تمثّل القاعات المزدحمة في المستشفى المتداعي في منطقة موسى قلعة في جنوب أفغانستان، أحد رموز الأزمة الإنسانية المأسوية التي تعصف بالبلاد، بعد عام على عودة حركة طالبان إلى السلطة.

الشهر الماضي، اضطر هذا المستشفى الواقع في إقليم هلمند إلى إقفال أبوابه، إلا للأشخاص الذين يشتبه بإصابتهم بالكوليرا.

سرعان ما أكتظ المستوصف بالمرضى الواهنين، فرغم أنّه لا يملك المعدّات اللازمة لتشخيص الإصابة بالكوليرا، إلّا أنّه استقبل نحو 550 مريضاً في غضون أيام.

يبدو رئيس المستشفى إحسان الله رودي مرهقاً، لا سيما أنه لا ينام سوى خمس ساعات في اليوم منذ بدء توافد المرضى. يقول لوكالة فرانس برس "هذا صعب جداً"، مضيفاً "لم نشهد ذلك في العام الماضي، ولا في أي وقت سابق".

استحوذت طالبان على السلطة في أفغانستان في 15 آب/أغسطس 2021، بعد الانسحاب المتسرّع للقوات الأجنبية بقيادة الولايات المتحدة. وبالرغم من أنّ أعمال العنف انخفضت بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين، إلّا أنّ الأزمة الإنسانية في البلاد تعاظمت بسرعة.

لا خبز

وصل الفقر الذي يبدو أكثر حدة في جنوب البلاد، إلى مستويات بائسة تفاقمت بسبب الجفاف وارتفاع الأسعار منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.

تقول امرأة تجلس على سرير في مستشفى في لشكركاه عاصمة إقليم هلمند، بجوار حفيدها الذي يبلغ من العمر ستة أعوام ويعاني من سوء التغذية، "منذ وصلت الإمارة (طالبان) إلى السلطة، لا يمكننا الحصول على الزيت حتّى".

وتضيف المرأة البالغة 35 عاماً والتي يغطّي الوشاح وجهها بالكامل "الفقراء يُسحقون تحت أقدامهم" في إشارة إلى حركة طالبان.

يتلقى حفيدها العلاج للمرة الخامسة في مستشفى بوست، وهي مجموعة من المباني تديرها وزارة الصحة الأفغانية ومنظمة أطباء بلا حدود بشكل مشترك.

تقول بريشنا والدة مريضة أخرى "لا يمكننا إيجاد الخبز حتى"، مضيفة "ليس لدينا ما نأكله منذ ثلاثة أو أربعة أيام".

وتؤكد هوميرا نوروزي، المشرفة المساعدة على الممرّضين، أنّ الموظفين "لا يرتاحون"، مضيفة "لدينا الكثير من المرضى الذين يأتون في حالة حرجة"، لأن الأهالي لم يتمكّنوا من القدوم في وقت أبكر من ذلك. وتقول هوميرا التي تصرخ لإسماع صوتها وسط بكاء الرُضّع "لا نعرف عدد الوفيات (...) في الأقاليم الأخرى" لأن الكثير من الأشخاص "لا يأتون إلى المستشفى".

وقف المساعدة الإنسانية

بدأت المحنة الاقتصادية في أفغانستان قبل وقت طويل من استحواذ طالبان على السلطة، ولكن وصولها إلى الحكم دفع البلد الذي يبلغ عدد سكانه 38 مليون نسمة إلى حافة الهاوية.

جمّدت الولايات المتحدة سبع مليارات دولار من أصول البنك المركزي، كما انهار القطاع المصرفي وتوقفت المساعدات الخارجية التي تمثّل 45 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي للبلاد.

تتساءل روكسانا شابور التي تعمل في شبكة محلّلي أفغانستان (AAN) "كيف يمكن تقديم المساعدة إلى بلد لا تعترف بحكومته؟"

وتقول إنّ المساعدات الإنسانية في مواجهة الأزمات مثل الزلزال الذي ضرب البلاد في حزيران/يونيو وأودى بحياة أكثر من ألف شخص وشرد ترك مئات الآلاف، تعدّ أمراً بسيطاً لأنّها معونة "غير سياسية إنها مساعدة حيوية".

إضافة إلى ذلك، يتمّ إرسال الأموال جواً لتمويل المساعدات الغذائية والرعاية الصحية. ولكن المساعدات للمشاريع طويلة الأجل تعدّ أكثر تعقيداً.

تقول روكسانا شابور "إذا أتيتم إلى البلاد وقلتم +أريد دفع جميع رواتب المعلّمين+، فلا بأس بذلك"، مضيفة "ولكن ماذا ستفعل طالبان بالمال الذي لن تنفقه على رواتب المعلّمين؟".

في موسى قلعة، يقتصر النشاط الاقتصادي على تصليح دراجات نارية وبيع الدجاج ومشروبات الطاقة المحفوظة في برادات قذرة.

ليسوا على قدر المسؤولية

ترتبط المدينة التي شهدت بعضاً من أكثر الفصول دموية في حرب 2001-2021، بلشكركاه غاه عاصمة هلمند من خلال درب يمتد على طول مجرى نهر جاف.

وتعود الطريق المعبدة لتظهر جنوباً باتجاه سانجين، حيث تضرّرت الجدران الطينية بشدّة جراء نيران المدفعية لدرجة أنّها تنهار.

تقول ميمنة التي تعالج ابنتها آسيا البالغة من العمر ثمانية أعوام في موسى قلعة "الآن، يمكننا أن نذهب إلى المستشفى، ليلاً أو نهاراً". وتضيف "سابقاً، كانت هناك معارك وألغام، وكانت الطرقات مقطوعة".

يقول مدير الصحة العامة في هلمند سيد أحمد لوكالة فرانس برس، إن تدفّق المرضى الجدد يعني أنّ هناك "أماكن أقل" و"هناك عدد أقل من الموظفين، وبالتالي هناك صعوبات".

مع ذلك، يصرّ هذا الطبيب الذي يمتلأ مكتبه بالكتب الطبية على أنّ "الوضع العام بات أفضل" ممّا كان عليه في ظل الحكومة السابقة، حيث كان الفساد مستشرياً.

يرفرف علم "طالبان" علناً على مبانٍ نخرها الرصاص في هلمند. فبعد انتظار دام مدة عقدين، تولت الحركة قيادة البلاد فيما تعاني شبه إفلاس.

يقول رجل من لاشكركاه فضل عدم الكشف عن هويته "ليسوا على قدر مسؤولية الحكم" في إشارة إلى حركة طالبان.

انقسامات داخل الحركة

مع مرور عام على عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، بدأت انقسامات تظهر داخل الحركة المتشددة خصوصا حول الهامش المتاح أمام قادتها لادخال اصلاحات.

أدى انتصار الحركة على الحكومة السابقة التي كانت مدعومة من الخارج، إلى إنهاء القتال، ما جلب ارتياحا للأفغان على نطاق واسع، خصوصا سكان المناطق الريفية التي تحملت وطأة نزاع عنيف استمر لعقدين.

لكن الأزمات المالية والاقتصادية والإنسانية التي تواجهها أفغانستان تفاقمت.

فازداد عدد الأفغان الذين يعيشون تحت خط الفقر بالملايين وغرق عدد آخر في الديون للمرة الأولى، فيما اضطرت عائلات تمر في ظروف خانقة إلى الاختيار بين بيع رضيعات أو بيع أعضاء جسدية.

وقال إبراهيم بحيس المحلل الأفغاني في مجموعة الأزمات الدولية "لدينا معسكر يدفع بما يعتبره إصلاحات، ومعسكر آخر يبدو أنه يعتقد أن حتى هذه الإصلاحات الضئيلة، مبالغ فيها".

فيما يؤكد بعض قادة طالبان أن الحركة ستحكم بطريقة مختلفة هذه المرة، يرى مراقبون كثر أن التغييرات تبقى سطحية.

وينظر إلى هذه التعهدات على أنها "رمزية" للتوصل إلى تغيير في موقف الدول الغربية التي مولت البلاد المرتهنة للمساعدة الخارجية منذ 20 عاما، ولمحاولة فك العزلة المفروضة على أفغانستان في النظام المالي العالمي.

تبنى المسؤولون في كابول استخدام التكنولوجيا والعلاقات العامة فيما أقيمت مباريات الكريكيت في ملاعب ممتلئة بالمشجعين، وحتى الآن، ما زال بإمكان الأفغان الوصول إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وبات يسمح للفتيات بارتياد المدارس الابتدائية ولصحافيات بإجراء مقابلات مع مسؤولين حكوميين، وهو أمر لم يكن بالإمكان تصوره خلال فترة حكمهم الأولى في التسعينات.

لكن الكثير من المحللين أعربوا عن قلقهم من أن يكون كل ذلك "شكليا".

وأوضح مايكل كوغلمان المتخصص في شؤون أفغانستان من مركز "ويلسون سنتر" للبحوث أن "هناك بعض الحالات التي نلحظ فيها تطورا في السياسة، لكن لنكن واضحين... ما زلنا نرى منظمة ترفض التخلي عن آراء عقائدية رجعية".

ما زال الكثير من المدارس الثانوية للإناث مغلقا فيما استبعدت النساء من الوظائف العامة.

يتم التحكم في نشاطات بسيطة مثل الاستماع إلى الموسيقى وتدخين الشيشة ولعب الورق بشكل صارم في المناطق المحافظة، فيما تقمع احتجاجات ويهدّد صحافيون أو يوقفون بانتظام.

وتجاهلت الحركة مطالب الغرب بتشكيل حكومة تشمل الجميع، كما أن اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في أحد الأحياء الراقية في كابول الأسبوع الماضي أثار المزيد من التساؤلات حول التزام طالبان التخلي عن العلاقات مع الجماعات المتطرفة.

عدم الاذعان

في آذار/مارس فاجأ زعيم حركة طالبان هبة الله أخوندزادة العالم عندما تدخل في اللحظة الأخيرة لإلغاء إعادة فتح وزارة التعليم المدارس الثانوية للبنات.

ويرى بعض المحللين أنه أراد بذلك ألا يبدو وكأنه يذعن لمطالب الغرب.

وبذلك القرار، قضى على الأمل باستعادة التدفقات المالية الدولية، ما أثار انتقادات حتى في صفوف قيادة طالبان في كابول التي أعرب بعض المسؤولين فيها عن معارضتهم العلنية.

وسرعان ما تبع ذلك عدد كبير من التوجيهات التي كانت سائدة خلال الحكم المتشدد الأول لطالبان رغم احتجاجات الدبلوماسيين الأجانب الذين يلتقون بانتظام أعضاء حكومة طالبان من دون قائدها الأعلى.

من قندهار معقل الحركة يستمر زعيم حركة طالبان الغامض هبة الله أخوندزادة وأوساطه النافذة التي تضم مقاتلين سابقين ورجال دين، في فرض تفسيرهم المتشدد للشريعة.

وفيما يدعي مستشارو أخوندزادة أن طالبان يمكنها أن تصمد بدون دخل أجنبي، سيكون رفع الحظر عن الأصول المجمدة في الخارج بمثابة شريان حياة حيوي للحركة.

وقال دبلوماسي لوكالة فرانس برس "نعرف أن الطالبان قد يكون لديهم ميل لتحقيق الكسب المادي، لكنهم لا يمكنهم أن يظهروا بهذا المظهر".

وقال عبد الهادي حماد رئيس إحدى المدارس الدينية وعضو مجلس ديني يقدم المشورة لأخوندزادة "القرارات التي اتخذها حتى الآن تستند إلى آراء علماء الدين".

وأكد محمد عمر الخطابي وهو رجل دين يقدم المشورة لأخوندزادة في قندهار "ما زالت حاجات الأفغان كما كانت عليه قبل 20 عاما".

بدوره، قال عبد الرحمن الطيبي، وهو مساعد آخر وثيق لأخوندزادة لوكالة فرانس برس "شعبنا ليس لديه الكثير من المطالب مثل تلك التي قد تكون لدى شعوب دول أخرى".

تأخر الأجور

ويشدد أخوندزادة الذي لا يجرؤ أحد على تحدي سلطته راهنا، على ضرورة محافظة الحركة على وحدتها، فيما قالت مصادر إنه يحاول تحقيق التوازن بين فصائل عدة متنافسة.

لكن التحديات تتصاعد وعدم الرضا بدأ ينتشر لدى قاعدة الحركة.

وقال مسؤول في طالبان مقره في شمال غرب باكستان طلب عدم كشف اسمه "يتأخر تقاضي مقاتلي طالبان على رواتبهم وأجرهم منخفض أيضا. إنهم غير راضين".

وأضاف مصدر ثان من طالبان أن كثرا عادوا إلى قراهم أو ذهبوا إلى باكستان للقيام بعمل مختلف.

وأثارت محاولات طالبان تعزيز دخلها من خلال استخراج الفحم من المناجم خلافات داخلية في الشمال، تفاقمت بفعل الاختلاف الإتني والطائفية.

وأشار مايكل كوغلمان إلى أن هذه الضغوط المتصاعدة، إذا لم تعالج، قد تؤدي إلى تشدد في النزعة المحافظة في الحركة وتساءل "إذا بدأت قيادة طالبان تشعر بتهديدات حقيقية لاستمراريتها السياسي، فهل ستتغير؟"

ارتياد مدارس سرية

اكتشفت نفيسة مكانا مثاليا لإخفاء كتبها المدرسية عن عينَي شقيقها الذي ينتمي إلى طالبان... في المطبخ حيث نادرا ما يدخل الرجال الأفغان.

فقد حُرمت مئات الآلاف من الفتيات والشابات على غرار نفيسة من الدراسة منذ عودة الحركة المتشددة إلى السلطة قبل عام، لكنّ تعطشهن إلى التعلم لم يخفت.

تقول نفيسة التي ترتاد مدرسة سرية في إحدى قرى شرق أفغانستان "ليس للرجال ما يفعلونه في المطبخ، لذلك احتفظ بكتبي هناك".

وتضيف "إذا علم شقيقي بالأمر سيضربني".

منذ عودتها إلى السلطة قبل عام، فرضت طالبان قيودا صارمة على الفتيات والنساء ما أدى إلى إبعادهن فعليا عن الحياة العامة.

وعندما سيطرت طالبان على مقاليد الحكم، وعدت بحكم أقل تشددا مقارنة بفترة حكمها السابقة بين 1996 و2001 والتي شهدت انتهاكات لحقوق الإنسان.

لكن الحركة زادت من تشديد القيود على حقوق الأفغان ولا سيما الفتيات والنساء اللواتي مُنعن من العودة إلى المدارس الثانوية وحُرمن من الكثير من الوظائف العامة.

ومُنعت النساء في كل أنحاء البلاد من السفر بدون محرم لمسافة طويلة، كما أمرتهن السلطات بتغطية وجوههن في الأماكن العامة مع تفضيل ارتداء البرقع.

ومع عدم السماح بإعادة فتح الثانويات المخصصة للإناث في أجزاء كثيرة من أفغانستان، ظهرت مدارس سرية في غرف منازل عادية في كل أنحاء البلاد.

وزار فريق من صحافيي وكالة فرانس برس ثلاثا من هذه المدارس وأجرى مقابلات مع تلميذات ومدرّسات حجبت أسماؤهن الفعلية حفاظا على سلامتهن.

تسببت الاضطرابات التي شهدتها أفغانستان على مدى عقود بتدمير نظام التعليم في أفغانستان، لذلك ما زالت نفيسة تدرس مواد المرحلة الثانوية رغم أنها تبلغ 20 عاما.

فقط والدتها وشقيقتها الكبرى تعرفان بالأمر.

أما شقيقها، فقاتل لسنوات مع طالبان ضد الحكومة السابقة والقوات بقيادة الولايات المتحدة في الجبال، وعاد إلى الديار بعد انتصار الحركة وقد تشبع عقيدتها المتشددة التي تقول إن مكان المرأة هو المنزل.

سمح لها بارتياد مدرسة دينية لتدرس القرآن في الصباح، لكنها في فترة ما بعد الظهر، تخرج خلسة من المنزل لحضور صف دراسي سري تنظمه "الجمعية الثورية لنساء أفغانستان".

وتقول نفيسة "قبلنا تحمّل هذا الخطر، وإلا سنبقى غير متعلمات".

وتضيف "أريد أن أصبح طبيبة... نريد أن نحقق شيئا ما، نريد الحرية وخدمة المجتمع وبناء مستقبلنا".

عندما زارت وكالة فرانس برس المدرسة السرية التي تذهب إليها، كانت نفيسة وتسع فتيات أخريات يناقشن حرية التعبير مع مدرّستهن ويجلسن جنبا إلى جنب على سجادة ويتناوبن على قراءة كتاب بصوت عالٍ.

ومن أجل الوصول إلى المدرسة، غالبا ما تغادر الفتيات المنزل قبل ساعات ويسلكن طرقا مختلفة لتجنب رؤيتهن في منطقة معظم سكانها من البشتون الذين يشكلون الجزء الأكبر من عناصر طالبان.

وإذا سأل مقاتل من طالبان إلى أين هن ذاهبات، تقول الفتيات إنهن مسجلات في ورشة خياطة ويخفين كتبهن في أكياس تسوق أو تحت العباءة أو البرقع.

إنهن لا يخاطرن فحسب، بل يقدمن تضحيات أيضا، مثل شقيقة نفيسة التي تركت المدرسة للحد من أي شكوك قد تراود شقيقها.

يقول علماء دين إنه لا يوجد أي مبرر في الإسلام لحظر تعليم الفتيات في الثانويات، وبعد عام من توليها السلطة، ما زالت طالبان تصر على أنها ستسمح باستئناف الدراسة.

لكنّ هذه المسألة أحدثت انقساما في الحركة، فيما قالت مصادر عدة لوكالة فرانس برس إن فصيلا متشددا ينصح المرشد الأعلى هبة الله أخوندزادة بمعارضة أي تعليم للفتيات، أو في أفضل الأحوال، أن يقتصر التعليم على الدراسات الدينية أو صفوف تدريبية مثل الطبخ والتطريز.

ومع ذلك، يبقى الموقف الرسمي أن عدم استئناف الدراسة يرجع إلى "مسألة تقنية" وأن الفصول الدراسية ستعود بمجرد وضع منهج قائم على القواعد الإسلامية.

ما زالت تلميذات المرحلة الابتدائية يرتدن المدارس، حتى الآن على الأقل، وما زالت الشابات يرتدن الجامعات، ولو أن المحاضرات تعطى للذكور والإناث بشكل منفصل مع تقليص بعض المواد بسبب نقص في الاستاذة من النساء.

لكن، من دون شهادة المدرسة الثانوية، لن يكون بمقدور المراهقات إجراء امتحانات القبول في الجامعة، لذلك فإن الطالبات الحاليات قد يكنّ الدفعة الأخيرة من المتخرجات في البلاد في المستقبل المنظور.

ويوضح الباحث عبد الباري مدني لوكالة فرانس برس أن "التعليم حق ثابت في الإسلام للرجال والنساء على حد سواء" مضيفا "إذا استمر هذا الحظر، ستعود أفغانستان كما كانت عليه في القرون الوسطى... سيدفن جيل كامل من الفتيات".

وهذا التخوف من احتمال ظهور جيل ضائع هو ما دفع المدرّسة تمكين إلى تحويل منزلها في كابول مدرسة.

كادت هذه المرأة الأربعينية أن تخسر مستقبلها بعدما أُجبرت على التوقف عن الدراسة خلال فترة حكم طالبان الأولى بين عامَي 1996 و2001، عندما حظر تعليم الفتيات.

واحتاجت تمكين إلى سنوات من التعليم الذاتي لكي تصبح مدرّسة، إلا أنها فقدت وظيفتها في وزارة التعليم عندما عادت طالبان العام الماضي إلى السلطة.

وبدعم من زوجها، حوّلت تمكين في البداية مستودعا في منزلها إلى صفّ دراسي.

ثم باعت بقرة تملكها عائلتها لجمع أموال وشراء الكتب، لأن معظم الفتيات اللواتي يأتين إليها ينتمين إلى أسر فقيرة ولا يستطعن شراءها.

اليوم، تدرّس اللغة الإنكليزية والعلوم لنحو 25 تلميذة.

تعتقد مليحة البالغة 17 عاما أنه سيأتي اليوم الذي سترحل فيه طالبان عن السلطة وتضيف "سنستخدم معرفتنا في أمر مفيد".

لسنا خائفات

في إحدى ضواحي كابول، في متاهة من المنازل الطينية، تعطى ليلى أيضا دروسا بشكل سرّي.

وبعدما رأت الخيبة على وجه ابنتها بعد إلغاء قرار إعادة فتح المدارس الثانوية، أدركت أن عليها القيام بشيء ما.

وتروي المرأة البالغة 38 عاما "إذا كانت ابنتي تبكي، فمن المؤكد أن فتيات أخريات يبكين أيضا".

تتجمع نحو 12 فتاة يومين في الأسبوع في منزل ليلى الذي يضم باحة وحديقة تزرع فيها الخضر والفاكهة.

وتقول كوثر البالغة 18 عاما "نحن لسنا خائفات من طالبان".

لكن الحق في الدراسة ليس الهدف الوحيد لبعض الفتيات والنساء الأفغانيات اللواتي يتم تزويجهن في كثير من الأحيان لرجال يقسون عليهن أو يفرضون عليهن قيودا صارمة.

زوّجت زهراء التي ترتاد مدرسة سرية في شرق أفغانستان عندما كانت في الرابعة عشرة من العمر وهي تعيش حاليا مع أهل زوجها الذين يعارضون فكرة حضورها صفوفا دراسية.

تتناول حبوبا منوّمة لمحاربة القلق، إذ تخشى أن يخضع زوجها لأسرته ويبقيها في المنزل.

وتقول زهراء عن مدرستها السرية "أقول لهم إنني ذاهبة إلى السوق المحلي وآتي إلى هنا".

في وادي بانشير خوف يُلازم السكان

لا يزال سكّان وادي بانشير في أفغانستان الذي كان آخر جيب للمعارضة سقط بأيدي الإسلاميين مطلع أيلول/سبتمبر 2001، يعيشون في الخوف من حركة طالبان المتّهمة بارتكاب انتهاكات بحقّهم.

يقول أمير (اسم مستعار)، وهو طالب يبلغ من العمر 22 عامًا، قرب قرية صافد شرر، في حديث مع وكالة فرانس برس "منذ أن وصلوا (مقاتلو طالبان)، لا يشعر الناس أنهم بأمان، يشعرون بالخوف ولا يمكنهم التكلّم بحريّة".

وفي 6 أيلول/سبتمبر 2021، أعلنت حركة طالبان أنها استولت "بالكامل" على وادي بانشير، بعدما فشلت جبهة المقاومة الوطنية في منع الحركة الإسلامية، التي وصلت إلى السلطة في منتصف آب/أغسطس، من السيطرة على المنطقة.

وساهم أحمد شاه مسعود في شهرة بانشير في ثمانينات القرن الماضي قبل أن يغتاله تنظيم القاعدة في 2001.

ولم يسقط وادي بانشير تحت الاحتلال السوفياتي في ثمانينات القرن الماضي ولا خلال حكم طالبان بعد عقد من الزمن ونظامها الأول (1996-2001).

وبعد عام على عودة طالبان إلى السلطة، تبدو جبهة المقاومة الوطنية بقيادة أحمد مسعود، نجل أحمد شاه مسعود، التهديد العسكري التقليدي الوحيد لأسياد السلطة الجدد.

وفي 7 أيار/مايو، أعلنت جبهة المقاومة الوطنية بدء هجوم كبير على طالبان في عدد من ولايات شمال أفغانستان بينها ولاية بانشير.

اثر الإعلان، اندلعت الاشتباكات بين جبهة المقاومة الوطنية وطالبان وتحدث كل منهما عن مقتل العشرات في صفوف الطرف الآخر، وهي حصيلة يتعذر تأكيدها من مصدر مستقل في هذا الوادي الذي يصعب الوصول إليه.

ومذّاك الحين، يتمركز المقاومون في الجبال، فيما ينتشر نحو ستة آلاف مقاتل من طالبان في الوادي. وباتت تسيطر الحركة على الطريق الرئيسي الذي يمرّ قرب نهر بانشير على مسافة أكثر من مئة كيلومتر.

ويمكن رؤية مقاتلي طالبان في القرى وعند حواجز عدة.

ويتابع أمير "لا يمكننا المشيء مساءً مع أصدقائنا (...) فور وصولنا إلى مكان ما لنتسكّع، يأتون إلينا ليمنعوننا من ذلك، ويسألوننا لماذا نجلس هنا".

وبحسب أمير، "ربما يعتقد مقاتلو طالبان أن الشباب يخططون لشيء ضدّهم إذا تجمّعوا"، وكأنهم من صفوف المقاومة.

في حزيران/يونيو، اتّهمت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حركة طالبان بارتكاب أعمال تعذيب في الإقليم وباحتجاز مدنيين تعسفيًا بتهمة انتمائهم لجبهة المقاومة الوطنية.

وقالت منظمة العفو حينها إن "هذه الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان تخلق مناخًا من الخوف وانعدام الثقة في المنطقة"، ما نفته طالبان.

وتقول نبيلة الآتية من كابول مع أخواتها الأربع لحضور جنازة والدتهنّ قرب مدينة بازاراك "في الماضي، كنّا نشعر بسعادة عندما نأتي إلى هنا، كان يمكن لأزواجنا المجيء بحرية".

وتضيف، دون الكشف عن كنيتها، "أصبحنا الآن نشعر بالخوف ونخشى أن يقوم (مقاتلو طالبان) باعتقالهم. لم يتمكّن معظم أزواجنا من حضور الجنازة، قلنا لهم إنه لا يمكننا الوثوق بطالبان".

لدى وصول طالبان في أيلول/سبتمبر إلى المنطقة التي كان يقطن فيها أكثر من 170 ألف نسمة قبل آب/أغسطس 2021، فرّ العديد من السكّان.

ويؤكّد المتحدث باسم حاكم إقليم بانشير أبو بكر الصديق، لوكالة فرانس برس، "غادرت أقلّ من ألفيْ عائلة ربما بانشير، لكن معظمها عادت".

ويعتبر ما تقوم به جبهة المقاومة الوطنية "دعاية"، وهي فكرة يؤيّدها عبد الحميد خراساني، القائد لمحلي لكتيبة "بدري 313" وهي عناصر قوات خاصة تابعة لطالبان.

ويقول خراساني، في منزل في قرية تاواخ أصبح مقرّه على مدخل الوادي "لم نرَ أي جبهة، الجبهة غير موجودة".

ويؤكّد الرجل المُحاط بحرّاس مسلّحين أنه "لا يوجد أي تهديد أمني، في أي مكان (...) هناك بعض الأشخاص في الجبال ونحن نلاحقهم".

من جهته، يقول علي ميسم نظاري، مسؤول العلاقات الدولية في جبهة المقاومة الوطنية "إذا كنّا مقاتلين قلائل وأُبعدنا إلى داخل الجبال، لماذا يرسلون آلاف المقاتلين؟".

ويؤكّد أن جبهة المقاومة الوطنية تملك "قاعدة دائمة في كلّ وادٍ جانبي في بانشير، أي أكثر من عشرين قاعدة"، وفي أقاليم أخرى في شمال شرق البلاد. وتقول الجبهة إنها تضمّ نحو ثلاثة آلاف عضو في جميع أنحاء البلاد، لكن يستحيل التحقق من هذا الرقم.

ويعتبر مدير برنامج دراسات منطقة آسيا في مركز ويلسون الأميركي مايكل كاغلمان أن جبهة المقاومة الوطنية "تملك إرادة القتال لكن لا قدرة لديها" على القيام بذلك، مشددًا على أن "شريحة كبيرة" من قادة الجبهة ومقاتليها موجودون في الخارج، لا سيّما في طاجيكستان المجاورة.

ويقول "من أجل أن تكون جبهة المقاومة الوطنية مجموعة فعّالة حقًا، يجب أن تحصل على مزيد من الدعم الخارجي العسكري والمالي".

ولا يزال التهديد الآخر لسلطة طالبان يتمثل في فرع تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان الذي بدأ ينشط منذ العام الماضي، من خلال زرع قنابل وتنفيذ هجمات انتحارية واستهداف أقليات دينية أفغانية خصوصًا الأقلية الشيعية، بدلًا من مهاجمة مقاتلي طالبان بشكل مباشر.

وتحاول طالبان التقليل من التهديد الذي يشكّله تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان من خلال شنّ معركة ضده واعتقال مئات لرجال المتّهمين بالانتماء إليه.

وتؤّكد حركة طلبان منذ أشهر أنها هزمت تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان، لكن يرى محللون أن المجموعة المتطرّفة لا تزال تشكّل التهديد الأمني الأبرز بالنسبة لحكومة طالبان.

ويرى كاغلمان أنه من الممكن لجبهة المقاومة الوطنية أن تستفيد من تكثيف الهجمات على تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان.

ويضيف "إذا رأى الأفغان تفجير الدولة الإسلامية في ولاية خراسان لعائلاتهم (...) فقد يؤدّي ذلك، على ما أعتقد، إلى توجيه ضربة كبيرة لشرعية طالبان وقد يفيد ذلك قوات جبهة المقاومة الوطنية ويمنحها فرصة" لطرح نفسها كبديل.

اضف تعليق