تتسم العلاقات الامريكية الايرانية بالتخبط والغموض السياسي الدبلوماسي المصحوب بالتوتر المتصاعد، نظرا لتناقض الأفعال والأقوال من لدن طرفي النزاع العميق الجذور والشديد التعقيد، إذ يخفي الاتفاق النووي المرتقب بينهما، أجندات وغايات كامنة متعددة المقاصد، تبدو كأنها مناورات أكثر ما يمكن وصفها بمفاوضات اتفاق.

إذ يرى محللون في الشؤون الدولية أن قيادتي الجمهورية الامريكية والجمهورية الايرانية تعتمد على المناورات الدبلوماسية والحرب النفسية المدعومة بالمواقف الازدواجية للحصول على تنازلات سياسية وصفقات أكثر فعالية بطريقة براغماتية، لذا يرى بعض المحللين أن تلطيف العلاقات بين الولايات المتحدة وايران قد يؤدي إلى تعزيز الاستقرار في المنطقة، إلا أن ذلك لن يتم إلا إذا نتج هذا التطور الإيجابي عن تعديل إيران لطموحاتها وسياساتها الإقليمية.

فيما يرى محللون آخرون انه لا يمكن محو عشرات السنين من العداء بصفقة، فالعلاقات مع أمريكا مازالت من المحظورات في ايران، كما من المتوقع أن يواصل الجمهوريون سعيهم لسن تشريع يعكس شكوكهم العميقة في أي اتفاق نووي يتم التوصل إليه مع ايران على الرغم مما آلت إليه المحادثات بين طهران والقوى العالمية في سويسرا بما يهيئ لمواجهة جديدة بينهم وبين الرئيس الأمريكي الديمقراطي باراك أوباما.

فقد خاض الرئيس الامريكي باراك أوباما معارك مريرة مع الجمهوريين على مدى شهور تجسدت بهيئة مواقف وقرارات براغماتية متعددة الاوجه كمحاولات لمقاومة الجمهوريين وبعض الديمقراطيين لمنح الكونجرس حق البت في الاتفاق مع إيران.

فعلى الرغم من التوصل لاتفاق مبدئي مفصل مع إيران، لكن مازال أمام الرئيس الأمريكي مهمة جسيمة تتمثل في منع الكونجرس من إفساد الاتفاق النووي مع طهران والحفاظ على المحادثات من الانهيار بسبب التفاصيل الدقيقة.

في المقابل شكك المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية اية الله علي خامنئي في اتفاق الاطار عندما قال ان "ما تم التوصل اليه حتى الان لا يضمن لا الاتفاق بحد ذاته، ولا مضمونه، ولا مواصلة المفاوضات حتى النهاية"، وبدوره طالب الرئيس الايراني حسن روحاني برفع العقوبات فور بدء سريان الاتفاق وقال "لن نوقع اي اتفاق اذا لم تلغ كل العقوبات"، فما زال بعض المراقبين يعتقدون أن روحاني سيتمتع بتأييد خامنئي مادامت المكانة المتنامية للرئيس لا تهدد الاخير.

فلم يبد أن تصريحات خامنئي تشير إلى أنه سحب تأييده المشوب بالحذر للعملية الدبلوماسية، وعلى الرغم من إحراز تقدم كبير لا تزال هناك خلافات بين الجانبين بشأن عدد من القضايا منها سرعة رفع العقوبات الدولية بعد التوصل لاتفاق نهائي.

وشدد المرشد الأعلى في وقت سابق من هذا الشهر على ضرورة رفع جميع العقوبات المفروضة على ايران على الفور على خلفية اتفاقية لا تزال في طور الإعداد وهو شرط رفضته وزارة الخارجية الامريكية حتى بعد تجديد خامنئي لتأييده لفريق المفاوضات الإيراني.

لذا يرى المحللون أن حرب الكلمات السياسية من لدن الجهات المتشددة في ايران وأمريكا تظهر محاولة نوايا متناقضة في ظل استخدام لغة التهديد بين الجانبين، من أجل سبق الأحداث وكسب حرب الغنائم المعنوية، مما يعني ان هذه التصريحات العملاقة تستعرض ادوارا مختلفة من الاهداف السياسية باستخدام إلاستراتيجية التدريجية المرنة.

إذ يرى معظم المحللين ان النزاع النووي بين الجانبين جسد في مختلف مراحله وتطوراته السابقة صورة مرسخة من عدم الثقة والعداء المتبادل الممزوجة بالمناورات السياسية والأجندة المجهولة، حيث شكلت جل هذه العوامل عقبات كبرى أمام تسوية تاريخية للقضية النووية في السنوات القليلة الماضية، فكما يبدو أن طريق حل الازمة النووية الايرانية مليء بأشواك الصراعات والاجندة الخاصة، التي تتغذى على الخطابات والتصريحات والمحادثات المتماهية دون الوصول الى معالجات أو اتفاقات جذرية بين طرفي الازمة، وهذا قد يضع الحل الدبلوماسي في خطر وثمة احتمال بأن ينتهي الأمر في إحدى المراحل، الى مواجهة عسكرية والعودة الى نقطة الصفر.

ويرى بعض المحللين ان تصاعد لهجة المعارك الكلامية المستمر بين طرفي الصراع الأمريكي الإيراني، يظهر ذريعة سياسية لإخفاء النوايا المبيتة والرهانات الشبه حتمية والحقيقية الموجودة لدى البلدين، وقد اتضح جليا من خلال اعتمادهما على سياسة الغموض الاستراتيجي بالقوة الناعمة، التي تجسدها ديمومة الجدلية والمراوغات السياسية وصراع الأجندة بين الدولتين المتخاصمتين، لتشكل تلك القضايا محركا رئيسا لتصاعد التوترات والاتهامات بين إيران وأمريكا والتي تنعكس بصورة مباشرة على سير حل الازمة النووية.

وعليه يبدو انه على الرغم من أن التوصل الى توافق بين ايران وأمريكا وصف بالخطوة الايجابية، إلا ان الثقة لم تترسخ بعد بين الطرفين، الذين حذروا من ان الالية برمتها يمكن وقفها في حال عدم تقيد طهران بالتزاماتها، ولكن على الرغم من كل ذلك يبقى هذا الاتفاق الاطار انجازا اساسيا وسط ازمة مستمرة منذ 12 عاما بين ايران والاسرة الدولية، فلا يزال التوصل الى الاتفاق النهائي الذي يتضمن كافة التفاصيل التقنية بحلول نهاية حزيران/يونيو المقبل، يحتاج الى عمل ومثابرة تؤطرها ثقة متزايدة بين الطرفين.

معارضة مجلس الشيوخ الاميركي

في سياق متصل صوت مجلس الشيوخ الاميركي بإجماع اعضائه الحاضرين على قرار يطالب بالإفراج عن ثلاثة اميركيين محتجزين في ايران، وصدر هذا القرار غير الملزم باجماع الاعضاء ال90 الذين حضروا جلسة التصويت من اصل اعضاء المجلس المئة، وهو يطالب البيت الابيض باستخدام كل السبل المتاحة امامه لاعادة الاميركيين المحتجزين في ايران وهم القس الايراني-الاميركي سعيد عابديني والجندي السابق في البحرية الاميركية امير حكمتي ومراسل صحيفة الواشنطن بوست في طهران الصحافي الايراني-الاميركي جايسن رضايان، وهناك اميركي رابع هو العميل السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي الاميركي "اف بي آي" روبرت ليفنسون وعمره اليوم 67 عاما وقد فقد في ظروف غامضة في جزيرة كيش الايرانية منذ ثماني سنوات. وقد طلبت واشنطن مرارا توضيحات من طهران عن ملابسات اختفائه الا ان مسؤولين ايرانيين اكدوا ان لا علم لهم بمصيره. بحسب فرانس برس.

وكان الرئيس الاميركي باراك اوباما طالب في آذار/مارس طهران باعادة مواطنيه الاربعة، واعرب رئيس الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل عن امله في ان يرسل القرار الذي اقره المجلس رسالة قوية الى المسؤولين الايرانيين.

بدوره دعا كبير الاعضاء الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية في المجلس السناتور بن كاردين الجمهورية الاسلامية الى "اخذ القرار الصحيح (..) بالافراج فورا عن هؤلاء المواطنين واعادتهم في اسرع وقت ممكن الى ديارهم".

ويأتي هذا القرار قبيل استئناف الدول الكبرى وايران المفاوضات الهادفة الى التوصل الى اتفاق نهائي حول البرنامج النووي الايراني، والهدف من هذه المفاوضات هو التوصل الى اتفاق نهائي قبل 30 حزيران/يونيو وذلك بعد الاتفاق الاطار الذي تم التوصل اليه في الثاني من نيسان/ابريل في لوزان بسويسرا بين مجموعة خمسة زائد واحد (الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا اضافة الى المانيا) وايران، وكان مجلس الشيوخ الاميركي اقر بشبه اجماع اقتراح قانون يجبر الرئيس باراك اوباما على احالة اي اتفاق نووي مع ايران الى الكونغرس.

استمرار الحرب النفسية

فيما ندد مسؤول ايراني بالقانون الذي تبناه مجلس الشيوخ الاميركي بإحالة اي اتفاق نووي مع ايران على الكونغرس، واعتبر ان الهدف منه "شن حرب نفسية" على طهران، وقال اسماعيل كوساري عضو لجنة الامن القومي والشؤون الخارجية في البرلمان الايراني بحسب ما اوردت وكالة فارس ان هذا القانون يهدف الى "ممارسة الضغط على المفاوضين الايرانيين" الذين يبحثون حاليا تفاصيل اتفاق نهائي حول برنامج طهران النووي مع مجموعة خمسة زائد واحد، ومن المقرر ان يتم التوصل الى الاتفاق النهائي الذي من شانه ان ينهي ازمة دبلوماسية مستمرة منذ اكثر من عشر سنوات، بحلول نهاية حزيران/يونيو. بحسب فرانس برس.

ويهدف الاتفاق الى ضمان الطابع المدني للبرنامج النووي الايراني في مقابل رفع العقوبات الدولية المفروضة على ايران منذ 2006، وقال المسؤول الايراني "حين ادركت مجموعة خمسة زائد واحد وتحديدا الولايات المتحدة انه لم يعد لديها ماخذ منطقي على ايران وان عمليات التفتيش ستقتصر على المواقع النووية وانه ليس امامها من خيار سوى رفع العقوبات، يختلقون لعبة جديدة في الكونغرس بهدف شن حرب نفسية".

بيد ان الرئيس الاميركي باراك اوباما اعتبر ان القانون "لن يحرف قطار المفاوضات عن سكته"، يشار الى ان البرلمان الايراني الذي يهيمن عليه المحافظون يحاول اصدار تشريع يجبر الحكومة على اخضاع اي اتفاق نووي لمصادقة النواب.

معركة كلامية مستدامة

من جانب آخر تحدى السناتور توم كوتون في حسابه على تويتر ظريف بأن يزور واشنطن للمشاركة في مناظرة بشأن "سجل إيران في الاستبداد والخيانة والإرهاب" بعد أن ذكره ظريف في تصريحات في جامعة نيويورك، وقال ظريف إن العقوبات على إيران سترفع إذا حدث اتفاق بشأن برنامج طهران النووي "سواء رضي السناتور كوتون بذلك أم لم يرض". بحسب رويترز.

ورد كوتون وهو جمهوري من ولاية أركنسو قائلا إن ظريف "اختبأ" في الولايات المتحدة خلال الحرب بين بلاده والعراق في الثمانينيات من القرن الماضي، وكتب كوتون وهو ضابط سابق في الجيش الأمريكي على تويتر "ليس وسام شجاعة.. أن تختبيء في الولايات المتحدة بينما كانت بلادك تخوض حربا للنجاة وهذا يظهر جبنا في الشخصية لا يزال واضحا اليوم"، وقالت متحدثة باسم كوتون إن السناتور كتب هذه التعليقات على تويتر بنفسه.

ورد ظريف بقوله "إن ما نحتاج إليه هو المساعي الدبلوماسية الجادة وليس التشويه الشخصي الاستعراضي"، لكن ظريف هنأ كوتون على مولوده الجديد قائلا "اتمنى أن تنعم أنت وأسرتك به في سلام"، وكان ظريف (55 عاما) طالبا في الولايات المتحدة خلال الثمانينات، وكوتون (37 عاما) هو أصغر عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي حيث حصل على مقعد منذ يناير كانون الثاني.

نعم ايرانية للصفقة النووية.. ولا للتطبيع مع الشيطان الأكبر

على صعيد ذي صلة قال مسؤولون ومحللون إنه ليس من المتوقع أن تعمل ايران على تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة حتى إذا توصلت طهران لاتفاق مع القوى العالمية لتقييد برنامجها النووي، وقال مسؤولون ايرانيون إن الموالين للزعيم الروحي الأعلى آية الله علي خامنئي من الاسلاميين والحرس الثوري الذين يخشون أن تؤدي المصاعب الاقتصادية لانهيار المؤسسة اتفقوا على تأييد الرئيس حسن روحاني في الاستعداد العملي الذي أبداه للتفاوض على صفقة نووية. بحسب رويترز.

وقال سجادبور من مركز كارنيجي "أسلوب خامنئي في الحكم هو امتلاك السلطة دون المحاسبة... وهو في هذا السياق يحتاج روحاني الضعيف بما يكفي لعدم تشكيل أي خطر عليه وإن كان قويا فيما يبدو بما يكفي لامتصاص الاتهامات الشعبية عن أي وجه من أوجه القصور"، وروحاني ليس هو الرئيس الأول الذي يخدم في ظل خامنئي وهو يمتلك برنامجا اصلاحيا، ففي بداية حكم محمد خاتمي أتيح قدر أكبر من الحريات الاجتماعية والسياسية للايرانيين لكن خامنئي رأي في ذلك تهديدا فيما بعد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1