تظهر التطورات السياسية والامنية المتلاحقة في قلب الشرق الاوسط، مؤشرات حقيقية لمعركة تسقيط محتدمة بين السعودية وايران، الغاية منها تعزيز النفوذ من أجل الصعود على عرش المنطقة الشرق الأوسطية.

إذ وضع صراع المصالح والنفوذ المكرس بالخلافات والعداوات بين القوى السياسية الإقليمية والدولية، منطقة الشرق الأوسط في حالة من عدم الاستقرار السياسي الذي يلقي بظلاله على المجالات كافة وخاصة المجال الامني، حيث تعد منطقة الشرق الاوسط الاسخن امنيا حول العالم، ويرى المحللون ان حالة عدم الاستقرار السياسي والانتكاس الامني الذي تشهده بلدان الشرق الاوسط هو نتيجة الصراع السعودي الايراني المتفاقم وذلك بدعم أطراف متنافسة في حروب وصراعات سياسية في المنطقة كثير منها يرجع لأسباب طائفية، فضلا عن التدخل في الشؤون الداخلية بصورة مباشرة وغير مباشرة في الكثير من الدول ابرزها سوريا والعراق ولبنان واليمن.

أما الصراع على المستوى الدولي فهو ما أظهرته المستجدات والتطورات الأخيرة المتمثلة بالتقارب الأمريكي الإيراني غير المسبوق، وقد تسبب بموجة فتور حادة شابت العلاقات الأمريكية السعودية، وهو امر ربما يجعل الولايات المتحدة الأمريكية لخسارة أهم حلفائها في قلب الشرق الأوسط، كما تتزايد احتمالات إبرام اتفاق بين القوى العالمية وايران بشأن برنامج طهران النووي وهو ما قد يخفف الضغوط على الجمهورية الإسلامية. وراقبت السعودية الموقف بقلق بينما سعت الولايات المتحدة للتوصل الى اتفاق مع طهران.

فكما يبدو أن الخيارات القابلة للتنفيذ المتاحة للسعودية من أجل انتهاج سياسة خارجية اكثر استقلالية وصرامة محدودة على الرغم من عدم ارتياحها الشديد إزاء تقارب الغرب مع ايران، وبعد ان غضبت الرياض من الولايات المتحدة لمح مسؤولون سعوديون كبار الى عدد من الاحتمالات بدءا بإقامة علاقات استراتيجية مع قوى عالمية أخرى وانتهاء بتبني موقف اكثر حزما تجاه حلفاء ايران في العالم العربي بل ذهبوا الى حد التلويح بالسعي لامتلاك قنبلة نووية اذا فشلت القوى العالمية في إحباط طموحات طهران النووية.

لكن يصعب على دولة احتفظت بتحالف قوي مع الولايات المتحدة لعشرات السنين التفكير في قوى بديلة، اذ يرى بعض المحللين انه على الرغم من التحالف القديم بين البلدين والذي كان حجر زاوية في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط فقد عبرت الرياض عن نفاد صبرها من عدم إقدام إدارة أوباما على بذل المزيد للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد وقلقها من السعي الأمريكي لإبرام اتفاق نووي مع إيران.

وزاد هذا من شعور بين الحكام السعوديين بأن أوباما يخذل حلفاءه العرب القدامى وكان أبرز واقعة تخلي الولايات المتحدة عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي أطاحت به انتفاضة شعبية عام 2011، لكن تحسنت العلاقات الأمريكية السعودية حين زار أوباما الرياض في مارس آذار الماضي لرأب الصدع، فكما يبدو ان امريكا لا تريد التفريط بحليف وثيق على الاقل في المرحلة الراهنة، وسعت الولايات المتحدة الى طمأنة السعودية بشأن الاتفاق النووية مع ايران.

ولا تزال أيضا ثقة المملكة في واشنطن تتعافى منذ التحرك المفاجئ للتوصل الى اتفاق نووي في أواخر عام 2013 عندما صدم المسؤولون السعوديون بالكشف عن أشهر من المحادثات السرية بين الولايات المتحدة وإيران.

في حين يرى محللون اخرون إن هم الرياض الأكبر هو إيران الشيعية فقد زادت مخاوفها من صعود نفوذ عدوتها الرئيسية بالمنطقة في الآونة الأخير في ظل سيطرة الحوثيين المتحالفين مع طهران على أجزاء كبيرة من اليمن وتقديم قادة ايرانيين المساعدة لفصائل شيعية تقاتل في العراق.

لذا سارعت السعودية باتخاذ اجراءات للحد من النفوذ الايراني في المنطقة فقد دعت الرياض الدول السنية بمنطقة الشرق الأوسط إلى تنحية الخلافات بشأن الإسلام السياسي جانبا والتركيز على ما تعتبرها تهديدات أكثر إلحاحا من إيران وتنظيم داعش.

ويقول محللون إن القلق السعودي بشأن الاتفاق النووي أطلق جهودا دبلوماسية في الأيام الأخيرة لتعزيز الوحدة بين الدول السنية في الشرق الأوسط في مواجهة التهديدات المشتركة بما في ذلك التهديد الإيراني.

إذ ترى المملكة السعودية ان تدخل إيران في الدول العربية لاسيما دعمها للرئيس السوري بشار الأسد والميليشيات الشيعية العراقية وعلاقاتها مع جماعة الحوثي التي بسطت سيطرتها على شمال اليمن مشكلة أكثر إلحاحا.

وعليه تظهر المعطيات انفة الذكر ان المخاوف السعودية من الطموحات الايرانية وتصاعد التوترات بينهما، من شأنها ان تعلن عن معركة محورية أكثر شراسة من ذي قبل من أجل الهيمنة الإقليمية على منطقة الشرق الأوسط.

تكوين كتلة سنية لمواجهة إيران وداعش

فقد استغل العاهل السعودي الجديد الملك سلمان لقاءات قمة مع زعماء الدول الخمس أعضاء مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر وتركيا على مدار الأيام العشرة الماضية لتأكيد الحاجة الى الوحدة والبحث عن سبيل لحل الخلافات بشأن جماعة الاخوان المسلمين.

وقال دبلوماسي عربي في الخليج "ربما تعتقد السعودية أنه اذا كانت العلاقات بين السنة جيدة فإنه سيكون بمقدورنا مواجهة هذا. سلمان يحاول توحيد العالم السني وتنحية الخلافات بشأن الاخوان المسلمين جانبا". بحسب رويترز.

وأكد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للمسؤولين السعوديين يوم الخميس أنه لا يسعى الى "صفقة كبيرة" مع ايران لكن مخاوف الرياض إزاء التزام واشنطن تجاه المنطقة على الأمد الطويل هي الأساس وراء رغبتها في مزيد من الوحدة العربية.

ويمثل تنظيم داعش الارهابي مصدر القلق الثاني للرياض. ودعا التنظيم المتطرف السعوديين لتنفيذ هجمات داخل المملكة وهاجم بعض من المتعاطفين معه قرية يغلب على سكانها الشيعة في نوفمبر تشرين الثاني فقتلوا ثمانية.

وتخشى الرياض من أن ينجح التنظيم من خلال رسائله الإعلامية القوية ونهجه المتشدد في استقطاب شبان سعوديين ساخطين، لكن في مسعى المملكة نحو وحدة أوسع في العالم العربي إزاء قضية الإسلام السياسي يتعين عليها أن ترأب صدعا عميقا بالمنطقة.

وهي تبذل جهودا فتتنقل بين الدول السنية التي تقبل بوجود جماعة الاخوان مثل قطر وتركيا وتلك التي تصنفها جماعة إرهابية على غرار الرياض مثل مصر والإمارات.

وحالت هذه الخلافات دون تشكيل استجابة معقولة لمواجهة الأزمات الإقليمية فقد خرجت محاولات للتعامل مع المشكلة تلو الأخرى عن مسارها لتتحول الى مشاحنات بشأن الإسلام السياسي.

وصورت الاجتماعات المكثفة التي أجراها الملك سلمان على أنها فرصة للعاهل الجديد لمناقشة الأحداث مع زعماء المنطقة بمزيد من التفصيل عما كان متاحا حين ذهبوا الى الرياض لتقديم العزاء بعد وفاة الملك عبد الله.

لكن في حين أن الملك سلمان لم يسع بصورة مباشرة الى تكوين كتلة سنية جديدة او الضغط على الدول التي تتبنى مواقف مختلفة من جماعة الاخوان لتكون أكثر مرونة فإنه ترك احتمال تحسين العلاقات من أجل مزيد من الوحدة مفتوحا.

وقال الدبلوماسي العربي إن العاهل السعودي في اجتماعه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على سبيل المثال لمح الى أن الرياض قد تنعش علاقاتها مع دول أخرى في إشارة على ما يبدو الى تعزيز العلاقات مع تركيا.

لكنه أكد للسيسي الذي كان حليفا وثيقا للملك الراحل عبد الله أن اي محاولات لتقويض أمن مصر من أي مكان خط أحمر بالنسبة للسعودية وأن أي خطوات جديدة تتخذها الرياض لن تكون على حساب القاهرة.

وغادر كل الزعماء الذين اجتمع بهم الرياض وهم واثقون على ما يبدو في أن علاقاتهم بالملك الجديد ستكون قوية، ونقلت صحيفة حريت عن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قوله للصحفيين بعد اجتماعه بالعاهل السعودي إن العلاقات مع المملكة تتحسن على ما يبدو، وأضاف "زادت آمالي في أن تتحسن علاقاتنا الثنائية كثيرا"، لكن هذا لم يحركه باتجاه المصالحة مع مصر اذ قال إن القمع السياسي قد يسبب انفجارا وهي اللهجة التي تغضب القاهرة.

طمأنة أمريكية

في سيا متصل طمأن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري دول الخليج العربية بأن واشنطن لا تسعى "لمقايضة كبيرة" مع ايران وقال إن الاتفاق النووي مع طهران سيخدم مصالحهم.

لكن بعد اجتماعات مع العاهل السعودي الملك سلمان ووزير الخارجية الأمير سعود الفيصل أوضح كيري أن واشنطن لن تتجاهل تحركات إيران، وقال كيري "حتى ونحن نخوض هذه المناقشات مع إيران بشأن برنامجها النووي فلن نغفل عن تحركات أخرى لإيران تزعزع الاستقرار في مناطق مثل سوريا ولبنان والعراق وشبه الجزيرة العربية وخاصة اليمن، وتابع قوله "دعوني أؤكد.. نحن لا نسعى لمقايضة كبيرة. لا شيء سيتغير في اليوم التالي للاتفاق -إن توصلنا إليه- فيما يتعلق بكل القضايا الأخرى التي تمثل تحديا لنا في هذه المنطقة"، كما اجتمع كيري أيضا مع وزراء خارجية الكويت وقطر والبحرين والإمارات وعمان. بحسب رويترز.

ووصل كيري الرياض من مدينة مونترو السويسرية حيث قال إنه حقق تقدما في المحادثات مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، وقال وزير الخارجية السعودي الذي كان يتحدث الى جانب كيري في مؤتمر صحفي في الرياض إن المملكة تشعر بالقلق من مشاركة إيران في الهجوم الذي تنفذه القوات العراقية بجانب جماعات شيعية مسلحة لاستعادة مدينة تكريت من تنظيم الدولة الإسلامية المتشدد، وقال "تكريت مثال ساطع على ما يقلقنا، إيران في طريقها لوضع يدها على البلاد"، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونجرس الأمريكي إن إبرام اتفاق مع إيران سيكون بمثابة "عد تنازلي إلى كابوس نووي محتمل".

رغبة ايرانية في نسج علاقات أفضل مع السعودية

الى ذلك اعلن مسؤول في مجلس الشورى الايراني ان بلاده حريصة على "نسج افضل العلاقات الاخوية" مع دول الجوار خصوصا السعودية، مشيرا الى ان تعزيز العلاقات بين دول المنطقة يؤدي الى ترسيخ الامن.

وقال رئيس لجنة الامن القومي والسياسات الخارجية في ايران علاء الدين بروجوردي لصحافيين بعد لقائه رئيس مجلس الوزراء تمام سلام في بيروت ان البحث تناول "آخر التطورات في المملكة العربية السعودية"، في اشارة الى وفاة الملك عبدالله ومبايعة الملك سلمان بن عبد العزيز، واضاف ان "السياسة الثابتة والمبدئية" لايران تقوم "على نسج أفضل العلاقات الأخوية مع دول المنطقة عموما ودول الجوار خصوصا، بما فيها المملكة العربية السعودية". بحسب فرانس برس.

واشار الى ان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف شارك ممثلا رسميا لبلاده في مراسم تشييع العاهل السعودي الراحل. وقال "نحن نعتبر أنه كلما توطدت العلاقات الأخوية وتعززت بين دول هذه المنطقة، إستطعنا أن نساعد في ترسيخ الأمن والإستقرار وتعزيزهما في ربوعها".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4