مع تخفف قيود كورونا، يسعى أرباب العمل لإعادة موظفيهم إلى مكاتبهم، للاستفادة من مزايا التواصل الشخصي، التي لا ترتبط بالإنتاجية فقط. لكن هل ينجحون في إقناع الموظفين بالعودة إلى مكاتبهم وميزات ذلك؟

يتوقع باحثون أن يبقى العمل عن بعد حتى بعد الجائحة إلى جانب العمل من المكتب وانتشار ما يعرف بالعمل "الهجين"، ياشوفاردان أغراوال متخصص في علاقات المطورين، يعمل عن بعد من مقر إقامته في مدينة براياغراج بالهند، لصالح شركات متعددة الجنسيات، عبر ثلاث مناطق زمنية مختلفة، هي سنغافورة والبرازيل والولايات المتحدة. بحسب d.w.

قبل جائحة كورونا، كان أغراوال يعمل في الشركات التي لها مكاتب في بنغالور، لكنهأصبح يعمل الآن من المنزل كليا لصالح عدة شركات خارج الحدود، مؤكدا أن العمل عن بعد جعله أكثر إنتاجية. وأضاف أغراوال، في مقابلة مع DW "يمكنني أن أحقق في غضون ساعتين من منزلي، ما قد يستغرق أربع ساعات في المكتب".

على الرغم من رضا العمال عن عملهم من المنزل، بدأت العديد من الشركات في استدعاء موظفيها مرة أخرى إلى مكاتبهم. وفى هذا، يوضح رومان بريكر الأستاذ المساعد في السلوك التنظيمي بجامعة ماستريخت الهولندية، أن الشركات لديها أدوات لمراقبة إنتاجية الموظفين الذين يعملون عن بعد، لكنهم يواجهون صعوبة في قياس المكاسب التي يتم تحقيقها من خلال التفاعل الشخصي. ولعل هذا هو السبب الرئيسي وراء الدعوة المتزايدة من الشركات لإعادة موظفيها إلى مقرات العمل.

التفاعل المستمر والعمل بجد

يعد إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة تسلا، الذي يشتهر بنومه في مصانع الشركة خلال فترات الإنتاج المرتفعة، من المصرين على عودة موظفيه للعمل من مكاتبهم لمدة 40 ساعة على الأقل أسبوعيا، وإلا كانوا عرضة للفصل.

وكتب ماسك، في رسالة بريد إلكتروني داخلية، نُشرت لأول مرة عبر الموقع الإخباري إليكتريك "كلما كانت مسؤوليتك أكبر، كلما كان يجب أن يكون ظهورك أكثر وضوحا". وتابع "لهذا السبب، أمضيت في المصنع كل هذا الوقت، حتى يستطيع الموجودون على خط الإنتاج رؤيتي أعمل معهم".

ويعتبر بريكر أن وجهات النظر، التي تدعو لتواجد قوي في المكتب، كتلك التي يروج لها ماسك، ترتبط بما يسمى بظاهرة "تأثير التعرض المجرد". وهي تشير إلى أنه كلما زاد عدد الأفراد الذين يتعرضون لشخص ما، كلما زاد حبك لهم. وفقًا لبريكر، يولد التعرض المتزايد انطباعات إيجابية عن العمال والإدارة، بسبب التفاعل المستمر، مثل "هؤلاء الأشخاص يعملون بجد أكبر".

تعزيز ثقافة الشركة

الربط بين التفاعل الشخصي والعمل بجد قد يكون مؤشرا أيضا لثقافة الشركة، التي تؤثر على مدى قابليتها للتكيف مع فكرة العمل عن بعد. ويعتبر بريكر أن ثقافة الشركة يمكن تقييمها عبر مدى واسع، يتدرج من كونها "صارمة" إلى "متراخية".

النظرية جرى الترويج لها في الأصل من قبل عالمة النفس الثقافي ميشيل غلفاند، حيث اعتبرت أن الثقافات الصارمة للشركات، هي التي تعزز المراقبة والتسلسل الهرمي. وتعد بنوك وول سترت الأمريكية المعروفة بثقافاتها الصارمة عالية الضغوط، من بين من أقوى المؤيدين للعودة إلى مقرات العمل.

ويقول جيمس غورمان الرئيس التنفيذي لشركة مورغان ستانلي، تعليقا على طلبه إعادة الموظفين إلى المكاتب بحلول 6 أيلول/ سبتمبر الماضي "يتعلم معظم الموظفون عملهم من نموذج التدريب المهني، والذي يكاد يكون من المستحيل استنساخه في عالم زووم". ويضيف "بمرور الوقت، يمكن أن يقوض هذا العيب شخصية وثقافة الشركة بشكل كبير".

وكانت غولدن مان ساكس قد طلبت من موظفيها بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة فى وقت سابق العودة إلى مكاتبهم أيضا، بحلول حزيران/ يونيو2021. وكتب رئيس العمليات والمدير المالي بالشركة، في رسالة أطلعت عليها قناة "سى إن بى سى" الأمريكية "تزدهر لدينا ثقافة التعاون والابتكار والتدريب، عندما يجتمع موظفونا معا".

على العكس، تسمح الثقافات المتساهلة المتراخية للشركات بمزيد من المرونة والإشراف الذاتي. ويؤكد بريكر أن الشركات التي تتبنى هذه الثقافات تكون أكثر استعدادا لتقبل فكرة العمل عن بعد، أو الهجين، الذي يجمع بين العمل من المنزل ومن المكتب.

من جانبها، تقول بونى ديلبر مديرة التوظيف بشركة زابير، وهي شركة برمجيات تعمل عن بعد بشكل تام، فى حوار مع DW، إن الموظفين يعملون من المنزل، ومن الساحات وحتى من صالات الرياضة. وتعزو ديبلر مرونة شركتها إلى كونها "واضحة تماما بشأن نتائج وتوقعات العاملين، فضلا عن الثقة في الأشخاص، والتأكد من أن لديهم الموارد والمهارات اللازمة للقيام بعملهم". ولكن حتى بيئات العمل الأكثر مرونة لا تزال مترددة في التخلي تماما عن فكرة العمل من المكتب.

تكلفة الاستثمارات المهدرة

تقول ديلبر "استثمرت الكثير من الشركات ملايين الدولارات في مقراتها قبل انتشار الوباء"، " وترى أن "تلك الشركات تعتبر ذلك هدرا، إذا لم ينتفع به الموظفون".

شركة غوغل، على سبيل المثال، المعروفة بتقديم امتيازات للموظفين للبقاء في المكتب لأطول فترة ممكنة، بدأت في إعادة تهيئة مكاتبها لتلائم ظروف الوباء أوائل العام الماضي، حيث عملت الشركة مع مستشارين لبناء مساحات عمل نصف دائرية مع شاشات عرض و"حاضنات فريق" متنقلة، على مساحة 10 بالمائة من مجمل مساحات عملها حول العالم، وفقًا لما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية. وطلبت الشركة من موظفيها العودة إلى مكاتبهم ثلاثة أيام في الأسبوع على الأقل، اعتبارا من نيسان/ أبريل الماضي.

من جانبه، أعلن بنك الاستثمار "جيه بى مورغان" عن بناء مقر جديد بالكامل في مدينة نيويورك بقيمة 3 مليارات دولار عام 2018، وهدم المقر القديم العام الماضي. ورفض جيمي ديمون الرئيس التنفيذي للبنك العمل عن بعد، لتكون مؤسسته المالية من بين أوائل الشركات التي أصدرت أمرا بعودة موظفيها في أيلول/ سبتمبر 2020. و قال ديمون، في مجلس إدارة وول ستريت جورنال "نريد عودة الناس إلى العمل، وسيكون الجميع سعداء بذلك".

وفي أغسطس/ آب الماضي، تردد أن ديمون كان يدفع كبار المديرين لإعادة الموظفين للعمل من المكاتب "خمسة أيام في الأسبوع". ومنذ مطلع العام الجاري بدأت أكثر من 44 شركة من قائمة مجلة "فورشن" لأكبر مئة شركة خططا لتقليل مساحة مكاتبها.

مستقبل مكان العمل

يرى بعض الموظفين، مثل أغراوال، مستقبلا محدودا لإمكانية العمل في الشركات، التي تفرض قواعد صارمة على العمل من المكتب. ويقول "إجباري على الذهاب إلى المكتب كل أسبوع قد لا يكون أفضل فكرة في العالم".

وتوصلت دراسة إلى أن المتوسط العالمي للوقت الذي يمضيه الموظفون للعمل من منازلهم قد وصل إلى نحو 1,5 يوما أسبوعيا منذ بداية الوباء، وهو مؤشر قوي على أن النقاش حول العمل من المنزل سوف يستقر بين العمل من المنزل والمكتب، كعمل هجين، وفقا لبريكر.

وحتى ذلك الحين، سيتعين على أرباب العمل التفكير بشأنالخسائر والمكاسب التي سيحققونها من إعادة الموظفين إلى المكاتب. وتقول بونى ديلبر مديرة التوظيف بشركة زابير، تعليقا على تزايد أوامر العودة للمكاتب "نرى الكثير من الأشخاص الآن يأتون إلينا، ليتقدموا للوظائف"، وتضيف بأنهم "يقولون إن شركاتنا تعود لفكرة العمل من المكتب، وهذا لم يعد مناسبا لنا".

اضف تعليق