قدّم مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث ورقته الشهرية التي حملت عنوان (التسامح في المجتمع العربي.. من إمكانية التنظير الى اشكالية التفعيل) في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي عُقد  بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، وبمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والصحفية.

افتتح الملتقى الباحث في المركز محمد علاء الصافي، حيث اورد قائلا:

التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا.

جاء في المعجم الفلسفي لالاند أن التسامح هو طريقة تصرف شخص يتحمل بلا اعتراض أذى مألوف يمس حقوقه بينما في إمكانه رد الأذى.. وهو كذلك استعداد عقلي أو قاعدة مسلكية قوامها ترك حرية التعبير عن الرأي لكل فرد حتى وان كنا لا نشاطره الرأي.

هناك عدة دلالات للتسامح أهمها:

الدلالة الأخلاقية: وهو التحلي بالحلم والكياسة في السلوك والامتناع عن استعمال كل الوسائل العنيفة التي تسبب الضرر للآخر مثل العنف المادي والقدح والذم.

الدلالة الدينية: تساهل أهل الفرقة مع الفرق الأخرى والإيمان بحرية المعتقد واحترام الديانات الأخرى.

الدلالة السياسية: المشاركة في إبرام العقد الاجتماعي والالتزام ببنوده والاحتكام إلى مبدأ الإنصاف الذي يحل محل التطبيق الصارم لمبدأ العدالة.

الدلالة الفكرية: التسامح هو قبول الرأي المخالف والدفاع عن الفكر الحر والعمل على تقديم الأفكار دون فرضها بالقوة.

لقد جاء في إعلان المبادئ بشأن التسامح الذي اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين في باريس بتاريخ 16 نوفمبر 1995: إن التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل بل التسامح هو قبل كل شيء اتخاذ موقف ايجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالميا.

هل يمكن للإنسان الفرد أو الجماعة، أن يفهم نفسه بدون الآخر.. وهل يستطيع الانسان أن يستغني عن الآخر.. أم أن العلاقة بين الذات والآخر من العلاقات المركبة على المستويين الفردي والجماعي، بحيث أنه لا يمكن فهم الذات الا بفهم الآخر.. وبالتالي فإن العلاقة بين الذات مهما كان عنوان تعريفها، هي بحاجة الى الآخر مهما كان عنوانه وتعريفه.

الآخر هو مرآة الذات، ولا ذات حقيقية بدون آخر حقيقي، كل دعوات الاستغناء عن الآخرين مهما كانت مبرراتها ومسوغاتها أو عناوينها، هي دعوات لا تنسجم ونواميس الحياة الإنسانية.

دعوات نفي الآخر واستئصاله، لم تؤد ولن تؤدي إلا الى تشبث الذات بكل خصوصياتها وحيثياتها المباشرة وغير المباشرة، لذلك فأننا نرى أن كل الأيدولوجيات والنزعات الاصطفائية والتطهيرية لم تفض الا الى المزيد من بروز الهويات الفرعية والخصوصيات المراد طمسها وتغييبها.

كل أمة من الأمم لها مقدساتها التي تبجلها وتعلي من شأنها وتحول عبر وسائل متعددة لمنع أي انتهاك لها.. وهذه المقولة لا تختص بأمة دون أخرى أو بمجتمع دون آخر، فلا يوجد مجتمع أو أمة بلا مقدس، وعلى الصعيد الواقعي، كل الأمم والمجتمعات توسع من دائرة المقدس وتعتبر كل قناعاتها هي من المقدسات التي ينبغي أن لا تنقد أو يوجه لها علامات الاستفهام. ولعلنا لا نبالغ حين القول أن الكثير من المشاكل والأزمات وعناصر التوتر في العلاقة بين الأمم والثقافات والحضارات، هو من جراء توسيع دائرة المقدس إما لدواعي دفاعية أو لاعتبارات فكرية – عقدية موغلة في الانغلاق والتعصب.. مما يدفع الأمور باتجاه رفض أي سؤال ونقد يمارس تجاه ثقافة هذا المجتمع.

عند العرب الشارع غالباً ديني أو متدين سياسيا؛ لذا فإن الاتجاه الديني هو الذي يحاول أن يستوعب الفعاليات السياسية ليؤمن لها شرعية الشارع، أو على الأقل شعبيته. مثل هذه الأسئلة والتساؤلات يمكن أن تثار؛ لأنها بالفعل بحاجة إلى إجابات، والقاسم المشترك بينها إطلاق ثقافة التسامح التي يجب أن يتجاوز مفهومها قبول الآخر إلى العمل معه لبناء المجتمع والدولة، فهل يمكن أن تؤمن ثقافة (التسامح) من خلال مؤسسة سياسية فاعلة على صعيد الحكم، أم أنها تبقى حكرا على (المعارضة الديمقراطية) في مثل هذا الظرف الذي يلوح فيه بفرض حالة الطوارئ؟ لماذا ثقافة التسامح الآن شكلية؟ وعالمنا: عراقي/عربي/مسلم/ شرقي لم يصل بعد إلى حد القبول بالتسامح كممارسة وما يقال عن ثقافة التسامح هو لمجرد التأثير وليس التغيير.

كيف نبني ثقافة تسامح ونحن في فترة ضعف، على الأقل على صعيد الدول التي فقدت كل بناها الارتكازية ولما كانت ثقافة التسامح معني بها العراق مثلا في الراهن، فإن فهم شخصية العراقي، ومدى قبوله للتسامح أو ربطه بين الضعف والتسامح، وإن القوي هو الذي يسامح وإن العفة لا تكون إلا عند المغنم!

أن مفردة التسامح لم تأخذ الحضور الموسع ضمن الأدبيات الدينية، ولكنها انضوت تحت مفردات متعددة منها(الرفق، احمل أخاك سبعين محملاً، وخير ما في الدين أن تلقى أخاك بوجه طليق، أدفع بالتي هي أحسن وكأن الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). لذا يظهر لدينا نص إسلامي يمارس دفعا معنويا وأخلاقيا من أجل ممارسة القبول والتسامح. مارست السياسة تحايلاً تاريخيا بالإسناد إلى تهم التأريخ واستحقاقاته. إن تأريخ الفعل الديني العراقي، كان ذا تلاق سياسي وليس ذا توجه يأخذ بنظر الاعتبار إن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. والخلائق متنوعة متباينة مختلفة تجمعهم فطرة الله التي فطر الناس عليها، أعتقد أن أمكانية تأسيس ثقافة التسامح، لا يصبح قريب النيل الا بتعميق حالة التعايش الحاصلة بين مجموعات الشعب العراقي، كذلك أن التسامح لا يلتقي مع الطائفة. بل يتأخر مع المذهبية التي تطرح نفسها بوصفها مشروعاً تضامنياً واجتماعياً قبل كل شيء يستند إلى شعار الأمام علي أبن أبي طالب (عليه السلام) (الناس اثنان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

ولأجل اثراء هذا الموضوع أكثر تم فتح باب الحوار عبر السؤالين الآتيين:

السؤال الاول/ هل تعتقد أن مجتمعاتنا العربية تفتقد لثقافة التسامح؟

غياب ثقافة التسامح في مجتمعاتنا العربية

- حامد عبد الحسين الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، يؤشر إلى حقيقة غياب ثقافة التسامح في مجتمعاتنا العربية وخصوصا في العراق، والدليل على ذلك هي موجة الارهاب التي ضربت اجزاء كبيرة من عالمنا العربي، الذي كان ولا زال يعتمد اسلوب اقصاء الاخر حتى اثناء الحوار، وهذا نموذج مضاف لغياب ثقافة التسامح.

اضاف الجبوري، والتي كانت سببا مباشرا للكثير من الازمات سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، وهذا السلوك يكاد أن يؤكد وجود ازمة اخلاقية، بالتالي لابد من اعداد برامج لتجذير حالة التسامح في الاوساط الاجتماعية، والغاية بطبيعة الحال هي تنمية التعايش.

الاسلام مبني على الاقناع والرضا والتسامح

- الشيخ مرتضى معاش، رئيس مجلس إدارة مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، يتصور، إن التسامح لا يتركز على الجانب الاخلاقي فقط، بل التسامح بمفهومه الاعم والاشمل يضم جميع مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية، وهذا غير وارد جملة وتفصيلا في ثقافتنا العربية غير المتسامحة، التي اوجدت التيارات المتطرفة والجماعات العنفية من مثل (داعش / القاعدة)، وهذه التنظيمات كانت تبيح القتل على الهوية الدينية وتهميش الاديان وهجرة الاديان، وهذه صورة حية ونموذج حي لغياب التسامح.

اضاف معاش، علما أن الربيع العربي وبكل تفاصيله كان شاهدا حيا على الردود القوية والعنفية، وهذا من جراء التوترات الحاصلة في داخل المجتمع العربي، الذي ابتلي بالدولة المستبدة وهي احدى ركائز غياب ثقافة التسامح وانتشار العنف داخل المجتمع، كذلك فان العنف يؤدي إلى الفساد والفساد يؤدي إلى الفوضى والفوضى تؤدي إلى انفراط العقد الاجتماعي، بالتالي فان انفراط العقد الاجتماعي يجعل من عملية التلاقي بين مكونات المجتمع عملية صعبة جدا، وعندها تغيب حالة الانسجام بين الطوائف والمذاهب والعشائر والجماعات.

يكمل معاش، كذلك فان غياب العقد الاجتماعي يؤدي إلى الاستبداد وإلى العنف، وهذا ما انتجه الربيع العربي حينما اعاد انتاج الدولة المستبدة بشكل اسوأ، الامر الاخر ان انكفاء الجماعات على نفسها وعلى هوياتها الفرعية هو نتيجة للخوف من الاخر ولعدم وجود حماية اجتماعية، وهذا مما ينتج التعصب ويغيب عنها حالة التسامح، التي اصبحت اسيرة لتراكم القسوة وغياب مفهوم الرحمة.

 يضاف إلى ما تقدم فان الشعب العربي عموما والشعب العراقي على وجه الخصوص يعيش ظاهرة التهميش المطلق، وهذا بطبيعة الحال ينمي لدى الفرد العربي الحقد والكراهية والاستئثار والتفاوت الطبقي، بالإضافة إلى ذلك هناك اختلال جيني فكري عند الانسان من خلال مفهوم الاكراه للأخر، وهذا مما يسبب ضرر ذاتي وعاطفي وشخصي وينتج لنا كذلك شخصية قلقة ومتوترة وعنيفة ومتشددة، وهذه القيمة أي قيمة الاكراه هي عنوان يومي يعيشه الانسان العربي، وهذا عكس ما يدعو اليه الاسلام وهو مبني على الاقناع والرضا والتسامح.

دائما ما نستدعي الماضي البعيد

- الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجي، يقر ويعترف بعدم وجود التسامح في المجتمعات العربية، فهذه المجتمعات البشرية التي تقطن هذا الحيز الجغرافي على اختلاف انتمائها الفكري والثقافي والديني والمذهبي والقومي، هي لا تؤمن بالتسامح كثقافة، ولكن ورغم كل ما تقدم فان غياب التسامح هو نتيجة وليس سبب، خاصة وأن الشخصية العربية لا تختلف عن الشعوب الاخرى، والدليل واضح بهذا الخصوص فالإنسان العربي عندما يذهب للمجتمعات الغربية سرعان ما يندمج معها ويتفاعل.

اضاف العرداوي، ولكن هذا الانسان عندما يعيش في هذا الحيز الجغرافي هو يفكر كما يفكر الانسان الاخر العربي، بالتالي هناك ثمة خلل في منظومة التفكير التي نستند اليها، وهي دائما ما تعتمد على فكرة الطائفة المنصورة هذا اولا، والامر الاخر أن جميع مكونات الواقع الاسلامي على اختلاف فرقها تعتقد بانها على حق والاخرين هم على باطل، وهذين الامرين يحددان مسار العلاقة التي تجمع العبد بخالقه، إلى جانب ذلك بالتالي نحن عندما نقيس تجربة التسامح دائما ما نستدعي الماضي البعيد والسبب هو غياب الواقع المتسامح الان.

ثقافة الانتقام والغزو والثأر

- الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، التدريسي في كلية القانون بجامعة كربلاء، والباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، يرى إن المجتمعات العربية دائما ما تقوم على ثقافة الانتقام والغزو والثأر، وهذه الثقافات مجتمعة هي ثقافات عنيفة ولا تؤمن بالبعد الحضاري، ويعزى سبب ذلك لحالة الوهن والانهزامية التي تعيشها الشعوب العربية، التي دائما ما ترى نفسها في موقف المظلوم والمضطهد منذ بداية الرسالة الاسلامية وليومنا هذا، وهذا جزء من الواقع المؤلم الذي مرت بها المنطقة العربية اثر الاستعمار الغربي لها في عشرينيات القرن الماضي، وهذا ليس مبررا كافيا لوجود تلك النظرة السلبية اتجاه الاخرين، بالتالي غابت عنا ثقافة التسامح واستجد بدلا عنها ثقافة الانتقام والعنف.

التسامح انهزاما وتنازلا للآخر

- الدكتور قحطان حسين الحسيني، الباحث في مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، يعتبر التسامح قيمة عليا في المجتمع، وهي الضامن والكفيل الاكيد لتأسيس مجتمع تسوده قيم العقلانية والتعايش السلمي، المجتمع العربي بذاته هو يمتلك الكثير من الاسس والمقومات الاساسية التي يقوم عليها التسامح واحترام الاخر، لكن وللأسف الشديد نرى الحقيقة مغايرة تماما، والسبب الحقيقي والجوهري بهذا الخصوص كون الفرد العربي توصل إلى حقيقة مفادها بانه يمتلك الحقيقة المطلقة وأن الاخر لا يمتلك تلك الحقيقة.

اضاف الحسيني، بالتالي هذا الشعور جعل من الفرد العربي متشبث برايه، كذلك فان التعصب للرأي هو من الامراض الشائعة في الاوسط الاجتماعية العربية، من الامور الاخرى التي يمكن التعرض اليها هي الاستقواء على الاخر في حال حدوث خصومة، كذلك البعض يفسر التسامح تفسيرا خاطئا ويجعل منه انهزاما وتنازلا للأخر.

مجتمعات قبلية تقوم على العنف وعلى الثأر

- الحقوقي احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات، يصف، مفردة التسامح على انها مفردة انسانية، وهي لا تختص بمجتمع ما او جماعة ما دون المجتمعات الاخرى، خصوصا وأن التسامح والصفح والعفو هو مثال للقوة وليس العكس تماما، لكن ما نود توثيقه أن المجتمعات العربية هي مجتمعات قبلية وهي تقوم على العنف وعلى الثأر، وهذا خلاف النهج الرسالي الذي جاء به نبي الرحمة صلى الله عليه واله وسلم حينما تعامل مع المشركين بالرفق واللين.

حالة من الضعف والانكسار

- عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية يعتقد، أن المجتمع العربي يؤمن بشيء ولكن لا يستطيع تطبيقه، فالثقافة العربية عاشت فترات حرجة من تاريخها حيث تسيد فيها الاقوى والاشرس، وهذا التاريخ وبكل ما يحمل من معاني العنف انعكس بصورة مباشرة على الفرد العربي ابتدأ من الصغير حتى الكبير، بالتالي اصبحت قضية التسامح امر ثانوي وهي تلامس المجتمعات المثالية تقريبا، والا كيف نفسر المقولة التي يرددها العراقيون مرارا وتكرارا ( لا ينفعنا الا فلان)، وهنا نرمز للحاكم (الجائر / الظالم / المستبد / القاتل)، بالنتيجة هذه ثقافة خرجت من رحم الجزيرة العربية وانتشرت في باقي المجتمعات العربية.

اضاف الصالحي، وهذا مما جعل الفرد العربي ينظر للتسامح على انها حالة من الضعف والانكسار والانهزام امام الاخرين، بالتالي فان ثقافة التسامح هي ثقافة ضعيفة جدا في واقعنا العربي، بل هي تمثل اشكالية كبيرة لبعض الاشخاص.

التسامح كقيمة عليا ترتبط بالمساواة والعدل

- أ.م.د حسين أحمد السرحان، رئيس قسم الدراسات الدولية في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة كربلاء وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، يرى، التسامح كقيمة عليا هي تربط بقيم اخرى كالمساواة والعدالة، وهذا المعنى يفتقر له التاريخ العربي منذ تاريخ نشأته الا بحدود ضيقة وضيقة جدا تشمل اهل بيت الرحمة عليهم السلام وبعض الصحابة الاجلاء، بالتالي هذا السلوك هو سلوك فردي وليس سلوك جماعي أو مجتمعي.

اضاف السرحان، لذلك ما نعيشه اليوم هو سبب للموروث الديني والاجتماعي والتاريخي وليس نتيجة، وهذا مما اثر بإسقاطاته على سلوكياتنا في الوقت الحاضر، لذا نجد كل الانظمة العربية هي غير قائمة على المساواة ما بين الافراد، بالتالي لا يمكن لأي نظام سياسي ان يحقق مصالحة وطنية شاملة ما لم يحقق المساواة والعدل ما بين الافراد، بالنتيجة أن قيم التسامح غير موجودة في الوقت الحاضر.

التسامح متلازم مع الذات البشرية في الغرب

- حيدر الاجودي، باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، يجد، إن التسامح متلازم مع الذات البشرية في الغرب، اما بالنسبة للمجتمعات العربية فيعد التسامح مفهوم نافر، فلو قارنا المجتمعات الغربية مع المجتمعات العربية نجد أن التقدم والتطور الحاصل هناك هو نتيجة لمفهوم التسامح، اما نحن في المجتمعات العربية فلنا الكاس المعلى على المستوى التنظيري فقط، بالنتيجة على الانسان العربي أن يتحلى بتلك الصفة الانسانية النبيلة، التي من خلالها يمكن أن نبني مجتمع يسوده الوئام والسلام.

ضعف في مفهوم التسامح لدى الشعوب العربية

- الدكتور حيدر حسين أحمد آل طعمة، التدريسي في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة كربلاء، والباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، يعتقد بوجود ضعف في مفهوم التسامح لدى الشعوب العربية، وهذا مرده للضعف الاخلاقي الذي تعاني منه المجمعات العربية في العقود الاخيرة، كذلك هناك سوء فهم لقواعد الدين الاسلامي الصحيح، بل التركيز كل التركيز يكون على الجانب العبادي فقط، لذلك فان المسؤولية الكبرى تقع على رجال الدين وعلى النخبة المثقفة والاكاديمية لنشر الوعي الاسلامي بشكل يتلاءم مع روح الاسلام.

خلل في البنية الثقافية والتربوية والاخلاقية

- علي حسين عبيد، كاتب في مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، يرى، أن قضية التسامح بالنسبة للمجتمعات العربية تعاني من اشكال واضح في البنية الثقافية والتربوية والاخلاقية، وهذا مما اسهم في نسف اواصر العلاقة ما بين الشخصية العربية من جهة وبين التسامح من جهة اخرى، والامر هنا ليس بجديد فالشعوب العربية على اختلاف قربها الزماني والمكاني من الغرب هي تعاني من ذات المشكلة، وهنا نعني كلا من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا فهي مصابة ايضا بمتلازمة الانوية والشخصنة والغاء الاخر.

السؤال الثاني/ كيف نعزز خيار التسامح في المنطقة العربية؟

- حامد عبد الحسين الجبوري، يوصي، بوضع منهاج تربوي لكافة المراحل الدراسية لحل مسالة الاخلاق بكافة اشكالها.

- الشيخ مرتضى معاش، يستدل بضرورة قراءة تاريخ نشوء المذاهب التي هي في الاعم الاغلب مذاهب سياسية، فعلى سبيل المثال كان معاوية يعاني من فقدان الشرعية، وهذا مما مهد الطريق امامه لخلق المذاهب القدرية، بالتالي أصبح لدينا تراكم مذهبي قائم على التعصب وعلى العنف، في الزمن العباسي كذلك تم تأسيس مذاهب جديدة لتبرير حكمهم وشرعيتهم، يضاف إلى ذلك فان الحكومات الاستبدادية هي دائما ما تلجأ إلى التفكيك الطائفي والعشائرية، لذلك نجد الاسلام دائما ما يوصي بسياسة الرحمة والموعظة الحسنة ويرفض الاكراه والجبر.

اضاف معاش، القرآن يحث دائما على مفهوم التقوى وأن يكون الانسان موضوعيا وحياديا في تعامله مع الآخر، وهذا يؤشر إلى أن سياسة المسامحة والتسامح هي نابعة من التقوى التي يتحلى بها الانسان، لذلك نجد في ادبيات السيد محمد الشيرازي وصف دقيق للتسامح حيث يصفه ( اللاعنف المطلق)، إلى جانب نحن نحتاج لفضيلة اخرى وهي الصبر على الاخر لتعزيز التسامح، وهذا ما سعى اليه الرسول الكريم (ص) قولا وفعلا في احداث فتح مكة وما تخللها من اجراءات العفو والصفح حيث قال لهم (اذهبوا انتم الطلقاء).

يكمل معاش، ايضا هناك مشكلة اخرى لابد من الالتفات اليها وهي كون المثقف العربي هو مثقف انتقائي، والسبب هنا يعود لان جميع قراءاته حول الاسلام تأتي من خلال الفكر الغربي، النقطة الاخرى التي لابد من المرور بها هي لا يجوز قراءة النص القرآني مع عدم وجود نظرة شاملة وملمة بجميع مناحي علوم اللغة والبلاغة.

- الدكتور خالد عليوي العرداوي، يعتقد، إن موضوع التسامح يحتاج لوعي شامل بضرورة بناء حياة جديدة، اليوم على سبيل المثال انا شخصيا لا استطيع أن اكون متسامح مع شخص يحلل دمي ومالي وعرضي، بالتالي عندما نريد ان نبني مجتمع حقيقي على اسس حقيقية وفي دولة حديثة، يحتاج من جميع الاطراف أن تشعر بالمسؤولية المشتركة في بناء منظومة قيمية جديدة، لذلك فإن حياتنا الثقافية الحالية هي مبرمجة بطريقة خاطئة، وهذه البرمجة الخاطئة جاءت نتيجة المقولات الاولى، السرديات الاولى، والاعتقادات الخاطئة، وهذا بالنتيجة خلق لنا هذه الحياة البائسة التي نعيشها اليوم.

اضاف العرداوي، احد الكتاب حاول أن يستعرض هذا الموضوع فقال حرفيا أن الانسان يمر بأربعة مراحل وهي.. اولا / الفهم، وثانيا / الادراك، وثالثا / الانفصال، ورابعا / اعادة البرمجة، بالتالي ما لم نمارس تلك الخطوات الاربعة سيكون الحديث عن التسامح هو حديث فوقي، لذا علينا انتاج ثقافة جديدة.

- الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، يعتقد، اننا نحتاج لأمرين الامر الاول أن ننزع الخوف من نفوسنا، والامر الاخر التنشئة الثقافية الصحيحة لجميع افراد المجتمع، وذلك من اجل ابعاد الاوهام التي سارت معنا منذ بداية الخليقة وإلى يومنا هذا، في العراق على سبيل المثال السياسي هو ابعد ما يكون عن سياسة التسامح، بالتالي نحن اليوم ليس لدينا تسامح مع الاخر ومع الثقافات الاخرى ومع العلوم الاخرى والاديان الاخرى، لذا فان التسامح هو معنى شامل وليس فقط تسامح انساني وثقافي وعلمي وحتى تسامح مع الطبيعة التي طالما قسونا عليها.

- الدكتور قحطان حسين الحسيني، يرى أن المجتمعات العربية فرصتها كبيرة جدا في ترسيخ ثقافة التسامح، والسبب لأنها تقف على ثروة كبيرة من النظريات والافكار والمدارس الفقيهة والمؤلفات الفكرية التي تبين ثقافة التسامح، وحتى التاريخ العربي والاسلامي يذكر الكثير من القصص والروايات التي تولي ثقافة التسامح اهمية كبيرة وتقدسها، بالتالي فان تفعيل قضية التسامح في المجتمعات العربية تبدأ من التربية والتعليم، والغاية هي انقاذ الاجيال القادمة من فكرة عدم التسامح.

اضاف الحسيني، ايضا يمكن التركيز على وسائل الاعلام وتوظيفها في الافكار والبرامج لنشر ثقافة التسامح والعفو والعمل بها في كل الميادين، ايضا من الجانب القانوني ممكن أن نؤسس لقوانين ولمشاريع قوانين تجرم كل الاعمال التي تتنافى مع ثقافة التسامح والترويج لثقافة العنف، المؤسسات الدينية ايضا ممكن ان تكرس المنتجات الفكرية التي تدعو إلى إشاعة ثقافة التسامح، ممكن أن تضع وزارة التعليم العالي ايضا أن تدعو الطلبة لكتابة الاطاريح للماجستير وللدكتوراة تتناول موضوع التسامح، بالإضافة إلى ذلك المجتمع بأجمعه مطالب بالنظر لمكانة الانسان المتسامح وغير المتسامح ونعمل مقارنه بسيطة، كي نميز ايهما افضل واحسن بالنسبة للمجتمع.

- عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، يصف المجتمع العربي بانه مجتمع متوحش، بالتالي هو يصف الانسان السوي والمسالم والطيب بانه ضعيف وجبان.

- حيدر الاجودي، يعتقد، أن مفهوم التسامح يحتاج لمجموعة اليات تنفيذية تبدأ من النفس اولا ومن ثم الاسرة والمدرسة وباقي قطاعات وشرائح المجتمع العراقي.

- الاستاذ عقيل بن ناجي المسكين، يوصي بوجود وزارة للتسامح والعفو لحل اشكاليات وتناقضات هذا القرن، وتكون هذه الوزارة متخصصة في تقديم انظمة وقوانين الصفح والعفو استفادة من القوانين التشريعية في الدولة، وتسير هذه الوزارة جنبا إلى جنب مع لجان حقوق الانسان في هذه الدولة وهي مرتبطة بمجلس الوزراء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0