يستخدم المتاجرون بالبشر حاليا التكنولوجيا والإنترنت لتحديد ضحاياهم وتجنيدهم والسيطرة عليهم واستغلالهم، وتحقيق مكاسب وأرباح كبيرة. لكن هل من سبيل لمعالجة هذه الظاهرة المخيفة؟

يظهر بحث أجراه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، كيف يتم استهداف الضحايا وتجنيدهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومنصات التعارف عن طريق الإنترنت حيث تتوفر المعلومات الشخصية وتفاصيل تتعلق بأماكن وجود الأشخاص بسهولة.

فالمتاجرون بالبشر، الذين يخدعون الأشخاص بوعود وعروض عمل مزيفة، ومن ثمّ يستغلونهم من أجل الربح، يستفيدون من تقنيات الإنترنت في كل خطوة من خطوات أنشطتهم الإجرامية.

وقد التقى هذا الشهر (تشرين الأول/أكتوبر) خبراء من حوالي 100 دولة عبر الإنترنت وفي فيينا بالنمسا، لمناقشة استراتيجيات مكافحة هذه الظاهرة، والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا لمنع الاتجار بالبشر والتحقيق في قضايا هذه الجريمة.

كيف يتم الاتجار بالبشر عبر الإنترنت؟

يحدث الاعتداء الجنسي وأشكال الاستغلال الأخرى بشكل افتراضي ويتم بيع الصور ومقاطع الفيديو على منصات مختلفة للعملاء في جميع أنحاء العالم، مما يزيد من أرباح المتاجرين بدون أي تكلفة إضافية.

وأوضحت تيفاني كريتين، مسؤولة منع الجريمة والعدالة الجنائية في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن "المتاجرين يسارعون إلى تكييف نموذج أعمالهم ليناسب احتياجاتهم وزيادة أرباحهم، لذا فهم بالطبع يواكبون الاتجاهات عبر الإنترنت."

وأضافت تقول: "يستخدم المتاجرون بالبشر حاليا التكنولوجيا لتحديد هوية ضحاياهم وتجنيدهم والسيطرة عليهم واستغلالهم، بالإضافة إلى استخدام الإنترنت، وخاصة الشبكة المظلمة، لإخفاء المواد غير القانونية الناتجة عن الاتجار وإخفاء هوياتهم الحقيقية من المحققين."

والشبكة المظلمة هي جزء من الإنترنت غير مرئي لمحرّكات البحث، ويتطلب استخدام متصفح مجهول ليتم الوصول إليها.

ويمكن استخدام تطبيقات تتبع المواقع واستخدام أنظمة تحديد المواقع العالمية في الهواتف المحمولة لمعرفة مكان الضحية، فيما تُمكّن الكاميرات في الهواتف الذكية المستخدمة أثناء مكالمات الفيديو المتاجرين من رؤية الضحايا ومحيطهم.

كما يتمكن المتاجرون من السيطرة على ضحاياهم من خلال التهديد بنشر صور أو مقاطع فيديو حميمة لهم وإرسالها لعائلاتهم وأصدقائهم، إذا لم يمتثلوا لمطالبهم.

الإنترنت توفر طريقة سهلة لجذب الضحايا

اليوم، توفر الإنترنت وصولا سهلا لمجموعة أكبر بكثير من الضحايا المحتملين لأن القيود المادية والجغرافية التقليدية لم تعد موجودة. ويُنشئ المتاجرون مواقع مزيفة على الإنترنت أو ينشرون إعلانات على بوابات التوظيف المشروعة ومواقع الشبكات الاجتماعية.

وتمتاز بعض هذه المواقع بخيار الدردشة الحية. ويمنح هذا المتاجر اتصالا فوريا وفرصة للحصول على معلومات شخصية، مثل تفاصيل جواز السفر، وبالتالي تعزيز سلطتهم على الضحايا المستهدفين.

ويمكن استغلال الضحايا بشكل متكرر من خلال البث المباشر على مواقع متعددة، ولا يوجد حد لعدد مرات مشاهدة مقاطع الفيديو الخاصة بإساءة معاملتهم.

ويصعب على سلطات إنفاذ القانون التصدي لهذه الجريمة بسبب الطبيعة العالمية للاتجار بالبشر وإساءة استخدام التكنولوجيا. تقول السيدة كريتين: "عندما يتم التخطيط لجريمة ما في بلد ما، وضحايا في بلد آخر، وعميل في بلد ثالث، تواجه سلطات إنفاذ القانون تحديات عملية مثل العثور على الأدلة وتأمينها، لأن أي تحقيق يتطلب التعاون عبر الحدود ومستويات معينة من الخبرة الرقمية."

ويتم أيضا تبييض العائدات غير المشروعة من هذه الجريمة المربحة للغاية عبر الإنترنت من خلال العملات المشفرة، مما يسهل على المتاجرين استلام وإخفاء ونقل مبالغ كبيرة من المال، مع تقليل مخاطر اكتشافهم.

40% من ضحايا الاتجار بالجنس في الولايات المتحدة عبر الإنترنت

وسلطت ألكساندرا غلبر، نائبة رئيس السياسة والتشريع في قسم استغلال الأطفال بوزارة العدل الأميركية، الضوء على الروابط بين الاتجار والتكنولوجيا في بلدها.

وقالت: "تظهر البيانات أنه في الولايات المتحدة، يتم تجنيد ما يقرب من 40 في المائة من ضحايا الاتجار بالجنس عبر الإنترنت، مما يجعل الإنترنت المكان الأكثر شيوعا حيث يتم تجنيد الضحايا."

وأضافت أنه لأكثر من عقد من الزمن، كان الإعلان عبر الإنترنت هو التكتيك الرئيسي الذي يستخدمه المتاجرون بالبشر لجذب المشترين لممارسة الجنس مدفوع الأجر. وفي عام 2020، اشتمل أكثر من 80 في المائة من محاكمات الاتجار بالجنس التابعة لوزارة العدل الأميركية على الإعلانات عبر الإنترنت.

وقالت إنه يتم استخدام التكنولوجيا أيضا لارتكاب "الاتجار الافتراضي بجنس الأطفال" والذي يحدث عندما يرسل الجاني في الولايات المتحدة دفعة رقمية إلى تاجر في بلد آخر.

وأضافت تقول: "سيقوم المتاجر بعد ذلك بالاعتداء الجنسي على طفل أمام كاميرا الويب، بينما يشاهد الجاني في الولايات المتحدة بثاء مباشرا للإساءة."

وقد أتاحت جائحة كـوفيد-19 مزيدا من الفرص للمتاجرين بسبب زيادة استخدام الإنترنت، ولاسيما الشبكات الاجتماعية ومواقع ألعاب الفيديو عبر الإنترنت.

وقالت السيدة كريتين: "إجراءات الاحتواء للسيطرة على انتشار الفيروس تعني أن الناس يقضون وقتا أطول على الإنترنت، وخاصة الأطفال، منذ إغلاق المدارس. لقد شهدنا زيادة في مواد الاستغلال الجنسي للأطفال التي تم إنشاؤها ومشاركتها عبر الإنترنت أثناء الجائحة."

الاستخدام الجيد للتكنولوجيا

على الرغم من الاستخدامات الإجرامية المتزايدة للتكنولوجيا من قبل المتاجرين بالبشر، يمكن أيضا استخدام التكنولوجيا لتحديد الضحايا ودعم التحقيقات والملاحقات القضائية التي تقوم بها الشرطة.

وقالت كريتين: "مع ذلك، عندما يدخل المحققون العالم الرقمي للمواطنين، يكون لديهم إمكانية الوصول إلى المعلومات الشخصية. من الأهمية بمكان وجود أطر صارمة حول هذا الوصول إلى البيانات واستخدامها للتأكد من احترام الحق في الخصوصية وحقوق الإنسان."

وشكل النقاش جزءا من الفريق العامل الحكومي الدولي السنوي المعني بالاتجار بالأشخاص وتركز حول ورقة معلومات أساسية متعمقة حول هذا الموضوع من إنتاج قسم الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين التابع لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

وتعرض ورقة المعلومات الأساسية أمثلة عديدة على الشراكات والأدوات القائمة أو الواعدة التي تستخدمها البلدان أو تطورها.

ثلاثة أضعاف خلال 15 عاما

ينظر المتاجرون بالبشر إلى ضحاياهم وكأنهم "سلعة" ولا يأبهون بكرامة الإنسان ولا بحقوقه. يبيعون أبناء جلدتهم بأثمان قد تتراوح بين 10 دولارات و10 آلاف دولار، أما العوائد فتبلغ مئات الملايين من الدولارات.

وكشف التقرير العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر الذي يصدر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة كل عامين عن أن عدد الأطفال ضحايا المتاجرين بالبشر تضاعف ثلاث مرات في الأعوام 15 الماضية، في حين أن حصة الأولاد تضاعفت خمس مرات. وظلت الفتاة ضحية للاستغلال الجنسي، أما الصبي فيُستخدم في العمل القسري. وتزيد جائحة كـوفيد-19 من تدهور الاتجاه العام للاتجار بالبشر.

وبحسب التقرير، في عام 2018، تم التحقق من نحو 50 ألف ضحية للاتجار بالبشر وأبلغ عنها من قبل 148 دولة. لكن، بالنظر إلى الطبيعة الخفية لهذه الجريمة، فإن العدد الفعلي لضحايا الاتجار بالبشر أعلى بكثير.

ومنذ سنوات سابقة وتقارير سابقة أن الاتجار بالأطفال تحديدا لا يزيد إلا عندما تزيد المعاناة الإنسانية وتزداد المعاناة الاقتصادية، وتكون الظروف طاحنة للأسرة ولا يجد حتى الأشخاص كبار السن في الأسرة فرصة للعيش سوى بالاتجار بأطفالهم وفلذات أكبادهم. وعندما تزيد نسبة الاتجار بالأطفال، فأن نسبة الاتجار بالبشر قد طالت المجتمع بأكمله في دول المصدر التي اضطرتهم بعد الاتجار في العديد من البالغين الوقوع في براثن الاتجار بأطفالهم من أجل لقمة العيش أو للحصول - مثل النازحين واللاجئين وهم كثيرون حول العالم نتيجة الاضطرابات والنزاعات – على ملجأ أو مأوى فيضطرون تحت ضغط الفقر والحاجة والجوع إلى التفريط في أنفسهم ثم التفريط بأطفالهم.

التقرير أوضح ازديادا في نسبة الاتجار الذاتي بالبشر وهي مجموعة تكون مكونة من فردين أو ثلاثة وليست جماعة إجرامية عبر الحدود، هي تتكون من الأسر النازحة من أماكن النزاع اضطرت للاتجار في بعض أفراد الأسرة حتى تستطيع أن توفر لقمة العيش للأسرة ذاتها. يتم ذلك إما عن طريق تزويج القاصرات أو العمل القسري للأطفال، أو حتى عن طريق الاستغلال الجنسي للحصول على المأوى. أيضا الجماعات الإرهابية والمتطرفة في أنحاء العالم والمنطقة العربية في مناطق النزاعات أظهرت نوعا جديدا من الاتجار بالبشر عُرف بجهاد النكاح، وهو ما يحاولون فيه زورا وبهتانا أن يربطوه بأواصر لها علاقة بالدين وهي لا علاقة لها على الإطلاق بهذا. وقد استخدم في تحفيز واستخدام واستغلال الشباب في العمليات الإرهابية وتنفيذ أغراض الجماعات الإرهابية عن طريق إغرائهم بجهاد النكاح أو تزويج القاصرات، فكان هذا نوعا جديدا أو طابعا جديدا ظهر نتيجة لهذه الحروب والاضطرابات، ليس فقط في المنطقة العربية بل أيضا في دول أميركا اللاتينية. وظهر نوع جديد وهو الاتجار في الأشخاص في الحروب والنزاعات المسلحة لاستخدامهم في الحرب في مواجهة جماعات أخرى أو مواجهة الدولة وغيرها.

يصبح هؤلاء لقمة سائغة عندما تتقطع بهم سبل العيش فتضطر الأسرة إلى أن تتاجر بأفرادها أو يضطر الشخص نفسه أو السيدة نفسها إلى أن تتاجر بنفسها أو بأطفالها حتى تكسب لقمة العيش أو سقفا يأويها في هذا المناخ القارس سياسيا وجويا.

أسعار تتراوح بين 10 دولارات إلى 10 آلاف دولار

تختلف أنواع القائمين على الاتجار بالبشر، وخاصة النساء والأطفال. الغالب الأعم بحسب الإحصائيات – ما يزيد عن 65% من حالات الاتجار بالأشخاص على مستوى العالم – تتم عن طريق شبكات إجرامية منظمة عبر الحدود الوطنية، وتتاجر بالبشر كوسيلة منهجية لتحقيق الربح، وتستخدم التكنولوجيا ووسائل التواصل والإنترنت وتدرّ ربحا عملاقا عن طريق الاتجار بالأشخاص في أشكاله المختلفة سواء بالسخرة أو بالعمل المنزلي القسري، أو في الأغراض الجنسية، أو حتى في بعض الأحيان في الاتجار بالأعضاء البشرية ونقل الأعضاء البشرية بصورة غير مشروعة من دولة لأخرى.

لكن حوالي 35% من حالات الاتجار بالبشر تتم عن طريق جماعات أصغر عددا وأقل شأنا، وقد تكون من إقليم إلى إقليم داخل الدولة، أي لا تصل إلى مرحلة الدولية أو عبر الوطنية، وأبرزها هو زواج القاصرات والعمالة المنزلية القسرية في العديد من المناطق في المنطقة العربية وفي آسيا وفي الهند وغيرها.

الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي

الجماعات الإجرامية المنظمة والإرهابية تستفيد من التكنولوجيا بشكل أكثر مما تستفيد به الدولة، لأن الدولة لديها هيكل بيروقراطي منظم في إجراءات ومناقصات لشراء التكنولوجيا وموافقات، وغيرها. لكن الجماعات الإجرامية المنظمة لا تحتاج إلى تكنولوجيا ولا تحتاج إلى أي إجراءات للحصول على هذه التكنولوجيا. من أخطر هذه الوسائل هو الإنترنت، ومن أخطر الأجزاء على الإنترنت هي وسائل التواصل الاجتماعي المستحدثة.

هناك ازدياد في استخدام الإنترنت في جريمة الاتجار بالبشر والترويج لها وللخدمات والاتجار الجنسي، ولكن الأخطر أيضا أن استخدام الإنترنت يزيد على 50% للاستقطاب والاتجار بالبشر ووسائل الإكراه. ووسائل الخداع تتم باستخدام الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي سواء بتهيئة عمل كاذب أو وظائف كاذبة أو تيسير الحصول على وثائق مزورة للحصول على فرصة عمل.

التحدي الكبير هو أن العائد غير المشروع من الاتجار بالبشر، يحتل المرتبة الثانية عقب الاتجار غير المشروع في المواد المخدرة وزراعتها. نتحدث عن بلايين ومئات الملايين من عوائد الاتجار بالبشر، ولذلك فليس من السهل مكافحة هذه العوائد المربحة للعصابات الإجرامية سوى بتكاتف جميع الجهود على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.

اضف تعليق