قبل ثلاث سنوات فقط، كان فاضل عباس يتظاهر ضد السلطة مطالباً بالتغيير في ساحة التحرير في بغداد، لكنه يقف اليوم في المكان نفسه يبيع القهوة للعائلات التي باتت تقصد المكان للترفيه بعد تجديده والحديقة المحاذية له حديثاً.

على كتفيه، يحمل فاضل البالغ من العمر 21 عاماً دِلال القهوة العربية التقليدية، والفناجين البيضاء المرقّطة بيده اليسرى التي لا تزال تحمل ندب جرح أصيب به خلال قمع تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر 2019، في المكان نفسه الذي يتجوّل فيه الآن، ويقول لوكالة فرانس برس "لدي الكثير من الذكريات هنا... هنا ظلم الكثير من الناس، وقمعت التظاهرات، وقتل كثير من شباب وشابات وأطباء. كنا نطالب الحكومة بحقوقنا"، قتل أكثر من 600 شخص وأصيب آلاف آخرون بجروح خلال الاحتجاجات غير المسبوقة التي ندّد خلالها المتظاهرون بالفساد والتدخل الإيراني وسوء الإدارة. بحسب فرانس برس.

ويضيف فاضل الذي كان في الخط الأول في التظاهرات "الساحة كانت ممتلئة بخيم المتظاهرين". لكن الخيم اندثرت الآن، أما الساحة الواقعة في الضفة الشرقية لنهر دجلة وأقيمت في العام 1937، فرُمّمت من جديد.

ويشير علي رياض، وهو ناشط يبلغ من العمر 29 عاماً شارك في التظاهرات أيضا قبل ثلاث سنوات، بيده إلى دجلة، قائلا "كلّ جسر من الجسور المحيطة شهد دماً: الجمهورية والشهداء والسنك والساحات، ساحة التحرير وساحة الطيران والوثبة والخلاني".

نصب الحرية

وتراجعت التظاهرات تدريجياً منذ مطلع العام 2020 مع فرض قيود مرتبطة بجائحة كورونا. وقرّرت السلطات مؤخراً تجديد الموقع، منتصف تشرين الأول/أكتوبر، افتتحت الساحة من جديد إثر ترميمها بإشراف رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي وأمانة بغداد، وبتبرّع من جهات عديدة، مثل البنك المركزي العراقي، والمصرف العراقي التجاري، والعتبة الحسينية التي تبرّعت بالأشجار والزهور، كما يشرح معاون مدير عام العلاقات والإعلام في أمانة بغداد عبد المنعم العيساوي، ولعلّ أبرز معلم في المكان، نصب الحرية للنحات العراقي جواد سليم الذي شيّد في أعقاب ثورة 14 تموز/يوليو 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي، وقد تمّ ترميمه كذلك. يحمل النصب الذي يبلغ طوله 50 متراً، 25 تمثالاً نحاسياً تمثّل محطات بارزة في تاريخ العراق، خلف التمثال الذي أقيم في العام 1961، تظهر "حديقة الأمة" التي باتت ممتلئة بأشجار النخيل والزهور، ونافورة ماء تضيء ليلاً تجمّعت حولها العائلات لالتقاط الصور.

ويقول عبد المنعم العيساوي "أمانة بغداد تعدّ لإقامة فعاليات شبابية في الحديقة"، كمعارض فنية وحفلات موسيقية وبازارات، بالتنسيق مع وزارة الثقافة، في هذا المكان الذي تعرّض كذلك إلى أضرار كبيرة خلال فترة الحرب الطائفية (2006-2008)، جاءت أم لمار البالغة من العمر 36 عاماً، مع عائلتها عصر يوم جمعة، وهو يوم عطلة رسمي في العراق، للتنزّه في الحديقة بحلّتها الجديدة، وتقول المرأة التي تعمل موظفة في وزارة الكهرباء "أحببنا أن نأتي إلى هنا في يوم استراحتنا للتجوّل في حديقة الأمة بعدما علمنا أنها تجددت"، وتضيف "في السابق لم نكن نأتي إلى هنا. يعتبر هذا المكان أثراً مهماً، والآن بات أجمل".

مكان فرح

وتعدّ الحديقة واحدةً من المساحات الخضراء القليلة في بغداد، المدينة التي يخنقها الإسمنت والازدحامات المرورية. ولسكانها البالغ عددهم ثمانية ملايين، حديقة واحدة أخرى كبيرة هي حديقة الزوراء التي يجب دفع رسم للدخول إليها.

تحت نصب الحرية، وقفت سعاد الجوهري مع فريقها للدراجات الهوائية من شبان وشابات، بقمصانهم الزرقاء، لالتقاط الصور، قبل أن يشرعوا بجولةٍ في بغداد، وتقول المرأة التي تعمل كاتبة وصحافية وتدير الفريق الذي تأسّس قبل عامين "اخترنا حديقة الأمة لأننا نريد أن نحوّلها من مكان سقط فيه شهداء إلى مكان فرح. سقطت دماء هنا في هذه الساحة، نريد أن نحوّلها إلى ثورة فرح وثورة تقدّم للعراق".

في محيط الساحة، طرق تعج بالسيارات والشاحنات حتى منتصف الليل، وكاميرات وقوات أمنية تراقب المكان، ورغم تلاشي التظاهرات، لا تزال الساحة تشهد من وقت لآخر احتجاجات متفرقة، أحياناً لشباب خريجين يطالبون بفرص عمل، وفي أحيان أخرى، لمناصري رجل الدين المعتكف عن السياسة حاليا مقتدى الصدر.

ويذكّر مبنى المطعم التركي قرب الساحة بمرحلة الاحتجاجات. فهناك، كان المقرّ الرئيسي للمحتجين قبل ثلاث سنوات.مذّاك، لم يتم ترميم المبنى، وتراقب قوات الأمن أي شخص يدخل إليه. أما جدرانه، فلا تزال مغطاةً برسوم تذكّر بـ"الثورة".

أناستازيا سائحة روسية تزور بغداد للمرة الأولى، وكانت حديقة الأمة محطتها الأولى بعد ساعتين فقط من وصولها إلى العاصمة العراقية. وتقول الشابة البالغة من العمر 32 عاماً "هذه الحديقة جميلة، فيها مساحة، وزهور. يمكن للناس أن يتنزّهوا هنا. طرازها أوروبي بعض الشيء".

اضف تعليق