القضاء في الدول الحضارية المحترمة الخاضعة لدستور يمثل الإرادة الشعبية يعتبر سلطة مستقلة لإقامة العدالة وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات، وهو يتمتع بحصانة وله حق النظر في أي قضية، كما ان وجود القضاء المستقل دليل على التمدن والتطور والحضارة والعافية في الدولة، اما في الدول الشمولية والاستبدادية فهو مجرد لعبة ووسيلة بيد الحاكم ووزارة القمع الداخلية.

كثير من دول العالم تتظاهر باستقلالية القضاء لديها، ومنها الدول التي تفوح في ارجائها رائحة التجاوزات العفنة للحكومة والمسؤولين والعائلة الحاكمة، مما يعني غياب العدالة الإجتماعية بين أفراد المجتمع، وانتشار الفساد والفقر والبطالة وحرمان المواطنين من حقوقهم، ووقوع السرقات في وضح النهار بواسطة القضاء الذي يعطي الشرعية للسارق والمفسد ويصدر الصكوك من المحاكم، ويقوم بإصدار أقسى الأحكام على كل من ينتقد السلطة ويطالب بالإصلاح وحقوقه ويحارب الفساد والمفسدين والتجاوزات واستغلال السلطة.

هل القضاء في الدول العربية وبالخصوص السعودية بعيد عن العدالة والاستقلال، وهل هو مسيس في خدمة الحكومة وبالخصوص وزارة الداخلية والعائلة الحاكمة؟.

الحديث حول الفساد ووجود عينة من القضاة الفاسدين في سلك القضاء السعودي، واستغلاله من قبل بعض المسؤولين في الدولة؛ لا يحتاج إلى بحث وتدقيق فهي مكشوفة لدرجة ان الصحف بدأت تنشر اليسير منها مثل ما نقلته جريدة المدينة عن القبض على قاضي اختلس 600 مليون ريال، وحول إستغلال القضاة لمناصبهم بإصدار صكوك أراضي لأشخاص متنفذين، لدرجة أصبحت معظم الأراضي بالسعودية ذات المساحة الشاسعة ملك خاص لأفراد العائلة المالكة!!.

يقال القضاء في بلاد الحرمين لا يتأثر بتدخلات الحكومة وبالخصوص وزارة الداخلية وأفراد العائلة المالكة، ولا بالضغوط الخارجية، بينما الحقيقة والواقع يؤكد عكس ذلك كما يرى الكثير من المراقبين، بان القضاء لا سلطة مستقلة ولا هم يحزنون، بل هو طبق سلطة شهية بين يدي السلطة الحاكمة وبالخصوص وزارة الداخلية القبضة البوليسية المخيفة، حيث تحول القضاء إلى أداة لإصدار أقسى الأحكام على كل شخص يطالب بالإصلاح الوطني وبحقوقه ومحاسبة الفاسد والمسؤول المقصر، وذراع لإرهاب الشعب، حيث يوجد الالاف في السجون، وتم محاكمة المئات منهم بأحكام غريبة كعقود من الزمن والبعض حكم عليهم بالإعدام رغم ان قضيتهم حقوقية والتعبير عن الرأي، ولم تسلم المرأة من الاعتقال التعسفي بل بسبب مطالبتها بحقوقها البسيطة كقيادة السيارات أصبحت إرهابية، كما حدث للناشطتين ميساء العمودي ولجين الهذلول، اللتين تم القبض عليهما بسبب قيادة السيارة ثم تم تحويلهما إلى المحكمة المتخصصة في القضايا الإرهابية.

اما الحديث حول القضاء بانه لا يخضع للحاكم وللضغوط الخارجية، فالتاريخ مليء بما يخالف ذلك، ففي عام 1998م قامت السلطات في الرياض بالإفراج عن الممرضتين البريطانيتين المحكومتين بالإعدام بسبب قتل ممرضة استرالية في الظهران، ومؤخرا قام ولي العهد البريطاني المخضرم الأمير تشارلز بزيارة للرياض ولانه يحظى بمكانة لدى الأسرة الحاكمة فقد استجاب الملك الجديد لطلبه، وتم نقض الحكم القضائي الصادر في نوفمبر 2014م على الناشط الحقوقي رائف البدوي، بالسجن عشر سنوات و 1000 جلدة!!. رغم تنديد النشطاء والحقوقيون في الداخل والخارج، وكذلك الجمعيات الدولية ومنها مراسلون بلا حدود فقد عبروا عن رفضهم للحكم الظالم، ولكن الحكومة لم تتراجع عن ذلك بل قامت بتطبيق الحكم وجلد الناشط رائف بخمسين جلدة في الأسبوع الأول، وتم مؤخرا بعد زيارة ولي العهد البريطاني الافراج عن الناشطتين ميساء العمودي ولجين الهذلول.

لا شك حكومة الرياض تراجعت نتيجة الضغوط الخارجية وكمحاولة من قبل العاهل الجديد الملك سلمان بن عبدالعزيز تحسين صورته وصورة بلاده التي تعرضت للانتقاد من قبل الجمعيات والهيئات الحقوقية الدولية ومن قبل بعض الحكومات في العالم، وبعدما شهدت العديد من المدن في العالم مظاهرات شعبية أمام السفارات السعودية للتنديد بسجلها الحقوقي والاحكام القضائية الغريبة والعجيبة التي تصدر بحق النشطاء السلميين.

حتما الحكومة السعودية الجديدة بقيادة الملك سلمان أصبحت في ورطة من تفاقم ملف المعتقلين وأحكام القضاء القاسية وغير المعقولة والبعيدة عن العدالة والتي تمثل حرجا كبيرا لها، حيث يوجد عشرات الالاف من الأبرياء المظلومين في السجون لغاية اليوم، ومنهم معتقلون بسبب مطالبتهم الافراج عن المعتقلين الأبرياء، حيث نصيب أي مواطن ينتقد سياسة الحكومة ويرفض الاعتقالات الأمنية التعسفية والأحكام القضائية غير العادلة الاعتقال والمحاكمة!.

قيام حكومة الرياض بنقض الحكم الصادر على الناشط رائف بدوي نتيجة الضغوط الخارجية، دليل على عدم وجود عدالة في القضاء، وعدم أحترامها واستماعها للمطالب الشعبية بالاصلاح والافراج عن المعتقلين المظلومين ورفض احكام القضاء، وان العمل الحقوقي والاعلامي والضغوط الخارجية سلاح مؤثر.

إدارة العاهل الجديد الملك سلمان بن عبدالعزيز تحاول الخروج بثوب جديد للعالم، بعدما تأثرت كثيرا صورة مملكته في العالم بانها مملكة الصمت وإنتهاك حقوق الإنسان، والتلاعب بالقضاء.

هل سيبادر العاهل الجديد بإنهاء ملفات المعتقلين والملاحقين والمحكومين بعقود من الزمن والاعدام بسبب التعبير عن الراي والمطالبة بالاصلاح، عبر تحقيق مطالب الشعب بالتحول إلى دولة القانون والمؤسسات، والافراج عن المعتقلين؟.

ولكن الواقع يشير إلى القلق من العهد الجديد مع تأييد محكمة الاستئناف مؤخرا الحكم على الناشط المعروف المحامي وليد ابو الخير بالسجن 15 سنة بتهم وأهمها ازدراء القضاء، وبحكم الاعدام على شباب الحراك السلمي مثل: علي الربح ومحمد الشيوخ وغيرهم، واعتقالات جديدة كما حدث للطفل عبدالرحمن المديفر، واعتقال المحامي نايف المنسي بسبب إنتقاده للمؤسسة الدينية الوهابية، واصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض ( محكمة الارهاب) حكما ضد زوجة المعتقل الإصلاحي الشهير الدكتور سليمان الرشودي – عضو جمعية حسم – بالسجن لمدة 10 أشهر لمشاركتها في الاعتصام للمطالبة بالافراج عن زوجها والمعتقلين السلميين.

الحديث حول غرائب وعجائب واقع القضاء في السعودية واستغلاله وتسيسه من قبل السلطة، وفي قمع وانتهاك الحقوق والحريات للمواطنين، طويل ومتشعب، ومن الغرائب ما ذكره د. منصور بن تنباك على قناة الرسالة من تنفيذ حكم الإعدام على شخص من خلال اعتماد القاضي على شهود من الجن!. وما حدث مع المعتقل الشهير الداعية الحقوقي الناشط الشيخ توفيق العامر (المعتقل في سجن الحائر بسبب التعبير عن الرأي) الذي يتم مضاعفة الحكم عليه مع كل استئناف لرفضه للحكم الأول بالسجن 4 سنوات، حيث أصبح 8 سنوات والمنع من السفر 10 سنوات!!.

متى سيتم تحرير القضاء من جلباب وزارة الداخلية القمعية والعائلة المالكة، والغاء الأحكام غير العادلة وسرقة الأراضي والثروة، والافراج عن المعتقلين المظلومين، وايقاف التلاعب بمؤسسات الدولة، عبر وجود دستور واضح يمثل رأي الشعب؟.

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1