تظهر المستجدات الأخيرة في الاحداث اليمنية، مفارقات وتباينات متعددة المقاصد من لدن بعض الدول الإقليمية والعالمية المشاركة بشكل مباشر في هذه القضية التي باتت تشكل بعدا دوليا، فبعض هذه الدول تسعى الى إيجاد حل سياسي لتسوية الازمة اليمنية بالظاهر، بينما تذكي الازمة وتزيد من تعقديها بالخفاء، مما جعل الوضع الامني في اليمن يدور داخل حلقة مفرغة تساعد على ديمومة الصراع الذي يغذي العنف وينشر الدمار في البلاد، وهذا ما جعل منها أزمة بالغة الضخامة لها أبعاد إقليمية ودولية.

فعلى الرغم مما تشهده الازمة اليمنية خلال الآونة الاخيرة من تحولات سياسية امنية، تجسدت بعملية ما يسمى (اعادة الامل) وطلب امريكا من ايران التدخل لإيجاد تسوية في اليمن، فضلا عن التحولات الامنية الداخلية، الا ان هذه التحولات البطيئة الحركة لا تبدو عليها مؤشرات النجاح في فتح كوة امل في حل الازمة اليمنية.

لكن يرى بعض المحللين أن طرح مبادرة محادثات واجتماعات دولية قد تفتح بوابة جديدة لحل الازمة اليمنية العنيفة، وتعطي آمالا لإنهاء الصراع الدموي الذي تسبب بمآسي إنسانية ارعبت الشعب اليمني، لكن الوقائع والاحداث لا تتواءم مع الاقوال فغالبها تتسم بالمناورات لتكشف مواقف ازدواجية تكسوها التصريحات الكاذبة، وصراع المصالح من لدن الإرادات العالمية وقادتها السياسيين المتناقضين بالأقوال والافعال.

خصوصا وان هذه التطورات الاقليمية تأتي في وقت تمر فيه العلاقات الأمريكية الإيرانية بمنعطف خطير، وقد تتحسن العلاقات إذا ما تم التوصل إلى اتفاق نووي بين طهران والقوى العالمية الست. ويتزامن هذا مع تصاعد التوتر بين إيران والسعودية بسبب الصراع في اليمن إذ تدعم كل دولة طرفا مختلفا في الصراع.

حيث يرى معظم المحللين أن الخلافات بين أطراف الخصام باتت تمثل خطرا محتدما ربما يهدد الاستقرار الاقليمي وخاصة على الصعيد الاقتصادي، بعدما حدثت مناورات بحرية في مضيق باب المندب مؤخرا، حيث باتت الأحداث في الأزمة اليمنية بتطوراتها المتلاحقة أشبه بصراع تكتيكي أكثر مما هو صراع استراتيجي في اليمن، التي يعتبرها الكثيرون الجائزة الكبرى في السباق على عرش الشرق الاوسط.

كما يرى الكثير من المحللين المتخصصين بشؤون الشرق الاوسط أن الرياض شعرت بأنها محاصرة بالنفوذ الإيراني المتنامي في دول عربية منذ الغزو الأمريكي للعراق، وهي تعتبر إمكانية حصول إيران على سلاح نووي أكبر كوابيسها، وكذلك يبدو أن السعودية قلقة أيضا من أن يتيح الاتفاق ورفع الضغط الدولي عن إيران - بما في ذلك العقوبات- مجالا أرحب لها لتسليح وتمويل وكلائها الذين تعارضهم الرياض في المنطقة.

أما بالنسبة لواشنطن ستجعل الفوضى في اليمن من الصعب تنفيذ استراتيجية القيادة من الخلف الامريكية في الشرق الاوسط، عبر حليفها السعودية فإن صعود نجم الحوثيين يمثل سقوط عاصمة جديدة في أيدي حلفاء إيران المنافس الإقليمي للمملكة، بعد أن أصبح أنصار طهران يتولون السلطة في كل من دمشق وبيروت وبغداد، بحسب بعض المحللين، بينما يرى محللون آخرون أن الإرادات الإقليمية من لدن بعض الدول المجاورة لليمن تسعى لاستغلال الأزمة اليمنية من أجل تحقيق أجندة استراتيجية.

وعليه اذا استمر الوضع على حاله المتوتر، ستجري احتكاكات ومواجهات بين السعودية وحلفائها وايران وحلفائها على غرار ما حدث في العراق، وهذا الامر يشير الى أن تكون هناك صفقات سياسية بين الدول الكبرى المتصارعة والمهتمة بالهيمنة على اليمن، بهدف إعادة ترتيب الأوضاع بالمجال السياسي لغاية اقتصادية استراتيجية، مما ينذر ببواعث خطر نشوب حرب متعددة الأوجه بين الاطراف المتخاصمة.

أمريكا تطلب مساعدة إيران

في سياق متصل قال مسؤول أمريكي إن الولايات المتحدة طلبت مساعدة إيران في جعل الأطراف المتحاربة في اليمن تشارك في محادثات بشأن تسوية سياسية وذلك حينما اجتمع وزيرا الخارجية الايراني والامريكي. بحسب رويترز.

وردا على سؤال عما إذا كان وزير الخارجية الامريكي جون كيري طلب من نظيره الإيراني محمد جواد ظريف اثناء محادثات في نيويورك ان تستخدم بلاده نفوذها في جعل الأطراف تشارك في المحادثات قال مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية للصحفيين "نعم"، وأضاف المسؤول الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته أن ذلك معناه طلب المساعدة الإيرانية في جعل الحوثيين يتفاوضون، وقال كيري للصحفيين قبل اجتماعه مع ظريف لبحث البرنامج النووي الإيراني إنه يتوقع أن يحضر اليمن المحادثات"، وأضاف قائلا "بالتأكيد سأدعو أن يقوم الجميع بدورهم لمحاولة تقليل العنف والسماح ببدء المفاوضات بطريقة ستحمي مصالح اليمنيين".

مباحثات خليجية

فقد اجتمع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض لبحث العملية العسكرية العربية التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن وسط دعوات لاطلاق حوار وطني، وفي بداية الاجتماع المغلق في قاعدة جوية في العاصمة السعودية قال وزير الخارجية القطري خالد العطية ان العملية العسكرية اظهرت "المسؤولية التاريخية لدول المجلس" الخليجي تجاه اليمن، ومنذ الـ26 من اذار/مارس، تقود السعودية تحالفا من تسع دول عربية يشن غارات جوية ضد مواقع الحوثيين في اليمن بهدف منعهم من تعزيز سيطرتهم على البلاد، وكثف التحالف غاراته الجوية في جنوب اليمن حيث تدور معارك عنيفة بين الحوثيين ومقاتلين موالين للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، في حين تتمركز مدمرتان ايرانيتان عند مدخل باب المندب الاستراتيجي بين اليمن وجيبوتي.

ويأتي الاجتماع الوزاري قبل قمة تشاورية لدول مجلس التعاون الخليجي (السعودية والبحرين وسلطنة عمان و الكويت والامارات وقطر) ستعقد في الرياض، ومن المفترض ان يحضرها ايضا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في مشاركة استثنائية لرئيس دولة اجنبية، واعلن الاليزيه ان هولاند سيكون ضيف الشرف في هذه القمة التي تعقد في ظل التوترات المتصاعدة مع ايران، ويستقبل الرئيس الاميركي باراك اوباما قادة دول مجلس التعاون الخليجي الستة يومي 13 ايار/مايو في البيت الابيض و14 منه في كامب ديفيد لطمأنتهم حول اتفاق الاطار الذي توصلت اليه مجموعة 5+1 مع ايران حول برنامجها النووي.

والسعودية القلقة من سياسة حليفتها الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، تجاه ايران خاصة، تدخلت عسكريا في اليمن ضد الحوثيين الذين تحدوها بشكل علني، وبعد دخولهم الى صنعاء في ايلول/سبتمبر العام 2014 وسيطرتهم عليها بالكامل في كانون الثاني/يناير 2015، نجح الحوثيون في السيطرة على مناطق اخرى حتى انهم تقدموا جنوبا، فاضطر الرئيس هادي الذي اتخذ من عدن ملجأ له الى الفرار الى الرياض، وبرغم اعلان السعودية في 21 نيسان/ابريل انتهاء الحملة الجوية "عاصفة الحزم" وبدء مرحلة "اعادة الامل"، الا ان التحالف استمر في غاراته اليومية ضد مواقع الحوثيين وحلفائهم.

وقال مسؤول لوكالة فرانس برس ان ثمانية قتلى سقطوا في عدن بينهم ثلاثة مدنيين، وحقق الحوثيون، وتدعمهم قوات من الجيش اليمني موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، تقدما في عدن، المدينة التي تدافع عنها مجموعات مناهضة لهم يطلق عليها "المقاومة الشعبية"، واكد وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف على انه "يجب ان يشارك الجميع في اليمن في حوار دون شروط مسبقة، ولا اعتقد ان ذلك يمكن ان يجري في الامارات لان الامارات وللاسف اصبحت طرفا في النزاع".

تحشيد عسكري في مياه الخليج

من جهته أعلن قائد البحرية الإيرانية أن مدمرتان إيرانيتان أرسلتا إلى خليج عدن لحماية السفن التجارية متمركزتان حاليا عند مدخل مضيق باب المندب الإستراتيجي بين اليمن وجيبوتي، وأوضح الأميرال حبيب الله سياري "نحن موجودون الآن في خليج عدن وتقوم المدمرتان البرز وبوشهر بدوريات تحديدا عند مدخل باب المندب"، بحسب ما نقلت عنه وكالة أرنا الرسمية، وأضاف "نحن في خليج عدن بموجب القوانين الدولية من أجل حماية السفن التجارية لبلادنا من تهديد القراصنة". بحسب فرانس برس.

ويعبر نحو أربعة ملايين برميل من النفط يوميا المضيق باتجاه قناة السويس شمالا أو خط أنابيب سوميد للنفط، وكان مسؤول أمريكي أعلن أن حاملة طائرات وسفينة مزودة بقاذفة صواريخ أمريكية غادرتا المياه قبالة سواحل اليمن بعد عودة سفينتين إيرانيتين أدراجهما كانت واشنطن تشتبه بأنهما تنقلان أسلحة إلى المتمردين الحوثيين في اليمن.

ولا تزال سبع سفن حربية أمريكية في خليج عدن على مقربة من اليمن حيث تدور مواجهات بين الحوثيين المدعومين من إيران ومؤيدي الرئيس عبدربه هادي منصور المقيم في الرياض، وتابع سياري أن "المعلومات التي أشارت إلى تلقي السفن الإيرانية تحذيرات غادرت على إثرها المنطقة ليست صحيحة"، موضحا أن السفن الحربية الإيرانية "لن تدخل المياه الإقليمية لدول أخرى"، في إشارة إلى اليمن، وأضاف أن "المدمرتين ستظلان في المنطقة حتى 22 حزيران/يونيو على أن تحل محلهما سفن أخرى".

من جهة أخرى قالت مصادر مطلعة لرويترز إن السعودية تقدم تدريبات عسكرية للمئات من رجال القبائل اليمنية لقتال جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران، ويقصف تحالف تقوده المملكة الجماعة جوا منذ أكثر من شهر لكن الحوثيين مازالوا القوة المهيمنة في اليمن.

وأعلنت السعودية انتهاء عملية عاصفة الحزم في سبيل إتاحة مجال أكبر أمام المساعدات وجهود المصالحة لكن الأطراف المتصارعة لم تحقق تقدما واضحا باتجاه إجراء محادثات، وقال مصدر عسكري مطلع على الأمر ويقيم في الدوحة "لا يمكنك الانتصار في حرب ضد الحوثيين من الجو.. تحتاج إلى إدخال قوات برية ويوجد الآن برنامج لتدريب المقاتلين القبليين على الحدود"، وقال مصدر يمني رسمي لرويترز إن 300 مقاتل قبلي تدربوا في السعودية عادوا إلى موطنهم في منطقة صرواح بمحافظة مأرب في وسط اليمن هذا الأسبوع لمحاربة الحوثيين وتمكنوا من صدهم. بحسب رويترز.

وذكر مصدر دفاعي سعودي أن هناك خطة لتعزيز القوات اليمنية في المعارك بمختلف أنحاء اليمن لأن السكان المحليين على دراية أفضل بطبيعة الأرض مقارنة بالسعوديين، وقال المصدر اليمني الذي طلب عدم ذكر اسمه "المشكلة هي أن عدد المقاتلين القبليين الذين يتم تدريبهم صغير جدا وليس كافيا"، وأضاف أن التدريب يشمل تزويدهم بالأسلحة الخفيفة والنصائح التكتيكية.

وردا على سؤال بشأن التدريب قال العميد أحمد عسيري المتحدث باسم التحالف بقيادة السعودية لرويترز إنه لا يمكنه التعقيب على عمليات مازالت مستمرة لكنه لم يقدم نفيا لوجود مثل هذا التدريب، وقال إنه يعلق دائما على ما تم تحقيقه ولا يعلق أبدا على شيء في المستقبل. وأضاف أنه لا يريد تعريض أمن وسلامة أي جندي للخطر، وتابع أنه يؤكد دائما على أن التحالف يساعد ما وصفها بأنها المقاومة والجماعات الشعبية والجيش الوفي لكن لا يمكنه الخوض في تفاصيل المكان والزمان.

مأساة عدن

على صعيد ذي صلة هزت ضربات جوية نفذها التحالف العربي ونيران المدفعية مدينة عدن بجنوب اليمن أثناء الليل بينما خاض مقاتلون اشتباكات للسيطرة على المطار الرئيسي في معارك وصفها سكان بأنها الأسوأ خلال الحرب التي بدأت قبل أكثر من شهر.

وتبادل المقاتلون الحوثيون المتحالفون مع إيران ومقاتلو فصائل محلية إطلاق نيران المدفعية وقذائف المورتر في حي خور مكسر بمحيط المطار أثناء الليل وقصفت طائرات التحالف الذي تقوده السعودية مواقع للحوثيين. بحسب رويترز.

وقال الناشط أحمد العوجري "المشهد كارثي.. ليس فقط في الشوارع حيث يدور القتال لكن داخل البيوت حيث الأسر محاصرة ومروعة"، وأضاف "نساء وأطفال يحترقون في بيوتهم ومدنيون يصابون في الشوارع بالرصاص أو بنيران الدبابات"، وقتل عشرات السكان والمقاتلين من الجانبين خلال الصراع وقال سكان إن ستة حوثيين على الأقل واثنين من الفصائل المحلية المسلحة قتلوا في اشتباكات"، وقال خالد بحاح نائب الرئيس اليمني المقيم في الخارج إن انقسام جيش اليمن خلال الصراع يساعد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب -وهو أنشط فروع القاعدة- وإن الحوثيين لا يواجهون التنظيم، وقال في تصريحات لقناة الجزيرة الفضائية إن الحوثيين يحاربون شعب اليمن لا القاعدة مشيرا إلى أن التنظيم تقدم واستولى على بعض المواقع في اليمن بسبب الفراغ الأمني والعسكري.

وفي الوقت الراهن يبدو من المرجح أن تغييرات جذرية على الأرض ستحدث عن طريق القنوات الخلفية لا عن طريق أي تحول مفاجيء في المعادلة العسكرية، وشهد تحول عدة وحدات من الجيش إلى تأييد هادي ما أشار إلى جهد سعودي للفوز بتأييدها، ولم تعلن أي تحولات أخرى في الولاء علانية وأدلى صالح بتصريح اتسم بالتحدي قال فيه إنه سيبقى في اليمن ولن يهرب للخارج، وربما تكون أفضل ورقة تلعبها السعودية للفوز في حملتها في اليمن هي إقناع كبار الضباط المؤيدين لصالح بالعكس سواء بالرشوة أو التهديد أو بالتملق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1