ذلك، بالإضافة لإصابة بعض المعتقلين بعاهات جسدية أو عقلية بسبب التعذيب.

كما قامت السلطات السعودية باعتقالات تعسفية ضد النشطاء والمعارضين والشخصيات والكفاءات والنخب الوطنية حيث توجد مجموعة من المعتقلين باسم الكفاءات وهم من الشخصيات المعروفة بالكفاءة منهم أطباء وأساتذة أكاديميون ومصرفيون كبار وصحافيون وكتاب. وتم توجيه اتهامات ضد المعتقلين منها التجسس والخيانة وغيرها وهي اتهامات كيدية جاهزة تقال ضد كل من ينتقد أو يعارض سياسة السلطة السعودية.

إنتهاك أعراض النساء

من انتهاكات حقوق الإنسان في الرياض، والتي تصنف بالغريبة في تاريخ البلاد وتخالف عادات وتقاليد المجتمع المحافظ عبر استهدافها بعض النساء باختطافهن واعتقالهن بطريقة بشعة ومخيفة من خلال كسر أبواب المنزل، كما حدث عند اعتقال الناشطة إسراء الغمغام، والتنكيل بهن وتعذيبهن، وتعرضهن للتحرش الجنسي، حسب تصريح بعض المعتقلات وتوثيق الجمعيات الحقوقية الدولية، والتلويح بالإعدام حيث طالبت النيابة العامة بإعدام الناشطة إسراء الغمغام بسبب نشاطها الحقوقي السلمي. وتعتقل السلطات عددا من الناشطات والحقوقيات من كافة المناطق والتيارات مثل: سمر بدوي ونسيمة السادة وإسراء الغمغام ومياء الزهراني وهتون الفاسي ونعيمة المطرود وعزيزة اليوسف أمل الحربي وفاطمة النصف ولجين الهذلول وإيمان النفجان ونوف عبد العزيز ونور المسلم وغيرهن.

فقد كشفت منظمات حقوقية مثل “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” عن تعرض النشطاء الحقوقيين السعوديين المعتقلين وبينهم المعتقلات منذ مايو/أيار 2018، للتعذيب والتحرش الجنسي وغيرهما من أشكال إساءة المعاملة، أثناء استجوابهم في سجن “ذهبان” غربي البلاد. وقالت “هيومن رايتس” إن “التعذيب الذي تعرضت له ناشطات سعوديات شمل الصعق بالصدمات الكهربائية، والجلد على الفخذين، والعناق والتقبيل القسريين”. وبسبب اعتقال مئات النساء فان عددا منهن يعشن حالة صعبة بسبب انتهاك حقوقهن، والاعتقالات التعسفية للآباء أو الأزواج أو الأبناء أو المعيل لهن، ودون وجود جهة لتقديم شكاوى ضد الجهات الأمنية التي تنتهك حقوق الإنسان والأعراض، وعدم محاسبة الجلاوزة.

الإمارات: التغريد يؤدي إلى السجن!

تعتقل الإمارات عددا من النشطاء والحقوقيين بسبب التعبير عن الرأي والكتابة عبر برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينسجم مع توجهات الحكومة، بينما قامت السلطات قبل أيام فقط بتكريم رواد التواصل الاجتماعي العربي، وقد نددت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عبر عدة تغريدات على تويتر حول ذلك المؤتمر “المؤتمر يحتفي بدور المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي في دبي، بينما المؤثرون الحقيقيون يقبعون في سجون الإمارات بسبب منشورات على فيسبوك. مهزلة!”. وقالت المنظمة في تغريدة ساخرة “هل سيوزع كتيّب: كيف تغرّد من دون أن تذهب للسجن؟ على المشاركين”. وقالت المنظمة “إن القمع الحكومي الإماراتي تصاعد منذ عام 2011، ضد حرية التعبير وتكوين الجمعيات، واحتجاز ومقاضاة المنتقدين السلميين والمعارضين السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان والأكاديميين بشكل تعسفي”. هذا وقد أصدرت بيانا أكدت فيه أن الإمارات تستثمر كثيرا من الوقت والمال لتصوير نفسها دولة تقدمية ومتسامحة، لكنها في الحقيقة “استبدادية تفتقر إلى الاحترام الأساسي لحكم القانون”.

الغرب والغطاء السياسي للأنظمة الخليجية

سكوت دول العالم وبالخصوص الغربي كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وغيرها عن انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات الرسمية الشنيعة هو عار على المجتمع الدولي وبذلك تصبح شريكة في الجريمة لأنها تقدم الغطاء السياسي لتلك الحكومات وتدعمها بالأسلحة والأجهزة الأمنية لتحقيق مصالحها على حساب حقوق الشعوب، كما أن سكوت الأكثرية من الشعب عن الانتهاكات، يجعل الطغاة يستمرون في طغيانهم وظلمهم.

هناك إشارات مخيفة حول المستقبل الذي ينتظر شعوب الخليج وعموم العالم العربي، حيث إن الشعوب تعيش في سجن كبير في ظل أجواء الخوف من تعامل الأجهزة البوليسية القمعية، وفي ظل سكوت العالم الذي يدعي دعم الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية وتقرير المصير للشعوب، بينما هو يتعامل بطريقة لا أرى لا أسمع لا أتكلم، نتيجة ما يحصل عليه من تنازلات الأنظمة الخليجية الحاكمة خدمة لمصالحه ولدعم سياسته، كالتطبيع من قبل بعض أنظمة الخليج مع كيان الاحتلال الصهيوني، وكذلك إبرام اتفاقيات بمئات المليارات لشراء أسلحة مع أمريكا وبريطانيا وفرنسا وغيرها وبناء قواعد عسكرية، ولأجل شراء الصمت الغربي عن الجرائم كجريمة قتل الإعلامي جمال خاشقجي داخل سفارة بلاده في تركيا بطريقة بشعة على أيدي فرقة أمنية دموية متخصصة بملاحقة المعارضين وتصفيتهم وهي تعمل بإشراف مباشر من قبل مكتب ولي العهد حسب الأدلة التي لدى تركيا والمخابرات العالمية وقد اعترفت السعودية بالجريمة بعد محاولات من الكذب والتزييف ولكنها وجهت الاتهام للمنفذين الموظفين في مكتب ولي العهد! بل الغريب أن تجد الحكومات الخليجية دعما من الدول الغربية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لتكون هذه الدول في رئاسة المجلس!.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0