بعد وصول المد الداعشي الى شمال افريقيا على نحو مضطرد في الآونة الاخيرة، وذلك على خلفية الاعتداء على متحف باردو في تونس، الذي تبنى تنظيم داعش الارهابي مسؤوليته، معلنا بذلك تواجده في هذه البلاد، حيث يرى المحللون المتخصصون بشؤون الارهاب ان هذا الهجوم يمثل نقلة نوعية في طريقة تنفيذ عمليات التنظيم المتطرف الذي يضم آلاف التونسيين.

إذ يرى هؤلاء المحللون ان هناك مؤشرات حقيقية على إن تونس باتت تشكل بيئة خصبة لإرهابين أكثر أجراما واحترافا لاسيما مع مساعي تنظيم داعش الارهابي ومحاولاته لإيجاد موطئ قدم له في بلدان على غرار ليبيا ومصر.

ويرى بعض المراقبين السياسيين ان المناخ الامني المضطرب الذي يحيط بتونس سهل تمدد الارهاب الى داخل ارضيها، حيث يختبئ ناشطون تابعون لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب او تنظيم الدولة الاسلامية منذ ثورة 2011 في مرتفعات جبلية وعرة قريبة من الحدود مع الجزائر، ولم يتمكن الجيش التونسي من طردهم منها رغم عدة حملات، كما يلقي تدهور الوضع في ليبيا المجاورة حيث تسيطر ميليشيات متنازعة على السلطة بعضها متحالف علنا مع تنظيم داعش الارهابي، بثقله على تونس خصوصا وانه من شبه المستحيل ضبط الحدود الطويلة بين البلدين، فضلا عن انه من غير الوارد اغلاق الحدود في المناطق التي يشكل فيها التهريب مصدر الدخل الوحيد لتفادي حصول احتجاجات محلية.

فقد أسهمت هذه العوامل في جعل تونس وجوارها أرضا خصبة محتملة لتسلل المتطرفين الارهابيين، الى جانب هذه العوامل جاء من تونس التي غادرها بين الفين وثلاثة الاف شاب في السنوات الاربع الماضية للانضمام الى صفوف "داعش" الجزء الاكبر من المقاتلين الاجانب في التنظيم، وتقدر السلطات التونسية عدد الذين عادوا منهم 500 وتحاول فرض رقابة مشددة عليهم وتؤكد انها حالت دون رحيل تسعة الاف اخرين، وعليه باتت تشكل قضية مكافحة الإرهاب أهمية كبرى تونس، وذلك اثر تهديدات الذئاب المنفردة العائدين من قلب النزاعات في سوريا والعراق، فضلا عن التطرف المحلي، فقد اسفر الهجوم الذي تبناه تنظيم الدولة الاسلامية وغير المسبوق منذ ثورة كانون الثاني/يناير 2011 التي اطاحت الرئيس زين العابدين بن علي من الحكم، عن مقتل عشرين سائحا اجنبيا من عدة جنسيات، وشرطي تونسي، وهذه أول عملية في تونس يتبناها تنظيم الدولة الاسلامية الذي يسيطر على مناطق في سوريا والعراق وليبيا وشبه جزيرة سيناء المصرية، ويقاتل مع هذا التنظيم مئات التونسيين، على الرغم من ان تونس تكافح منذ 2011 مجموعة اسلامية مسلحة تطلق على اسمها "كتيبة عقبة بن نافع" مرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي ومتحصنة في جبل الشعانبي (اعلى قمة في تونس) على الحدود مع الجزائر، وكانت هجمات هذه المجموعة مقتصرة فقط على قوات الامن والجيش.

وعليه يبدو أن تونس باتت احد اهداف الجهاديين بامتياز اذ لا تزال تواجه جهاديين في الداخل وتعجز عن ضبط حدودها مع ليبيا الغارقة في الفوضى كما ان آلافا من الشباب ذهبوا للقتال في سوريا وعاد بعضهم، وتعزز هذه المعلومات الجديدة مخاوف عدد كبير من المراقبين الذي يرون ان الفوضى المنتشرة في ليبيا والتي تتقاسم حدودا طويلة وغير مؤمنة مع تونس تشكل تهديدا متزايدا لأمن هذا البلد والمغرب العربي بشكل عام.

لذا أصبحت الجماعات الارهابية في تونس اليوم عقبة جديدة امام الديمقراطية الوليدة في بلاد الياسمين، فاخذ المد السلفي بالاتساع والتنامي في الفترة الأخيرة بشكل مضطرد، وهو ما يزعج النخبة العلمانية التي تخشى من قيامهم بفرض رؤيتهم مما يؤدي في النهاية الى تقويض الحرية والديمقراطية في البلاد.

تونس أرض جديدة لنشاط داعش

في سياق متصل كان اسم تنظيم "داعش" على كل الألسنة بعد الاعتداء الذي استهدف 18 مارس/آذار متحف باردو في العاصمة تونس والذي أودى بحياة 21 شخصا. وغداة الهجوم تبنى التنظيم المتطرف فعليا العملية في تسجيل صوتي بث على الإنترنت في الوقت الذي تجمع فيه مئات التونسيين أمام المتحف تكريما للضحايا.

هذه العملية كانت الأولى التي ينفذها تنظيم "داعش" في تونس. بالنسبة لوسيم نصر، الصحافي في فرانس24 والمختص في الحركات الجهادية، فإن هذا التبني "مفاجئ" شيئا ما. يقول "في البداية كانت المؤشرات توحي بتورط كتيبة عقبة بن نافع التابعة لتنظيم "القاعدة في المغرب الإسلامي"، بالتحديد لأنها المجموعة الجهادية الوحيدة التي تنشط في تونس ضد كل الحكومات بما فيها حكومة النهضة"، وقتلت هذه الكتيبة العشرات من عناصر الشرطة والجنود على الحدود مع الجزائر.

ويتابع وسيم نصر "لكن تنظيم الدولة الإسلامية هو الذي تبنى (الاعتداء). والمدهش في الأمر أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يكن قد أعلن حضوره في تونس قبل هذا الهجوم. وفي هذه الحالة ينفذ التنظيم عملية ويعلن في نفس الوقت حضوره في البلاد، إنها سابقة".

وقدم تنظيم "الدولة الإسلامية" الهجوم الأكثر دموية الذي يشنه على غربيين على أنه نفذ من قبل "فارسان انغماسيان من فرسان دولة الخلافة، وهما (أبو زكريا التونسي) و (أبو أنس التونسي) مدججين بأسلحتهما الرشاشة والقنابل اليدوية" وتابع أنهما تمكنا من محاصرة مجموعة من "رعايا الدول الصليبية".

من جهتها، أعلنت السلطات التعرف على هوية المهاجمين التونسيين، ياسين العبيدي وحاتم خشناوي والأول معروف لدى أجهزة الأمن، قاتل 500 تونسي على الأقل ضمن مجموعات جهادية في العراق وسوريا وليبيا قبل أن يعودوا إلى بلادهم، وتعتبرهم الشرطة بمثابة خطر رئيسي على الأمن.

ويذكر وسيم نصر بهذا الشأن أن "التونسيين يمثلون، 3000 مقاتل، أكبر عدد بين ارهابي تنظيم داعش، ويتابع "نعرف أن بعض الجهاديين التونسيين يشغلون مناصب هامة سواء في تنظيم الدولة الإسلامية أو في تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي، وأنهم حاضرون بقوة في ليبيا المجاورة".

ويضيف وسيم نصر أن التهديد كان يحدق بتونس منذ أشهر إذ دعا التنظيم المتطرف عبر العديد من الفيديوهات إلى الجهاد في تونس. ويتخذ تنظيم "الدولة الإسلامية" بهذه العملية تجاه تونس منحى جديدا فهي تتحول من "أرض دعم" إلى "أرض جهاد"، والفارق كبير. وسبب هذا التحول حسب وسيم نصر أن "تنظيم الدولة الإسلامية ضد الديمقراطية بصفة عامة. ثم إنهم يعتبرون أيضا أن الثورة لم تكمل مشوارها بما أنهم كان يريدون لها أن تبني نظام شريعة إسلامية". لذلك فهم يعادون اليوم كل من لا يخدم هدفهم.

وهدد تنظيم "الدولة الإسلامية" في رسالته تونس باعتداءات أخرى. ويرجح وسيم نصر أنها "ستأتي على الأرجح من الداخل" فيقول "إذا التحق 3000 تونسي بتنظيم الدولة الإسلامية، فلا شك أنه يوجد آخرون داخل البلاد لن يترددوا في تنفيذ عمليات".

هدف الارهابيين بامتياز

فيما اعلن وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش ان "العامل المشجع على الارهاب هو انعدام الاستقرار وغياب دولة القانون في ليبيا (...) وكلنا معرضون للتهديد طالما الوضع كما هو عليه الان"، وكان رئيس المرصد التونسي لقطاع الامن اشار في مطلع اذار/مارس الى ان "القرب الجغرافي يزيد طبعا من المخاطر"، معتبرا ان دول المنطقة "حددت استراتيجية مشتركة للقضاء على تنظيم الدولة الاسلامية على الحدود الليبية". بحسب فرانس برس.

وقال المحلل التونسي صلاح الدين جورشي لوكالة فرانس برس ان "هذه المجموعات السلفية الجهادية قامت بخيار استراتيجي بارسال شبان الى سوريا لتحضيرهم وتدريب قياديين يكونون مستعدين لاي معارك محتملة في تونس"، وغالبا ما تشن المجموعات الاسلامية المسلحة عمليات ضد قوات الامن.

وفي شباط/فبراير قام قرابة 20 اسلاميا بنصب كمين لدورية للدرك قرب الحدود مع الجزائر مما ادى الى مقتل اربعة دركيين، وفي تشرين الاول/اكتوبر، تحصنت خمس نساء ورجلان اعضاء في ما قيل انه خلية جهادية داخل منزل على مشارف العاصمة تونس لتفادي القبض عليهم، وقتلت النساء الخمس ورجل في الهجوم. واشارت السلطات التونسية الى ان الرجل الاخر الذي اصيب بجروح وتم توقيفه عضو في انصار الشريعة المصنفة على قائمة المنظمات الارهابية في تونس والولايات المتحدة.

وفي كانون الاول/ديسمبر، اعلن بوبكر الحكيم الفرنسي المتحدر من اصل تونسي والذي ادين في فرنسا، مسؤوليته في تسجيل تم في سوريا بعد انضمامه الى تنظيم الدولة الاسلامية عن مقتل اثنين من المعارضين للاسلاميين معروفين في تونس هما شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وهدد الحكيم في التسجيل الذي بث على الانترنت "باذن الله سوف نعود ونغتال الكثير منكم. والله لن تعيشوا مطمئنين ما دامت تونس لا يحكمها الاسلام"، واعتبر الطيب بكوش ان تونس "قد تكون" ابدت ثقة مفرطة بعد نجاح الانتخابات، وقال وزير الخارجية "لقد خفضنا مستوى الحذر وهاهم (منفذو الهجوم على المتحف) يذكرونا بان علينا التيقظ دائما لان الارهاب يمكن ان يطال اي كان في اي وقت".

اعتقال حوالي 400 متشدد

من جانبه قال رئيس الوزراء التونسي الحبيب الصيد إن سلطات بلاده اعتقلت حوالي 400 متشدد إسلامي منذ توليه منصبه قبل شهر في إطار حملة تشنها الحكومة لملاحقة جماعات متشددة تسعى لضرب الانتقال الديمقراطي، ومع استكمال الانتقال الديمقراطي بنجاح تسعى تونس‭‭‭ ‬‬‬

الان الى مواجهة الجماعات الاسلامية المتشددة مع انتشار الفوضى في جارتها الشرقية ليبيا. وقال رئيس الوزراء الذي يقود حكومة اتئلاف تضم علمانيين وإسلاميين في كلمة وجهها للامة عبر التلفزيون العمومي "رسمنا خطة أمنية جديدة ترتكز على مزيد التنسيق بين الأمن والجيش ودعمهما بالمعدات اللازمة وتدعيم الحضور الامني على الحدود مع ليبيا." وأضاف "هذه الخطة أفضت إلى اعتقال 387 إرهابيا والقضاء على بعض العناصر الاخرى إضافة إلى كشف مخازن أسلحة حربية".

ولكنه شدد على أن الوضع الامني ما زال هشا ويتعين مواصلة العمل للقضاء على الإرهاب، وتكافح تونس جماعات إسلامية متشددة لجأت إلى جبال الشعانبي في القصرين قرب الحدود مع الجزائر. وقتل مسلحون في السنوات القليلة الماضية العشرات من أفراد الشرطة والجيش. ‬

وكشف الصيد ان الاقتصاد يعاني ايضا بسبب تراجع الاستثمار الاجنبي بنسبة 21 بالمئة في 2014 مقارنة بالعام السابق بينما تفاقم العجز في الميزانية وعجز المؤسسات العمومية والصناديق الاجتماعية، ولكن الصيد تعهد بالمضي قدما في اصلاحات اقتصادية تشمل مراجعة الدعم والصناديق الاجتماعية، واضاف ان حكومته بدأت العمل على مخطط للتنمية للسنوات الخمس المقبلة. وقال إنه يتطلع لتحقيق نمو بسبعة بالمئة مع عام 2020، ولم تتجاوز معدلات النمو في تونس 2.5 بالمئة منذ اندلاع الثورة قبل أربع سنوات.

الخشناوي من تلميذ إلى قاتل

جابر الخشناوي هو أحد منفذي الاعتداء الإرهابي على متحف باردو في تونس العاصمة، وكان هذا الشاب (21 عاما) تلميذا انطوائيا في المدرسة الثانوية بولاية القصرين قبل أن يسافر فجأة إلى ليبيا حيث تلقى تدريبات على حمل السلاح.

ولد جابر، بحسب أحد أقاربه، سنة 1994 في قرية إبراهيم الزهار التابعة لمعتمدية سبيبة من ولاية القصرين (وسط غرب)، الحدودية مع الجزائر. ونشأ في عائلة "متدينة ومتواضعة لكنها غير فقيرة" وفق المصدر نفسه، والذي قال إن جابر كان انطوائيا منذ طفولته.

تعيش عائلة جابر من قطعة أرض زراعية يملكها الأب، وتقطن منزلا بغرف عديدة مزوّدا بالكهرباء ومياه الشرب وفق مراسل لفرانس برس. وقال قريبه إن كل سكان قرية إبراهيم الزهار، متدينون وقليل منهم "متشدد" لكنهم ليسوا "سلفيين جهاديين"، وتابع جابر دراسته في المعهد الثانوي لمعتمدية سبيبة، وكان من المفترض أن يجتاز امتحان البكالوريا هذا العام. ويعمل ثلاثة من أعمامه في هذا المعهد: أحدهم مدرس فلسفة والآخر مدرس تربية بدنية (رياضة) والأخير ناظر، وكان الشاب يؤم تلاميذ المعهد في الصلاة. ولم تعرف عنه علامات تطرف ولا ألقى خطبا متشددة خلال الفترة التي قضاها إماما في المعهد.

واختفى الشاب فجأة منذ شهر كانون الأول/ديسمبر 2014 بعدما تابع الدراسة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الدراسية، وفق قريبه. وقد علمت عائلته في وقت لاحق أنه غادر إلى ليبيا. وفي وقت سابق، أبلغ والد جابر الشرطة أن ابنه اتصل به من رقم هاتف عراقي، مرجحا أن يكون موجودا في العراق.

وقد أكدت وزارة الداخلية إثر الهجوم على متحف باردو، أن جابر انتقل فعلا مع شريكه في الهجوم على المتحف، إلى ليبيا حيث تلقيا تدريبات على حمل السلاح. وبحسب الوزارة، يقاتل آلاف من الشبان التونسيين مع تنظيمات إسلامية متطرفة في سوريا والعراق وليبيا، وقال قريب جابر إن الشاب كان قريبا بشكل خاص من شقيقته لبنى التي وصفها بأنها "كاتمة أسراره". وأضاف أن الأخيرة أجرت عملية جراحية على عينها بمبلغ 5000 دينار (نحو 2500 يورو) دفعها جابر كاملة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0