تشهد العلاقات الأمريكية الايرانية المعاصرة تطورات دبلوماسية لم يسبق لها مثيل منذ اكثر من ثلاثة عقود، وذلك عقب الاتفاق النووي مع ايران، الذي يمثل انجازا سياسيا كبيرا للرئيسين الأمريكي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني لكن يتعين عليهما أن يقنعا به المحافظين أصحاب النفوذ في البلدين اللذين سادت بينهما العداوة لعقود ويصفان بعضهما البعض بألقاب من بينها "الشيطان الأكبر" و"محور الشر".

إذ يرى الكثير من المحللين أن هناك ثمة انقسامات عميقة داخل الدوائر الحاكمة في كل من الولايات المتحدة وايران عن تعاون كل جانب مع الجانب الآخر. وتتباين رؤى واشنطن وطهران بشدة فيما يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط. كما أن الشك يهيمن على الطرفين بعد 36 عاما من قيام الثورة الإسلامية في ايران.

بينما يرى بعض المحللين انه على الرغم من اختلاف مواقف البلدين في قضايا من اسرائيل إلى شرعية الرئيس السوري بشار الأسد فإنهما يشتركان في بعض المخاوف ومنها التهديد الذي يمثله تنظيم داعش الاجرامي، ويتساءل الكثير بشأن دور امريكا وايران ومدى امكانية تعاونهما في الحرب ضد داعش داخل سوريا والعراق، وهذا ما قد يضع ألغاما جيوسياسية كثيرة في منهج كسب النفوذ داخل الشرق الاوسط، فحتى قبل اكتمال الاتفاق النووي وعد أوباما دول الخليج العربية بأنه سيتخذ خطوات أكثر جرأة للتصدي للسياسات الايرانية التوسعية في العالم العربي، وهذا قد يؤدي إلى رد معاكس في طهران.

فقد أبدئ الكثير من الحرس الثوري الإيراني ومحافظين آخرين في انتقاد الاتفاق بشكل مباشر وهاجموا قرارا أقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يتبنى الاتفاق، من جهته تعهد الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بالتصدي للولايات المتحدة وسياساتها في منطقة الشرق الأوسط رغم الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران والقوى العالمية قائلا إن واشنطن سعت "لإخضاع" إيران.

وقد لا تتماشى تصريحات خامنئي التي تهاجم سياسات واشنطن في الشرق الأوسط مع مسعى دبلوماسي يعتزم وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف القيام به في الأيام المقبلة بعد إبرام الاتفاق.

في المقابل اعلن وزير الدفاع الاميركي آشتون كارتر ان الاتفاق حول البرنامج النووي الايراني لا يمنع البنتاغون من إبقاء الخيار العسكري على الطاولة لمنع ايران من حيازة القنبلة الذرية، كما اعربت امريكا عن انزعاجها للغاية من العداء الذي أبداه الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي لها بعد توقيع الاتفاق النووي بينما سعى وزيرا خارجية البلدين لتهدئة المعارضة للاتفاق من ساسة متعصبين بالداخل، ففي الولايات المتحدة فقد اصطف الجمهوريون الذين يهيمنون على الكونجرس ضد الاتفاق لكن أوباما يقول إنه سيستخدم حق النقض للتصدي لأي رفض من الكونجرس، كما عهد إلى كيري أيضا بمهمة إقناع حلفاء أمريكا المتشككين في المنطقة بالاتفاق. وتعارض إسرائيل الاتفاق بشكل قاطع بينما تنتاب حلفاء مثل السعودية شكوك في أن الاتفاق يصب في صالح غريمتهم التي يتهمونها بإشعال الصراع الطائفي في المنطقة.

إذ تظهر حرب التصريحات السياسية من لدن الجهات المتشددة في ايران وأمريكا محاولة لتغيير البوصلة السياسة الدولية، من أجل تحقيق نوايا تفضح تناقض الكلمات، ومن أجل سبق الأحداث وكسب حرب الغنائم المعنوية، مما يعني ان هذه التصريحات العملاقة دليل يوضح مدى النوايا الخفية للغريمين، خصوصا وأنهما يتعرضان لانتكاسات اقتصادية وتحديات عسكرية تستنزف الخزين المادي لاقتصاد بلديهما، من خلال تصنيع وشراء الأسلحة وغيرها من الاغراض التي تتعلق بالشأن العسكري، وعليه فإن الأجندة آنفة الذكر، متعددة الأوجه والأشكال وتستعرض ادوارا مختلفة من الاهداف السياسية باستخدام الاستراتيجية التدريجية المرنة.

وعليه يبدو من المرجح أن تواصل الولايات المتحدة وايران اتصالاتهما الدبلوماسية الحذرة في أعقاب الاتفاق النووي التاريخي الذي تم التوصل إليه، لكن يبدو أن طريق حل العلاقات الامريكية مليء بأشواك الصراعات والاجندة الخاصة، التي تتغدى على الخطابات والتصريحات والمحادثات المتماهية دون الوصول الى معالجات أو اتفاقات جذرية بين طرفي الازمة، وهذا قد يضع العلاقات الدبلوماسية في خطر وثمة احتمال بأن ينتهي الأمر في إحدى المراحل، الى مواجهة عسكرية والعودة الى نقطة الصفر.

أمريكا "منزعجة" من خامنئي

في سياق متصل قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إن الخطاب الذي ألقاه خامنئي يوم السبت وتوعد خلاله بتحدي السياسات الأمريكية في المنطقة رغم الاتفاق الذي أبرمته إيران مع القوى الدولية بشأن برنامجها النووي "مزعج للغاية"، وقال خامنئي لأنصاره إن السياسات الأمريكية في المنطقة تختلف "180 درجة" مع سياسات إيران وذلك في خطاب ألقاه في مسجد بطهران وسط هتافات "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل". بحسب رويترز.

من جهته قال عبد اللطيف الزياني الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي إن خطاب خامنئي تضمن "إشارات توحي باستمرار إيران في التدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية"، وأضاف في تعليقات نقلتها عنه وكالة الأنباء السعودية إن تلك التصريحات "لا تساعد على بناء الثقة لعلاقات تعاون تقوم على مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية"، ووصف دوري جولد مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية معارضة إسرائيل للاتفاق بأنها "خلاف كبير" مع واشنطن حول "ركيزة أساسية للسياسة الخارجية" لكنه في نفس الوقت سعى للتهوين من شأن الخلاف مع أقرب حليف لإسرائيل.

من جانبه قال وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف "نحن لا نقول إن الاتفاق بالكامل في صالح إيران. فأي مفاوضات فيها الأخذ والعطاء. وبكل تأكيد أبدينا بعض المرونة"، وأضاف "أقول لكم كما قلت للزعيم الأعلى إننا بذلنا أقصى ما في وسعنا للحفاظ على أغلب الخطوط الحمراء إن لم يكن كلها".

وقال ظريف للنواب إن قرار الأمم المتحدة اقتصر على تقييد تطوير الصواريخ المصممة لحمل رؤوس نووية وأضاف أن هذا لن يؤثر على برنامج الصواريخ الإيراني لأن إيران ليس لديها برنامج لتطوير صواريخ نووية، ونقلت وكالة تسنيم للأنباء عن محمد علي جعفري قائد الحرس الثوري قوله إن "بعض بنود مشروع (القرار) تجاوزت بوضوح الخطوط الحمراء التي رسمتها الجمهورية الإسلامية خاصة ما يتعلق منها بالقدرات العسكرية لإيران"، وكسر علي أكبر ولايتي وهو مستشار كبير لخامنئي للشؤون الخارجية صمتا طويلا يوم الثلاثاء وقال إن الاتفاق "لا يخلو من الأخطاء" لكنه لم يرفضه بشكل قاطع.

ونقل موقع الزعيم الأعلى على الانترنت عن أكبر ولايتي قوله "لا أحد يمكنه أن يحدد لنا أي الأسلحة نمتلك .. وباستثناء الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل ستواصل إيران صنع كل أنواع الصواريخ والطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع المضادة للصواريخ والدبابات وغيرها من المعدات المدرعة التي تحتاجها".

البنتاغون يبقي الخيار العسكري ضد ايران

على صعيد ذي صلة ادلى وزير الدفاع الاميركي آشتون كارتر بتصريحه للصحافيين في الطائرة التي أقلته الى اسرائيل، المحطة الاولى في جولة شرق أوسطية ترمي خصوصا الى طمأنة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة القلقين من تبعات الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين ايران والدول الكبرى في جنيف.

وقال الوزير الاميركي ان "احد الاسباب التي تجعل هذا الاتفاق اتفاقا جيدا هو انه لا يحول بتاتا دون إبقاء الخيار العسكري" الاميركي على الطاولة اذا ما سعت ايران الى حيازة السلاح الذري، وأضاف ان هذا الخيار "نبقي عليه ونحسنه باستمرار".

وشدد الوزير الاميركي على ان بلاده ستواصل تعميق تعاونها العسكري مع حلفائها التقليديين في المنطقة مثل اسرائيل والسعودية، وقال انه "بسبب عدوان ايران المحتمل وانشطتها الخبيثة فاننا نبحث دائما عن طرق لتعزيز موقعنا هناك. وبالطبع لدينا سبب آخر كبير لان يكون لدينا موقع قوي (في المنطقة) وهو مكافحة التطرف".

وتابع كارتر "نحن نعمل مع اسرائيل على تحسين قدراتها العسكرية النوعية ودفاعها الصاروخي البالستي وانشطة مكافحة الارهاب. هناك حزمة كاملة من الامور التي نقوم بها مع اسرائيل وسنقوم بالمزيد".

اما مع السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي فان الولايات المتحدة تعمل على تعزيز التعاون في مجالات "مكافحة الارهاب وقوات العمليات الخاصة والامن البحري والدفاع الصاروخي الجوي المتكامل والامن الرقمي".

وسيلتقي كارتر خلال زيارته لاسرائيل رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو ونظيره الاسرائيلي موشيه يعالون. اما في السعودية فسيلتقي خصوصا الملك سلمان ونجله الامير محمد الذي يشغل منصب وزير الدفاع. بحسب فرانس برس.

واضافة الى اسرائيل والسعودية تشمل زيارة كارتر ايضا الاردن حيث سيزور خصوصا القاعدة الجوية التي انطلق منها الطيار الاردني معاذ الكساسبة الذي احرقه حيا تنظيم الدولة الاسلامية المتطرف. وهذه القاعدة الواقعة على بعد حوالى 50 كلم من الحدود السورية تستخدمها طائرات العديد من الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد التنظيم الجهادي.

خامنئي يتعهد بالتصدي للولايات المتحدة رغم الاتفاق النووي

الى ذلك تعهد الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بالتصدي للولايات المتحدة وسياساتها في منطقة الشرق الأوسط رغم الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران والقوى العالمية الأسبوع الماضي قائلا إن واشنطن سعت "لإخضاع" إيران.

وأضاف في كلمة ألقاها في مصلى الإمام الخميني بالعاصمة الإيرانية طهران وتخللتها هتافات "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل" أنه يرغب في أن يدرس السياسيون الاتفاق لضمان الحفاظ على المصالح الوطنية لأن إيران لن تسمح بتعطيل مبادئها الثورية أو قدراتها الدفاعية، وكرر خامنئي الذي يملك القول الفصل في الشؤون العليا للدولة في إيران عبارة "سواء تمت الموافقة عليه أم لا" في كلمته مما يشير إلى أن الاتفاق مازال بحاجة إلى كسب دعم كامل من المؤسسة السياسية في البلاد. بحسب رويترز.

وقال "سواء تمت الموافقة على الاتفاق (النووي) أم لا لن نكف مطلقا عن دعم أصدقائنا في المنطقة وشعوب فلسطين واليمن وسوريا والعراق والبحرين ولبنان. حتي بعد هذا الاتفاق لن تتغير سياستنا تجاه الولايات المتحدة المتغطرسة"، وينص الاتفاق المبرم على أن ترفع العقوبات تدريجيا عن إيران مقابل قبولها بقيود طويلة الأجل على برنامجها النووي الذي يشتبه الغرب بأنه يهدف إلى صنع قنبلة نووية فيما تنفي إيران سعيها لامتلاك سلاح نووي.

وقال "يقول الأمريكيون إنهم سيمنعون إيران من الحصول على سلاح نووي، "يعرفون أن هذا ليس صحيحا. لدينا فتوى تقول إن الأسلحة النووية حرام بموجب الشريعة الإسلامية. ليس لذلك صلة بالمحادثات النووية".

وأثنى خامنئي في وقت لاحق على المفاوضين الإيرانيين الذين بحثوا الاتفاق في محادثات ماراثونية في فيينا، ونقل الموقع الالكتروني الرسمي لخامنئي عنه قوله في اجتماعات مع مسؤولين إيرانيين كبار وسفراء عدة دول إسلامية "رأينا كذب الأمريكيين مرارا وتكرارا خلال المحادثات النووية لكن لحسن الحظ قاتل مسؤولونا وكانت لهم في بعض الحالات ردود فعل ثورية"، لكن تصريحات خامنئي لم تسلط المزيد من الضوء على الإجراءات التي ستتخذها إيران للمصادقة على الاتفاق والتي لا تعرف عنها أي تفاصيل. وقالت وسائل الاعلام الإيرانية إن ظريف سيطلع البرلمان على الاتفاق يوم 21 يوليو تموز وإن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سيبحث الاتفاق أيضا.

واشنطن وطهران.. الطفرات مستبعدة

من جانب أخري قال الرئيس باراك أوباما - الذي يتعين عليه الان اقناع الكونجرس المتشكك بالاتفاق النووي المعقد - إن العلاقات ستشهد المزيد من الاتصالات الدبلوماسية مع ايران لكنه كان متحفظا في توقعاته.

وقال في مؤتمر صحفي "أملي أن نتمكن بالاستفادة من هذا الاتفاق من مواصلة المناقشات مع ايران بما يحفزها على التصرف بشكل مختلف في المنطقة وأن تكون أقل عدوانية وأقل عداء وأكثر تعاونا. لكننا لا نعول على ذلك". بحسب رويترز

وقال الدبلوماسي الأمريكي المخضرم دينيس روس الذي عمل ضمن كبار المستشارين لاوباما إن من المرجح أن يعوض خامنئي ماليا جماعات مثل الحرس الثوري، ومن المعتقد أن قادة الحرس الثوري يتشككون في الاتفاق النووي كما أن واشنطن تتهم قوة القدس التابعة للحرس بإذكاء العنف في لبنان واليمن وسوريا والعراق.

وقال روس الذي يعمل الآن في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى "في الأجل القريب لا أعتقد أنك ستشهد أي تحسن فمن المرجح أن تصبح الأمور أكثر تعقيدا في المنطقة"، وثمة انقسامات في واشنطن أيضا فيما يتعلق بالسياسات.

فقد قال مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون إن إدارة أوباما منقسمة بشأن تعميق التعاون مع ايران، ويقال أن وزير الخارجية جون كيري يرى فرصا للحوار في حين مازالت الذكريات حديثة في أذهان العسكريين الامريكيين عن تعرض جنود للقتل والتشويه في العراق على أيدي ميليشيات شيعية تدعمها ايران، كما أن ايران لم تبد أي بادرة على التخلي عن دعمها للاسد، وقال هشام الهاشمي المحلل الأمني العراقي "الاتفاق النووي الايراني لن يفيد في الساحة العراقية أو في سوريا"، وأضاف "السعودية لا تريد تقديم تنازلات فيما يتعلق بالأسد" وتصر على رحيله. "وايران تقول لا. لا بد من بقاء الأسد. وتلك هي المشكلة في سوريا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1