لطالما كانت العلاقات الإيرانية – الأوروبية شديدة التوتر بسبب سلسلة من الخلافات المتفاقمة منذ ثلاثة عقود تقريباً، شملت التعامل مع البرنامج النووي الإيراني والتحالف مع الخليج العدو الازلي لإيران، فضلا عن صراع النفوذ الذي اذكى ازمات الشرق الوسط وخاصة الأزمة في سوريا، جل هذه الخلافات باتت قيد الانفراج بعدما تمكنت ايران من عقد الاتفاق النووي الذي وقع في 14 تموز/ يوليو بين طهران والقوى الست الكبرى، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا، مما يتيح امكانية بدأ صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية – الأوروبية خلال الآونة المقبلة.

وتجسد آمال فتح صفحة جديدة بين ايران واوروبا بالزيارات الدبلوماسية على غرار زيارة وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني لإيران، ولتأكيد هذه الرغبة في فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الطرفين، نقل فابيوس اول وزير خارجية فرنسي يتوجه الى ايران منذ 12 عاما، دعوة من الرئيس فرنسوا هولاند الى نظيره الايراني حسن روحاني لزيارة فرنسا في تشرين الثاني/نوفمبر، في الوقت نفسه اعربت لندن عن املها في ان تعيد قبل نهاية السنة فتح السفارة البريطانية في طهران، المقفلة منذ 2011 بعدما نهبها متظاهرون كانوا يرفضون تشديد العقوبات على ايران، بدوره، أعلن محمد جواد ظريف وزير الخارجية الايراني أن الاتحاد الأوروبي وبلاده "قررا اليوم فتح فصل جديد في العلاقات".

ويرى بعض المراقبين ان هذه التحركات الدبلوماسية تشي ببدء مرحلة جديدة من العلاقات السياسية والاقتصادية، ومن المرجح التعاون في مجالات الطاقة والنقل والتجارة والبيئة وحقوق الإنسان، فضلا عن مناقشة الأزمات الإقليمية التي تطرح تهديدا على المنطقة وأيضا على العالم اجمع وخصوصا أوروبا.

فيما يرى المحللون بالنسبة لفرنسا ستسعى لتبديد أي توتر في العلاقة بسبب الموقف المتشدد الذي اتخذته فرنسا أثناء المفاوضات التي انتهت باتفاق نووي تاريخي في 14 يوليو تموز ومن ثم خلق مناخ إيجابي لإقامة علاقات اقتصادية أقوى.

وتأمل فرنسا ان تبرم اتفاقات في قطاع الاعمال مع إيران فور رفع العقوبات وصرح فابيوس بأن موقفه المتشدد خلال المحادثات النووية لن يقف في طريق الفرص المتاحة امام الشركات الفرنسية لابرام اتفاقات.

وفي اطار الرفع المتوقع للعقوبات الاقتصادية عن الجمهورية الاسلامية واعادة فتح سوق السيارات الايرانية امام المستثمرين، يسعى عدد من شركات صناعة السيارات الاجنبية للحصول على حصص في هذا السوق الواعد.

من جهة أخرى انتقدت الإمارات الاتحاد الأوروبي بسبب السعي لإشراك إيران في تحقيق الاستقرار بالمنطقة وقالت إن سياسة طهران "عدائية" تساعد في الاستقطاب بين دول المنطقة، وردت دول الخليج العربية بقلق على خطاب للزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في 18 يوليو تموز قال فيه إن الاتفاق لن يحدث أي تغير في السياسات الإيرانية بالشرق الأوسط أو في علاقتها مع واشنطن.

لذا يرى بعض المحللين ان تصاعد لهجة المعارك الكلامية المستمر بين المعسكرات المتشددة في ايران واوروبا وحلفائها، يظهر ذريعة سياسية لإخفاء النوايا المبيتة والرهانات الشبه حتمية والحقيقية الموجود لدى الجانبين، وقد اتضح جليا من خلال اعتمادهما على سياسة الغموض الاستراتيجي بالقوة الناعمة.

وعليه يبدو ان تراكم الخلافات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية على ما عقود، اخذت تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية بين اوروبا وايران حاليا على الرغم من عقد الاتفاق النووي، وهو يطرح العديد من السيناريوهات حول ماهية العلاقات الاستراتيجية بين الجانبين في المستقبل القريب.

خامنئي ينتقد تاريخ الأوروبيين

في سياق متصل انتقد المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي الأوروبيين وتاريخهم على حسابه على تويتر، ويأتي ذلك بالتزامن مع الزيارة الدبلوماسية الأولى لوزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني إلى إيران، وجه المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي انتقادا إلى الأوروبيين، تزامنا مع أول زيارة لإيران تقوم بها وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني. بحسب فرانس برس.

وكتب المرشد على حسابه على موقع تويتر إن "الأوروبيين تسببوا بإحدى أكبر الحروب في التاريخ والتي قتلت عددا كبيرا من الناس (...) وألحقت بنا ضررا أيضا"، وأضاف "قرأت التاريخ الأوروبي. هؤلاء الأوروبيون تسببوا بحربين عالميتين مدمرتين في القرن الفائت، حربين عالميتين في أقل من قرن".

وقال ظريف خلال مؤتمر صحافي مع موغيريني في ختام لقائهما "لطالما احترمت إيران التزاماتها"، وأضاف "لقد تحدثنا عن تدابير يجب أن تتخذ. سنبلغ هذه المرحلة خلال 60 إلى 70 يوما". وأوضح أن "إيران ستستمر في التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وآمل في أن تستمر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تطبيق تعهداتهما".

وموغيريني التي التقت الرئيس حسن روحاني رأت أن الاتفاق النووي "سيفتح فصلا جديدا في العلاقات بين إيران والاتحاد الأوروبي". وأضافت "بات تطبيقه المهمة التي علينا إنجازها"، وقال روحاني "بالطريقة نفسها التي بذلت فيها الجهود للتوصل إلى الاتفاق، علينا أن نركز على تطبيقه الدقيق والكامل لتستفيد شعوبنا والعالم من فوائده".

فابيوس في طهران

فيما انتقدت وسائل اعلام وشخصيات من اوساط المحافظين الايرانيين وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس قبل وصوله الى طهران فيما دافعت عنه الحكومة الايرانية، ونقلت وكالة فارس للانباء المقربة من المحافظين عن مجتبى ذو النور الممثل السابق للمرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية اية الله علي خامنئي في الحرس الثوري ان وزير الخارجية الفرنسي "ياتي الى ايران خلال +اسبوع دعم المصابين بالهيموفيليا+ ما يذكرنا بمواطنينا الاعزاء الذين قضوا بسبب استيراد الدم الملوث الذي كان فابيوس المسؤول الرئيسي عنه"، وكان فابيوس رئيس وزراء حين اندلعت في فرنسا فضيحة الدم الملوث في الثمانينات. بحسب فرانس برس.

وقام المركز الوطني لنقل الدم في ذلك الحين بتوزيع دم ملوث بفيروس الايدز ما ادى الى مقتل مئات الاشخاص في فرنسا حيث حظر لاحقا استخدام هذه المنتجات الملوثة، غير ان تصدير الدم الملوث استمر الى الخارج ولا سيما الى ايران ما ادى الى اصابة مئات الاشخاص ووفاتهم، وفي 1999 برأ القضاء الفرنسي لوران فابيوس في هذه القضية.

وفي مواجهة هذه الهجمات التي وردت ايضا في وسائل اعلام اخرى قريبة من المحافظين وتناولت كذلك دعم فرنسا للعراق خلال حرب الخليج (1980-1988) او كذلك موقفها المتشدد خلال المفاوضات الاخيرة حول البرنامج النووي الايراني، تولى وزير الصحة الايراني سيد حسن هاشمي الدفاع عن فابيوس.

وقال ان "فابيوس شخصية دولية .. وليس من مصلحة البلاد اثارة هذه المسالة (قضية الدم الملوث) الان" مضيفا انه "كما لو انه على سبيل المثال اذا ارادت شخصية المانية القدوم غدا الى ايران، ان تطرح مسالة دور المانيا في الحرب العالمية (الثانية)"، الا انه لفت الى ان ايران وفرنسا لديهما "سجال قانوني" حول هذه القضية.

باريس تشكك في تطور سريع لسياسة ايران الدولية

من جهته قال فابيوس متحدثا لاذاعة فرانس انفو "يقول البعض ان +هذا (الاتفاق حول الملف النووي الايراني) سيحمل الايرانيين على تعديل سياستهم الاقليمية بالكامل+. اما انا، فانني اكثر حذرا .. لست واثقا بان يحصل تغيير في الوقت الحاضر".

واوضح لدى عودته من اول زيارة لوزير خارجية فرنسي لايران منذ 17 عاما انه "مع نهوض الاقتصاد، فان ذلك قد يحملهم مستقبلا على التطور لكن التصريحات الرسمية في الوقت الحاضر لا تشير الى تطور على الساحة الدولية"، واعرب عن امله في ان "يتجه موقف ايران نحو حفاظ على الاستقرار وبحث عن السلام" مضيفا "نتمنى بالطبع ان يعملوا من اجل السلام والاستقرار". بحسب فرانس برس.

وقال "هذا ليس واضحا في الوقت الحاضر .. سنواصل التباحث" معهم مشيرا الى ان البلدين اتفقا على اقامة حوار بانتظام "كل سنة على الاقل" على مستوى وزيري الخارجية، وسئل عن مكافحة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وسوريا فراى فابيوس ان بوسع الايرانيين ان يقدموا "موضوعيا" دعما "مفيدا" بدون ان ينضموا الى الائتلاف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وتابع "حين اقول +موضوعيا نعم+ هذا لا يعني ان يكون هناك ائتلاف لانهم ليسوا جزءا من الائتلاف"، واضاف "انهم يريدون، هذا ما يقولونه واعتقد انه صحيح، مكافحة ارهاب داعش وبالطبع، هذا النوع من الدعم يمكن ان يكون مفيدا، لكن بدون تنسيق القوى وقيام تنظيم مشترك".

لندن وبالسفر الى ايران

من جانب آخر خففت لندن السبت تحذيراتها للرعايا البريطانيين الذين يريدون السفر الى ايران، بعد اكثر من اسبوع على توقيع الاتفاق النووي بين طهران والقوى العظمى، واعلنت وزارة الخارجية البريطانية "ما زلنا ننصح بعدم زيارة بعض المناطق، ولاسيما الحدود مع العراق وباكستان وافغانستان. لكننا ألغينا النصيحة السابقة التي كانت تقضي بالامتناع عن السفر الى معظم انحاء ايران إلا لسبب وجيه". بحسب فرانس برس.

من جهته قال وزير الخارجية البريطانية فيليب هاموند "نعتقد ان المخاطر تغيرت، ومرد ذلك جزئيا الى تراجع العداء مع حكومة الرئيس الايراني" حسن روحاني.

عودة بيجو إلى إيران قد تكون أصعب بالمقارنة مع رينو

على صعيد مختلف قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بعد محادثات مع القادة الإيرانيين إن شركة بيجو ستروين - التي كانت رائدة سوق السيارات سابقا في إيران - قد تجد صعوبة أكبر مقارنة مع منافستها الفرنسية رينو في العودة إلى هناك.

وحظيت كل من بيجو ورينو بوضع قوي في السوق الإيرانية قبل فرض عقوبات دولية على طهران في 2011 مما أجبرهما على الخروج من السوق، وقال فابيوس - الذي عاد لتوه من أول زيارة لوزير خارجية فرنسي إلى إيران منذ 12 عاما - إن رد فعل الوزراء الإيرانيين بشأن رينو ايجابي. بحسب رويترز.

وقال فابيوس لراديو فرانس إنفو "فيما يتعلق ببيجو ينتقدها القادة الإيرانيون بسبب خروجها قبل سنوات قليلة بطريقة يعترضون عليها. لذلك قد تكون أكثر صعوبة"، وتهتم شركات صناعة السيارات مثل بيجو ستروين وفولكسفاجن بدخول السوق الايرانية بفضل توقع رفع العقوبات الدولية عن إيران بعد التوصل لاتفاق بشأن ملفها النووي مع القوى العالمية، وقال كارلوس تافاريس الرئيس التنفيذي لبيجو إن المحادثات التي تجريها شركته بشأن مشروع مشترك مع أكبر شركة لصناعة السيارات في إيران تواجه صعوبات بفعل مشاعر معادية لفرنسا في البلاد، وقال إن بيجو أعدت مقترحات مع شريكتها التاريخية خودرو الإيرانية. ونقلت قناة برس تي.في الحكومية عن خودرو قولها إن بيجو يجب أن تأخذ في الاعتبار قرارها في 2011 بالخروج من إيران بموجب العقوبات قبل توقيع أي صفقة جديدة.

الإمارات تنتقد انفتاح الاتحاد الأوروبي على إيران

الى ذلك قال مسؤول إماراتي كبير إن فيدريكا موجيريني مفوضة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي التي زارت إيران عجزت عن فهم أهداف إيران وإن إشادتها بالالتزام الذي أبداه فريقها التفاوضي في المفاوضات النووية بدت في غير محلها.

وقبل الزيارة كتبت موجيريني افتتاحية في صحيفة الجارديان البريطانية حيث قالت إن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي فوضوها لاستكشاف سبل يمكن للاتحاد من خلالها الترويج لإطار عمل أكثر تعاونا يشمل إيران بعد الاتفاق النووي بين طهران والقوى الدولية.

وكتبت موجيريني "التعاون بين إيران وجيرانها والمجتمع الدولي كله قد يفتح احتمالات لم يسبق لها مثيل لتحقيق السلام في المنطقة.. بدءا من سوريا واليمن والعراق"، وقال أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية إن موجيريني لم تدرك الانقسامات التي تثيرها السياسة الإيرانية وأشار إلى أن إشادتها بمسؤولين إيرانيين فاوضوها لم تكن في محلها.

وقال قرقاش بحسابه على موقع تويتر إن الافتتاحية التي كتبتها موجيريني في الجارديان غاب عنها فهم السياسة العدائية لإيران في المنطقة والإيحاءات الطائفية التي أدت للاستقطاب في الشرق الأوسط، وأضاف أن مهمتها في تحقيق تعاون إقليمي يجب أن تنشأ من فهم واضح لسياسة إيران القائمة على التدخل الطائفي وإذكاء الاستقطاب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1