(رويترز) - قال المهربون لفاردين غلامي إن مركب صيد سينقله من فرنسا إلى إنجلترا عند منتصف الليل لكنه لم يجد عندما وصل إلى الشاطئ هو وخمسة إيرانيين آخرين يسعون لطلب اللجوء سوى قارب مطاطي ولا أحد للإبحار به.

كان غلامي قد دفع 16 ألف يورو لمهربي البشر لنقله من كامياران في غرب إيران إلى بريطانيا. لكنه أدرك وهو على الشاطئ قرب كاليه أنه سيضطر هو والآخرون إلى تدبير أمورهم بأنفسهم، قال غلامي (31 عاما) ”أشاروا إلى ضوء أحمر في الأفق وقالوا إن علينا الإبحار صوبه“، وهو واحد من مئات الإيرانيين الذي يخاطرون بحياتهم لعبور القنال الإنجليزي الذي يعد من أكثر الممرات الملاحية ازدحاما في العالم. والقوارب المطاطية التي يستخدمها اللاجئون ليست مجهزة لعبور القنال وخاصة في الطقس الشتوي الغادر.

وقال غلامي ”أحيانا كانت سفن ضخمة تمر، وكان الأمر مرعبا، وكنا ندرك أننا إذا اصطدمنا بها فستكون تلك نهايتنا“، عبر محمد صالحي بختياري (47 عاما) القنال في أكتوبر تشرين الأول. وقال لرويترز ”الأمواج كانت تأتي من كل الاتجاهات. كان كابوسا. وشارفنا على الموت مرات عديدة في الساعات الأربع التي استغرقها العبور. كانت تلك الساعات الأربع أشبه بأربعة أشهر“، وقد حاول أكثر من 500 مهاجر، أغلبهم إيرانيون وبعضهم من الأطفال، السفر إلى بريطانيا في قوارب مطاطية خلال 2018 وجاءت محاولات أربعة أخماسهم في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام. وأعيد بعضهم إلى فرنسا.

وقطع وزير الداخلية البريطاني ساجد جاويد إجازة عائلية لمعالجة هذه المشكلة. وضاعفت بريطانيا عدد زوارق الدورية في القنال إلى أربعة زوارق بالإضافة إلى سفينة تابعة للبحرية، وبعد شهر من القبض عليه قرب ميناء دوفر أصبح غلامي يعيش في نزل في ليفربول وتوفر له الحكومة وسائل الإقامة المؤقتة لحين البت في طلب اللجوء الذي تقدم به.

ويقول باباك حاج بور (40 عاما) رفيقه في الحجرة الذي عبر القنال في ديسمبر كانون الأول ”اعتقدنا أننا سنموت إذا لم ننجح وأن كل شيء سينتهي“، ووصفت وسائل الإعلام البريطانية النزوح الإيراني بأنه محاولة أخيرة للوصول إلى بريطانيا قبل أن تنفصل عن الاتحاد الأوروبي. غير أن كل طالبي اللجوء الذين تحدثت إليهم رويترز قالوا إن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي ليس عاملا في تحركاتهم. بل إن أحدهم قال إنه لم يسمع به من قبل.

غادر غلامي الذي يعمل مدرسا إيران بعد القبض على أصدقاء له من نشطاء البيئة وانتابه الخوف من القبض عليه أيضا، أما بختياري، الذي كان يعمل مدير مشروع كهربائي، فقد أمضى عامين في السجن بتهمة نشر معلومات عن حقوق العمال في المصانع. وفر من إيران أثناء الإفراج عنه لفترة مؤقتة.

ورحل حاج بور، الذي يعمل سباكا وكهربائيا، بعد أن تعرض للضرب على أيدي رجال الشرطة في الشارع لارتدائه سروالا قصيرا، وقال ”أعتقد أن العقوبات والوضع الاقتصادي في إيران وخلط الدين بالسياسة هي الأسباب الرئيسية التي تدفع الناس للرحيل عن البلد“، وأبدى حاج بور أمله أن يتمكن في النهاية من نقل أسرته إلى بريطانيا بما في ذلك ابنته ذات السبعة أعوام. وقال ”لن يكون لها مستقبل باهر في إيران“.

طريق مسدود

قال إيرانيون آخرون من طالبي اللجوء في أوروبا وتركيا لرويترز إنهم قرروا الرحيل عن إيران بعد أن يئسوا بسبب الصعوبات الاقتصادية والسياسية المتزايدة، وفي الصيف الماضي انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من اتفاق دولي لتقييد برنامج طهران النووي وفرض عقوبات أدت إلى ارتفاع الأسعار بشدة في إيران.

وتبين أرقام الأمم المتحدة أن أكثر من 21 ألف إيراني غادروا بلادهم في 2018 لطلب اللجوء في أوروبا وتركيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وقال الميجر جنرال محمد باقري رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية ”الأعداء الخارجيون يشجعون الشباب على مغادرة إيران وإدارة ظهورهم لقيم الثورة الإسلامية بإقناع الناس أن مقاومة القوى العظمى ستؤدي إلى الحرب“، وفي الربع الثالث من العام 2018 زاد عدد طالبي اللجوء الإيرانيين في بريطانيا بأكثر من 30 في المئة عن العام السابق. وقالت وزارة الداخلية إن معظم طالبي اللجوء في العام الماضي كانوا من إيران.

وقال غلامي ”هنا، وربما في دول أخرى أيضا، يوجد لاجئون إيرانيون أكثر من السوريين“، وأضاف ”الوضع في إيران أسوأ منه في بلد في حالة حرب. خاصة في الفترة الأخيرة وبسبب الطموحات النووية في البلد تدهور الوضع الاقتصادي وأعتقد أنه ستحدث موجة جديدة من اللاجئين الإيرانيين لأسباب اقتصادية“.

وقال إيراني عمره 37 عاما طلب عدم نشر اسمه لأنه يخشى على سلامة أسرته في إيران إنه باع بيته للسفر إلى بريطانيا، وتابع ”لم أحلم قط بالقدوم إلى أوروبا. كنت أحيا حياة كريمة في إيران وعندي سيارة ومصنع صغير وعمال“.

وقال إنه شعر بالمهانة لاضطراره للوقوف في طوابير من أجل الحصول على الطعام في ليفربول حيث يتسلم 35 جنيها أسبوعيا من الحكومة البريطانية. غير أن ركوب الحافلة يكلفه 2.5 جنيه كما أنه مضطر لدفع أكثر من 30 جنيها من أجل الاشتراك في خدمة الإنترنت على هاتفه لمكالمة عائلته في إيران، وأضاف أن العامل في إيران يحصل على ما يكفي في اليوم لشراء نصف كيلوجرام من اللحم ”والناس يواجهون طريقا مسدودا بسبب العقوبات“.

موسر بلا أمل

ربما كانت المصاعب الاقتصادية هي التي أدت إلى النزوح من إيران غير أن رويا كاشفي من رابطة الباحثين الإيرانيين تعتقد أنه يجب اعتبار اللاجئين الإيرانيين لاجئين سياسيين لا اقتصاديين.

وقالت كاشفي التي تعمل في وزارة الداخلية وتختص بأمور طالبي اللجوء الإيرانيين إنهم ”في الغالب من الطبقة المتوسطة والمتعلمين. وبعضهم موسر بما يكفي لدفع 16 ألف دولار لمهربي البشر“.

وفي كاليه تعتقد مايو كونفورتي أمينة رابطة للمهاجرين أن طالبي اللجوء الإيرانيين يلجأون لتدابير فيها مغالاة مثل خياطة الشفتين أو الإضراب عن الطعام أو عبور القنال الإنجليزي في قوارب صغيرة بسبب انتمائهم للطبقة المتوسطة.

وقالت لرويترز ”كانوا يعيشون حياة كريمة من وجهة النظر المالية في إيران في حين أن الأوضاع المعيشية في كاليه رهيبة. فقد اعتادوا على العيش في بيت، أما هنا فعليهم العيش في خيمة ذات أرضية طينية في البرد، ولذلك لا يتحملون الوضع“.

وأضافت ”يقولون لنا إن البقاء في كاليه مثل الموت... وهم على استعداد لتجريب أي شيء. فيقولون موافقون للقوارب. لا نكترث. سنغامر وربما نموت لكننا سنموت موتا سريعا على الأقل“، وبدأ عدد الإيرانيين في كاليه وحولها يتزايد في أواخر 2017 بعد أن ألغت صربيا شروط التأشيرات للمواطنين الإيرانيين وفتحت لهم مسارا أيسر إلى الاتحاد الأوروبي.

وألغت صربيا هذه المبادرة بعد 14 شهرا بعد أن طلب 1100 إيران اللجوء فيها. وواصل آخرون رحلتهم.

وقال إيراني يعيش في طهران لرويترز إن كثيرين من الشباب والأسر يريدون الانتقال سعيا لحياة أفضلـ وفشلت أولى محاولاته في يونيو حزيران للوصول إلى أوروبا عن طريق روسيا بعد أن قضى شهرا في ارتحال دائمـ وقال ”مهربو البشر طلبوا منا المزيد من المال. ولم يكن لدينا أي مال ولذا أخذوا هواتفنا المحمولة وتركونا في منتصف الطريق. وكافحنا للعودة إلى إيران“، وهو يدخر المال الآن من أجل الرحلة القادمة إلى أوروبا عن طريق تركيا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0