ناقش ملتقى النبأ الاسبوعي وضمن نشاطاته الفكرية الشهرية موضوعا حمل عنوان (البناء المعنوي لإدارة السلوك في الازمات) بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والصحفية في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

قدم الورقة النقاشية وأدار الجلسة الحوارية الشيخ مرتضى معاش حيث ابتدأ حديثه قائلا:

"تزداد الاشتباكات الذاتية والغيرية في زمن الازمات خصوصا الازمات المعقدة والمركبة التي تزداد فيها ضبابية المستقبل والقلق الاستنزافي والضياع المعنوي والارتياب من المستقبل وهذه الازمات تنعكس على السلوك الفردي والاجتماعي على شكل اختلالات نفسية وعنف اجتماعي فلماذا؟

غياب البعد المعنوي له تأثير كبير في احداث الفوضى الكبيرة حيث يفقد الزخم المادي كل قدراته في ملئ الفراغ الكبير الذي يهيمن على الذات القلقة ويتحول الى مفهوم عدمي يخلو من الأغراض والاهداف ويحول الآمال الى أوهام، ويخلق من المستقبل جحيما فمع تطور الحضارة المادية وتضخم التكنولوجية غابت الابعاد المعنوية عن الواقع البشري وتحول كل شيء الى مادية هائلة تسللت الى كل الوجود فصنعت قيمها الخاصة وتحولت الى عبادة بديلة ومعابد افتراضية.

ولكن الازمات وخصوصا الكبرى تكشف كل أنواع الزيف واشكال الوهم، وقد كشفت ازمة كورونا حالة التفاهة والسطحية والخواء الذي نعيشه في حياتنا المنغمسة بالتكنولوجيا والرفاه المادي.

نتائج الحضارة التكنولوجية

تغول الحضارة التكنولوجية في ابعادها المادية والاستهلاكية والترفيهية ابرزت مظاهر عديدة منها:

الاغتراب عن العالم والاغتراب عن الذات والعجز عن التواصل مع الآخر: فلا نستطيع ان نفهم ماذا يجري ووعينا يغيب في مسارب شبكات التواصل الاجتماعي وأصبح الآخر عدونا مطلقا وذاتنا غموضا ووهما ومع غياب التفاهم مع الذات والغير زاد الاغتراب والضياع وفشل الانسان في إدارة توازناته اثناء الازمات.

تضخم الفردية وانحلال الجماعات: التقدم التكنولوجي خلق قدرة للإنسان على الاكتفاء الذاتي والتمرد على الجماعة لكن الاستقلال عن الجماعة لا يحل مشاكله بل يدخله نفقا آخر بلا غيرية فكيف يكون موجودا بلا غير فالجماعة ضرورة وجودية تحقق الحاجات العاطفية والاجتماعية، والكثير من الاختلالات النفسية هي نتيجة لاختلالات اجتماعية وعقم التواصل مع الغير.

العدمية: من مظاهر الاكتفاء بالوجود المادي وعدم الاعتقاد بالعوالم الاخرى الى حد الانغماس وتجاوز الحدود والاخلاقيات وفقدان الإحساس بالمعنى واحتقار المعاني الإنسانية للحياة والافلات من العقاب وهذا هو معنى الفساد في حد ذاته.

الاكتئاب: هو أحد أكبر الأوبئة في هذا العصر لان تغول المادة وخواء المعنى يجعل الانسان فاقداً للذة الوجود الحقيقية مثل الذين يغرقون في شرب الخمر والمخدرات لتغطية الفراغ النفسي.

اللامبالاة على حساب المسؤولية: العيش فقط لنفسه بلا اهتمام بما يجري للغير وليس مهما ما يجري للآخر مثل الذي يقود سيارته بسرعة ورعونة للوصول الى مقصده وليس مهما عنده ما يحصل لغيره اثناء ذلك، ومثل الأرباح في عالم الرأسمالية بالربا ومشتقاته حتى أدى ذلك الى انهيار اقتصادي عالمي وهل ما يحدث اليوم بالعالم يدل على انه عالم بلا مسؤولية يقوده المحتقرون للإنسانية.

البرود الانساني والعقم الوجودي: الوجود بلا معنى في عالم بارد بلا مشاعر تغيب فيه المحبة وتسيطر عليه الكراهية، عالم الحروب والعبث والمتاجرة بالسلاح، عالم غني متخم بالفقر والمرض والامية، عالم عقيم بلا معنى.

هيمنة المتعة: المتعة واللذة الجسدية بشكل مطلق حتى غاب معنى اللذة الحقيقية، فالمتعة الحقيقية هي لذة الروح، فهل متعة تربية كلب او قط تغني عن تربية طفل.

تحكم عالم الأشياء بحياتنا: نعمل لنشتري الأشياء ونستبدل الهواتف بموديلات جديدة انها العبودية لعالم الأشياء.

التدمير الذاتي: نسير لتدمير كل شيء مادام يلبي غرائزنا فهيمنة المادة ترضي غرائزنا وتنسينا معاني وجودنا.

ولإغناء الموضوع واحاطته من جميع جوانبه نضع التساؤلات التالية امام انظار المهتمين ليتسنى لهم الاجابة عليها.

السؤال الأول/ كيف يمكن للمعنويات ان تملأ الفراغات الكبيرة التي تتضخم اثناء الازمات؟

السؤال الثاني/ ماهي المعنويات اللازمة لمواجهة آثار الازمات واحتواء تداعياتها الذاتية والاجتماعية؟

المداخلات

آثار العقد الاجتماعية على المعنويات

الدكتور محمد مسلم الحسيني:

"معنويات المرء وأخلاقه تحصيل مكتسب تمليها عليه طبائع التربية والبيئة والمعرفة وماهية ميزان الرفاه الاجتماعي السائد في ذلك المجتمع رغم أن الذات تلعب دوراً في صناعة معنويات المرء وأخلاقه، غير أن معظم خصال المرء هي محصلة مؤثرات خارجية عديدة ومعقدة يخلقها النهج والقيم والمعتقدات السائدة في ذلك المجتمع وتديرها وتستثمرها حالة المجتمع القائمة على ظرفية الحالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية فيه حينما يتعرض المجتمع إلى ارهاصات ثقيلة في بأسها طويلة في أمدها متنوعة في أسبابها ستخلف هذه الارهاصات آثارا اجتماعية وخيمة في ذلك المجتمع، معاناة مجتمع ما من ثالوث العقد الاجتماعية المتمثلة بالخوف والعتمة والحرمان، حيث يخشى المواطن بطش السلطة أو يخشى الحرب والإرهاب أو يخاف من الفقر والفاقة أو غيرها فسيخلف هذا الخوف أمراضا اجتماعية ونفسية لديه تماماً كما تفعل العتمة الفكرية وقلة الوعي حيث يقنع المرء بالوهم ويلفظ الحقيقة وينزلق المجتمع في هاوية الجهل والضلالة.

اما الركن الثالث من أركان هبوط المجتمع هو سيادة الحرمان، والحرمان يخلقه الفقر أو سوء الإدارة وفسادها وكذلك غياب الإنصاف والعدالة كما يحصل الحرمان نتيجة حصار مفروض على المجتمع لتوابع سياسية حيث يفقد المرء المستلزمات الضرورية للعيش الرغيد من أجل النشوء الجسدي والنفسي الصحيح، كما اثر فعل ثالوث العقد الاجتماعية هذا تأثيرا مباشراً وبالغا على طبيعة "ميزان الرفاه الاجتماعي العام"، حيث حازت كفته السالبة على القدح المعلى فغص المجتمع بأمراضه حيث استشرى الكذب والنفاق والحقد والضغينة والتنافر الاجتماعي وازدواجية التصرف كما ساد الجهل والضلالة والوهم والغلو والممارسات الغريبة وصار الجشع وحب الأنا والغيرة والقسوة والبخل أمرا طبيعياً في المجتمع فمهد هذا إلى الاختلاس والفساد المالي والإداري والأخلاقي، وفوق هذا وذاك فالأمراض النفسية كالقلق النفسي والكآبة والوسواس وغيرها وجدت مكانها واسعا في المجتمع كما بقت الابواب مفتوحة للظواهر الخطيرة الأخرى كالإدمان على المخدرات والمشروبات الكحولية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نعيد المجتمع لكفته الموجبة في ميزان الرفاه الاجتماعي العام !؟. الجواب المنطقي يقول: أن معالجة العلة يكون بمعالجة أسبابها. هذا العمل الجبار يستدعي ارادات حقيقية جادة ومخلصة واتباع منهج علمي مدروس يقوده أهل الاختصاص كما وان نشر ثقافة واعية مستندة لروح الدين والأخلاق السامية ووسط صالح خالي من العقبات والمعوقات ومنفذون صادقون من أهل الكفاءة والخبرة والمعرفة ينكرون ذاتهم من أجل مجتمعهم. وما هذا على من يريد أن ينذر نفسه لمجتمعه بكثير لكن هل سيتركه الظالمون؟"

استثمار القيم الاجتماعية في مواجهة الازمات

الدكتور اسعد كاظم شبيب أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة:

"الازمات التي تضرب المجتمعات والدول من دون شك تترك تداعيات خطيرة وتأثيرات آنية ومستقبلية، لكن التقليل من آثار الأزمات ضروري جدا لذا المجتمعات والأفراد الذين يتمتعون بمميزات ايجابية ومعنوية قد تحد وتقلل من آثار الأزمات ومن تلك المعنويات وجود القيم الأخلاقية وفلسفة الصبر والقدرة على تجاوز المحن من هنا يمثل الدين قيم روحانية معنوية من الممكن أن تجعل المجتمعات قادرة على تجاوز الأزمات لما يوفره من حالة وعي روحي لدى أبناء المجتمع، فيما تمثل الايقونات المعنوية ذات الطابع المحلي والوطني عناصر أخرى تحد من آثار الأزمة مثل تبني القومية وتمسك بالوطن ورفض الظلم والعدوان والاستعمار وكل الأشكال الدالة على ذلك، لذا الازمات تعالج معالجة فنية من جانب وتعالج آثارها من جانب معنوية من جانب أخرى اضافة الى العمل على معالجة آثارها الروحية والمجتمعية والسياسية وبحلول وبدلائل تحل محل الآثار السلبية الأزمة"

ماكنة الاعلام في الهدم المعنوي

الدكتور الباحث حميد الطرفي:

"منذ عام 2003 وحتى الآن العراقيون مستهدفون بشكل مبرمج وفعال لتهديم الروح المعنوية لدى المواطنين عبر ماكنة اعلام ضخمة تركز عملها على محور مهم في الهدم المعنوي هو زراعة اليأس والقنوط في النفوس، وتسوق ذلك عبر محورين:

الأول: التركيز على مثالب الحكومة ونقص الخدمات بل وحتى ما يأتي من الله ترى الاعلام يضخم من نتائجه السلبية على الناس فما إن ينزل المطر ساعةً من الزمان حتى هرعت الكاميرات الى اي بقعة ماء لنرى الاخبار العريضة كربلاء تغرق، بغداد تغرق، الكاظمية تغرق وهكذا، وما ان ترتفع درجات الحرارة في شهري تموز واب حتى تغطينا الفضائيات، بعبارات نصف درجة الغليان او قريباً من نصف درجة الغليان، وما ان يضع المخربون عبوة لاستهداف المدنيين حتى يقال بغداد تنزف او الناصرية تنزف، ناهيك عن نقل صور النفايات في اي بقعة والامثلة على ذلك كثيرة، فالشيء الجميل مستور وحتى لو أظهر فيظهر ومعه تعليق سلبي بالكلفة او الرشوة.

المحور الثاني: التعميم فقد مُلئت آذاننا بـ(كلهم حرامية) (كلهم سراق) (كلهم لصوص) (كلهم عملاء) (كلهم خونة) وهكذا (الشعب انتهى) (الشعب مات) (ما الها الا الله) (لو المهدي لو ما تنحل) هذا النوع من الرسائل موجه ومدروس بعناية الغرض منه قبول المواطن باي بديل، وتهيئته للفوضى لأنه يوماً بعد آخر يصدق أن لا أحد يعمل لصالحه بل لا يوجد احد نظيف او مخلص او كفوء وبالتالي تتأجج في نفسه الثورة العدمية وهي الفوضى العنيفة فيبيت الجميع ضد الجميع.

لذا فالواجب في الأزمات ان يعي المواطن أن ما يصيبه من ألم يصيب عدوه ايضاً وهو أفضل لأنه على حق وعدوه على باطل وان يزرع الاعلام قاعدة (قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) أو القاعدة القرآنية (ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون ان كنتم مؤمنين) (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس...).

زراعة الأمل في الحياة، الامل في التغيير، الأمل في الله، الامل في الصالحين، هي الدواء الناجع لرفع الروح المعنوية وقت الازمة وادارتها بهدوء وعقلانية".

محورية المعنى والروح

الباحث حسن كاظم السباعي:

"لو غضضنا النظر عن الأزمات الموجودة في عالم المادة وأسباب وجودها بل لو افترضنا عدم وجود أي مشكلة نتيجة الابتعاد عن المعنويات فإنَّه مع ذلك لو دخل الفرد أو المجتمع المادي إلى عالم المعنى فإنَّه سيحصل على لذة أو نشوة لن يجدها في العالم المادي مهما أوتي من قوة لأنَّ الحُب المادي المزيف لا يستطيع أن يحل محل الحُب الإنساني الصادق ومحورية المادة لو دخلت في أي مجال فإنَّها تفسد ولا تصلح على عكس محورية المعنى والروح، أمّا أزمات العالم المادي سواءً عند الفرد كـ الأزمات النفسية أو العائلية كـ الطلاق والاكتئاب أو عند المجتمع كـ الحروب و الصراعات فحدِّث ولا حرج وهي غائبة تمامًا في عالم المعنى، إنَّ الذي يجرِّد نفسه عن البُعد المعنوي لا ينكر حاضره فحسب، وإنِّما ينكر ماضيه ومستقبله، وبذلك يتحوَل إلى بالون فارغ يكاد أن يتلاشى في كل لحظة وآن؛ فالماضي هو أساس وجوده وهو ينكر من أين أتى ولماذا أتى؟

والمستقبل هو مصيره ومآله وما دام لا يؤمن به فهو عنده العدم والذي يلغي ماضيه ومستقبله فحاضره بمثابة الحضور بين العَدَمَين ومهما أوتي من قدرة أو لذة فهو يمسك بالسراب ليس إلّا.

من هنا فإنً الحل يكمن في أن يلبّي الفرد متطلبات ذاته التي لا تقتصر على الحاجات الجسدية وحسب وإنّما على حاجات النفس والقلب والروح وهذه أعظم من الجسد فالذي يعطي للفقير لا يُلبَّي نداء الفقير بقدر ما يُلبَّي نداء نفسه ويحاول أن يشبع أحاسيسه وعواطفه، أي إنِّه تصرَّف لدفع الألم عن نفسه وجلب المتعة لذاته، مما يعني ضرورة العودة إلى أصل الفطرة ولا يأتي ذلك إلا من خلال الإيمان بالعقيدة السليمة وتصحيح المنهاج وإعادة النظر في الأفكار".

الحماسة ودورها في بناء المعنويات

الدكتور خالد العرداوي مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

"ننظر للمعنويات على انها هي الحماسة ولذلك يقال في الحرب ان المعنويات تعادل ثلاثة الى واحد في الحروب على اعتبار ان الجيش الذي يمتلك المعنويات فهو يستطيع هزيمة جيش ثلاثة اضعافه بالعدد وهذا الكلام يصدق في الحروب القديمة، ولكن اليوم مع التقدم التكنلوجي حتى المجتمع الذي يكون اكثر حماسة من مجتمع اخر عند مواجهة عدو لهُ امكانيات مادية لن تكون المعنويات لها قيمة ويهزم صاحب المعنويات الاعلى، الحماسة وجودها وفاعليتها في جانب القيم والاخلاق حتى الفردية وروح الجماعة مرتبطة بهذا الجانب على عكس نظام وطريقة الجانب المادي فهو دائما ما يشجع على الفردية، ولكل مجتمع لهُ خصوصية فمثلا في العراق صحيح انهُ هناك تأثير للماديات لكن الماديات المتسافلة التي ترتبط باللذة السريعة او ترتبط بالحصول على المال او بالحصول على السلطة على عكس الغرب فدائما الصراع يكون حول ماركات او صراع على مؤسسات أفضل.

وتلعب خبرة المجتمعات في مواجهة الازمات دورا كبيرا فمثلاً الازمة السياسية تواجه بطريقة معينة تختلف عن طبيعة التعامل مع الازمة الاقتصادية وغيرها وهنا خبرة الانسان المتراكمة من عادات وتقاليد وقيم هي التي تفسر سلوكه تجاه الازمات وهي التي تبين طريقة تعامله تجاه الازمات، ويجب ان يكون المخزون المعنوي قادرا على ان يجعل الانسان ان يتعامل مع ازماته بطريقة ايجابية وفيما اذا كان هذا المخزون المعنوي غير قادر على حل ازمات الانسان فسيكون الانسان مشوه بطريقة التعامل مع ازماته وكذلك مشككا تجاه القيم التي يحملها والوصول الى حالة الضياع".

المغذيات الرئيسية لهوية الانسان

الدكتور حسين السرحان باحث مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

"الوجود المعنوي للإنسان لهُ مغذيات واركان اساسية والركن الاساسي التي تنطلق وتبنى عليه كافة المغذيات الاخرى هو هوية هذا الانسان (هوية المجتمع) والمشكلة ان هذه الهوية تتأثر بوقت الازمات، والمغذيات الاخرى التي تعتمد على الهوية هي المنظومة القيمية التي يكتسبها الفرد بناء على هذه الهوية بمعنى ان المجتمع بموجب هوية معينة يمنح الفرد بناء ثقافي وبناء معرفي معين من خلال سياسات التربية والتعليم، بالإضافة لوجود منظومات قيمية اخرى مثل الدين والاخلاق كذلك طبيعة الفهم للمسؤولية العامة وفي وقت الازمات بطبيعة الحال يحدث خلل في هذه المغذيات واكثر عامل او ركن يتأثر بالأزمات هو ركن الهوية المجتمعية، وبدون البناء او الوجود المادي للإنسان لا يمكن للإنسان ان يحصل على بناء روحي، والمشكلة قد يتوفر البناء المادي لكن البناء المعنوي او الروحي يتكون فيه مشكلة.

وان السبب في عدم الاستقرار السياسي او الاقتصادي او الثقافي وهذه التقلبات والتغييرات الاجتماعية المتسارعة التي انعكست على الهوية المجتمعية وبالتالي انعكست على متضمنات او مغذيات البناء المعنوي للإنسان لذلك نجد نوع من السطحية والتفاهة والتسطيح لكل الامور، ولابد من فهم حقيقة اساسية ان كل ازمة تنطوي على فرصة وبالتالي اذا ما توفر الوجود المادي المناسب والوجود المعنوي المناسب والبناء الروحي للإنسان المبني على موضوع المنظومة القيمية التي توفر الادراك الواعي والمعرفة الكافية وكذلك اليقين والاعتراف بالذات التي تجعله للانطلاق لتحويل هذه الازمة الى فرصة".

السمات النفسية والخصائص الشخصية

الدكتور قحطان طاهر حسين أستاذ جامعي وباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

"المعنويات هي السمات النفسية والخصائص الشخصية التي يتصف بها الفرد والتي تشكل بالمجموع خصائص وسمات المجتمع على اعتبار ان خصائص الافراد عند تلاقيها واشتراكها تشكل خصائص وسمات المجتمع ككل، وهذه السمات والخصائص تكون أما مكتسبة او موروثة والمكتسبة تكون نتيجة التجربة والتعايش وكذلك المواقف والحالات التي يمر بها الانسان ويكتسب من خلالها بعض السمات التي تتوافق او يتكيف من خلالها مع طبيعة الحدث الذي يواجها، اما السمات الموروثة فهي التي تنتقل عبر الاجيال عن طريق الجينات المورثة، وتعتبر السمات والخصائص الشخصية والنفسية عامة هي مهمة جداً للإنسان عندما يواجه ازمات معينة وقد تكون هذه الازمات اجتماعية على مستوى الاسرة او المجتمع أو ازمات سياسية واقتصادية او متعددة، والازمات هي المشكلة التي يواجها الانسان قد تكون مثلاً حرب وتعتبر ازمة كبيرة يواجها الفرد او المجتمع، فالسمات الشخصية والعوامل النفسية والروحية التي يتمتع بها الانسان يكون لها دور جداً كبير في طريقة مواجهة هذه الازمات، وفيما اذا كانت السمات ضعيفة او غير صحيحة مبنية على اسس غير رصينة فبالتأكيد سوف يواجه الانسان اخفاقا في مواجهة هذه الازمات ويفشل وقد يستسلم في نهاية المطاف ويحصل ما لا يحمد عقباه، اما اذا كانت هذه الخصائص والسمات هي سمات صحيحة ومبنية على اسس رصينة ومتطابقة مع صفات المجتمع ككل فبالتأكيد سوف تكون لها ايجابيات كبيرة في ان الفرد الذي يتمتع بها سوف يكون قادراً على تقبل الصدمة وبالتالي سوف يحافظ على كيانه ويكون قادر على مواجهة الانهيار وسوف يستمر بالحياة رغم حالة الاخفاق والفشل الذي واجهه.

واذا ما طبقنا نظرية العالم النفسي (دولر) والتي تتحدث عن الاحباط الذاتي والذي يقول فيها ان الانسان احياناً عندما يفشل في قضية معينة او هدف معين يصاب بالإحباط وعندما يصاب بالإحباط يحاول ان ينتقم من كل ما يعتقد هو مانع امامه نحو تحقيق الهدف فاذا احس في فترة من الفترات ان المانع نفس الشخص او قدراته الذاتية الضعيفة سوف يؤدي في نهاية المطاف الى الانتحار وسوف يخلق لديه نوع من العقد النفسية ويصاب بحالة نفسية منهارة ومدمرة وتصل به الامور الى الانتحار، وفي الحقيقة ان المعنويات التي يمتلكها الانسان والتي تشكل الجانب الروحي اذا ما كانت مبنية بناء صحيح فسوف تكون قادرة على انقاذ اي فرد واي مجتمع من حالة الانهيار والاستسلام للفشل الذي يواجها، وهناك الكثير من الخصائص النفسية والسمات الشخصية وحالات الشعور وحالات من الاحساس اذا ما توافرت عند الانسان والمجتمع سوف تمكنه من مواجهة اي ازمة والعبور من هذه الازمة الى بر الامان والنجاح.

وتختلف طريقة تعامل الانسان مع الازمة من شخص الى اخر فقد نجد بعض الاشخاص يحولون المشاكل البسيطة الى مشاكل كبيرة ويشعرون بالخنوع والاستسلام سريعا ونجده عاجزاً عن طرح الحلول ومواجهة الازمة ويصل الى مرحلة من الانهيار الذي سوف يكون سلبياً عليه وعلى كل افراد المجتمع الذي يعيش فيه، وهناك نوع اخر من الافراد يتمتع بقدرات نفسية ومعنوية وعقلية يكون قادراً على التكيف مع هذه الازمات ومواجهتها بطرق صحيحة".

البناء المعنوي وبعده الآثاري في الانسان

عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

"يمتد البناء المعنوي وبعده الآثاري في الانسان منذ وجود الخليقة ويرتبط البناء المعنوي بذات الانسان فلذلك هو موجود منذ قيام الانسان على المعمورة والدليل على ذلك نقطة الخلاف الاولى للخليقة بين الله وإبليس على خليفة الله في الارض وهذا بطبيعة الحال هو بعد معنوي ولم يكن بعد مادي او سياسي، والبعد المعنوي هو اشبه بالغذاء الروحي او المعنوي معتمد على معطيات منها المعطيات العليا للإنسان بقضية الخلافة في الارض وكذلك قضية اعتبار الانسان سيد الكائنات على وجه المعمورة وغيرها، وعليه يجب ان يتصرف الانسان على هذا الاساس من خلال قضية حركة المعمورة والتفكير والبناء، وبالجانب المقابل ليس هناك اي دور للحيوانات بالبناء بل على العكس الانسان هو من يقود حركة المعمورة، وان هذه المعنويات التي زرعت بداخل الانسان منذ بدء الخليقة يجب ان يستشعر بها دائما حتى يستمر بحركة القيادة وفيما اذا فقد هذا الشعور يشعر الانسان بفقد شيء مهم جداً وبالتالي سيكون على حد سواء مع المخلوقات الاخرى اذا ما فقد هذا الشعور، والانسان يبحث عن المعنويات والروح المعنوية كما يبحث عن الغذاء المادي لذلك ينتقي الانسان الصفات الايجابية دائما بالبحث عن الافضل كمحاولة الانسان الاتصاف بالصدق حتى لو كان لديه شيء من الكذب، والمشكلة الكبرى المعنويات بدأت تتهجن وتضرب ومن خلالها بدأ المجتمع يُسرق فمثلاً في العصر الجاهلي عندما كانوا يتحدثون عن قضية الشجاعة والدفاع عن المناطق والبيوت جاء الاسلام وقام بتعزيز هذا الامر وجعل فيها دفاع الجهاد، ومن خلال هذه العناوين اليوم يتم سرقة قوت وجهود وحياة الناس لمصالح تحت عناوين براقة وهنا بدأت مشكلة دخول شائبة في البناء المعنوي نفسه ولذلك اصبح المجتمع يشكك في هذا الجانب لذلك يجب ان يكون البناء المعنوي نقياً لكي يتقبله الانسان وبدون تشكيك، والمعنويات على مدى العصور كانت هي التي تحرك الشعوب للنهوض للبناء لذلك يجب رفع معنويات الفرد والمجتمع لاستثمارها ببناء الدولة".

الركائز الاساسية لرفع المعنويات

احمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

"جميع العوامل التي تحيط بالفرد وتؤثر بسلوكه او نفسيته سواء كان ايجاباً او سلباً والعوامل التي تؤثر على المعنويات كثيرة منها عوامل مادية وعوامل معنوية، اما المادية فتتمثل في اي شيء يدخل في حياة الانسان يؤثر في رفع حالته المادية او اضعافها اما العوامل المعنوية فقد تتمثل بالكلام الذي يصدر من المجتمع والذي يؤثر بالإنسان، وفيما اذا كان الشخص صاحب معنويات ايجابية او باحث عنها فيجب ان تتوافر به عدة ركائز اساسية اولها الثقة بالذات الالهية والايمان بالقدر وهذا فيما اذا كان الشخص صاحب عمق روحي وارتباط ديني فتكون معنوياته عالية حتى في حال تعرضه لأزمات كبيرة أما الركيزة الثانية فتتمثل بالثقة بالنفس فكلما كان الشخص اكثر تجلداً و صبراً واكثر خبرة كذلك في مواجهة الازمات تكون معنوياته ايجابية دائما، اما الركيزة الثالثة فهي ثقة الانسان بالنظام الحاكم وفيما اذا كان نظام الدولة عادلاً تكون معنويات الانسان اكبر لآنه لا يشعر بالغبن او الحيف وكذلك اخلاقيات المجتمع فيما اذا كانت عالية فستنعكس بالإيجاب على قضية المعنويات، حتى الحالة المادية تنعكس بشكل كبير على قضية المعنويات لذلك نرى اليوم نسبة كبيرة من المجتمع تشعر بضبابية مستقبلها وعدم الثقة بالغد بالتالي عدم الاطمئنان على حياتهم، بالمحصلة ان كل هذه العوامل التي ذكرت تؤثر تأثير مباشر بالمعنويات".

مواجهة الشائعات بالمعنويات الحقيقية

الإعلامي عصام علاوي:

"بمجرد ان تكون المعنويات ايجابية نستطيع التغلب على اي فوضى وفراغ شريطة ان تكون هذه المعنويات حقيقية على خلاف طبيعتها سواء كانت معنويات دينية او اجتماعية او ثقافية على ان تكون غير مصطنعة وهشة وفي الحديث عن المجتمع العراقي فهو يخلو من اي معنويات تذكر حيث يمثل مجتمع محبط ومنهار واي شائعة تتمكن من المجتمع العراقي بطريقة غريبة وهذا يدل على ضعف المعنويات لدى الشعب والمجتمع العراقي وخير مثال على ذلك هو قضية لقاح والتطعيم ضد فايروس كورونا فنرى الكثير يتأثر بالقيل والقال دون الاذعان لكلام الاطباء والكوادر الصحية، وان خلق الروح المعنوية لدى المجتمع تحتاج الى ممارسة دور كبير في زرع هذه المعنويات من خلال الشخصيات الدينية ومنظمات المجتمع المدني والاكاديميين والمثقفين وعدم التبرؤ من المسؤولية".

تحدث الازمات بسبب الفراغ المعنوي

محمد مهدي مرتضى:

"سبب وجود الازمات هو الفراغ المعنوي الموجود عند اغلب المراهقين والشباب بالدرجة الاولى ولو سلطنا الضوء على قضية داعش قبل سنوات فالمحصلة كان الفراغ المعنوي سبباً رئيسياً فيها حتى ثورة تشرين كان سببها الفراغ الذي يقتل اكثر الشباب، وأن اغلب الدول المتقدمة عند رغبتها في التقدم والبناء اول عمل تقوم به هو استقطاب الشباب والمراهقين وملأ الفراغ المعنوي لهم فمثلاً المملكة العربية السعودية في الفترة الاخيرة احد اسباب تقدمها هو بناء الاتحادات الرياضية والرياضة الالكترونية واستقطاب الشباب وجمعهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ومنحهم جوائز عالمية وبالنتيجة استثمار هذه الطاقات الشابة في بناء الدولة وهذا هو ما يجب ان يكون عليه الوضع بالعراق ومن ابرز صفات الشاب العراقي هو محبته للحياة رغم المآسي والالام التي تعصف بالبلد، لذلك يجب على الدولة العراقية توفير كافة سبل النجاح واستقطاب الشباب من خلال اكاديميات واتحادات شبابية تعني بالاهتمام بالشباب لبناء دولة ناجحة".

مقترحات وتوصيات

وفي ختام الملتقى قدم الشيخ مرتضى معاش مجموعة من التوصيات من اجل برمجة البناء المعنوي:

- الارتباط الوثيق بالله تعالى: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" والعبادة بمعنى اعم هي العمل الصالح الذي يتضمن بعدا معنويا عميقا، وذلك يحقق الاطمئنان النفسي "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" واستقرار القلب يولد الاستقرار ويحتوي القلق ويخرج النفس من الاضطراب والخوف، فالارتباط مع الله تعالى يعطي للحياة معنى جوهريا ويحقق الغايات الوجودية ويملأ الفراغات النفسية ويخرج الانسان من حالة القلق والخوف والهلع.

- قراءة القرآن بتأمل فانه يفتح آفاق الأرض والسماء ويقود الى معاني وجودية كبيرة.

- قراءة الادعية فإنها تفتح طريقا للتسامي الروحاني وتعالج النواقص النفسية والامراض الأخلاقية وتقف امام الأخطاء والذنوب المهلكة، مثل دعاء الصباح ودعاء كميل للأمام علي (عليه السلام)، وادعية الصحيفة السجادية للأمام علي بن الحسين (عليه السلام). (اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم).

- إيجاد البيئة الحاضنة للتأمل في الذات والكون: يغذي تدفق الهرمونات الإيجابية ويعطي للإنسان ومعنى شاملا لا يتعلق بنفسه فقط.

- الخروج من ادمان التشيؤ: عبر محاربة الإدمان على الأشياء واعتبارها مجرد وسيلة لحياة اهم، وأفضل طريقة هو العيش ببساطة والزهد في الأشياء، وهذا الزهد يعطي بعدا أعمق للإنسان ويعالج حب التملك المريض، فالرغبة في التملك وهم يقود نحو القلق والفراغ.

-الابتعاد عن التفكير الغاضب: فان هذا النوع من التفكير يفتح أبواب جنود الظلام داخل الذهن، ويجعله غارقا في انفعالاته النفسية، التفكير بهدوء والنظر لما ابعد من الأشياء التي تستفزك تقود نحو الإدارة الناضجة للسلوك وتتحكم بالانفعالات المزاجية.

- ابتكر بروتينك المثمر: وابتعد عن الروتين المضيع للأوقات الذي يقود نحو الاكتئاب واللاشئ، عبر تحويل الروتين الى متعة تحمل أهدافا أكبر، مثل قراءة كتاب او الرياضة او المشي.

- الحوارات العائلية الإيجابية: تزيد من كفاءة المعاني وتحقق دفء وتؤدي الى تدفق العواطف السامية.

- الكف عن الاستهزاء بالآخرين والاستنقاص منهم لا يعالج نواقصنا بل يزيدنا كآبة لآنه يبتعد عن الجذور الحقيقية لنواقصنا.

- الابتعاد عن التفكير في السيناريوهات الكابوسية: وتلك الأفكار السوداوية تخنق ذهنك، اجعل ذهنك بحيرة صافية زرقاء تسبح فيها الأفكار الإيجابية التي تقود ذاتك نحو الخلود الابدي والخواتم الجميلة، وصناعات السيناريوهات الجميلة، فكل الاحلام تتحقق لان أصحابها آمنوا بتحققها.

- مارس الهدوء: من خلال احتواء الاستفزازات التي تخلقها التفاصيل الصغيرة، ولا تجعلها طريقا للتعاسة كما يفعل البعض، فهم يصنعون شقائهم بالتمسك بالاختلافات ويحولوها الى صراعات لا تنتهي.

- كن صبورا مع الآخرين وخصوصا مع عائلتك لتجد المعنى الحقيقي للحياة، انت تختار الشقاء الابدي عندما تصر على التفاصيل، وتغافل تحيا، وليس عيبا ان يتغابى الانسان أحيانا.

- لاتكن استفزازيا تجاه الآخرين لأنه يحولهم الى أعداء ويرسخ الكراهية ويجعلك غريبا.

- العطاء دائما: هو أفضل علاج للإنسان حيث تتحقق في ذاتك كل الابعاد المعنوية السامية، لان العطاء بلا مقابل يبني من الانسان ذاتا غير انانية وغير مادية وينزع منها الامراض الأخلاقية.

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الشيخ مرتضى معاش، بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع.

اضف تعليق