يمكن لممارسة التأمل أن يساعد على الشعور بالهدوء والسلام الداخلي، فهو رياضة ذهنية بسيطة وغير مكلفة، سواء أثناء المشي خارج المنزل أو ركوب الحافلة أو انتظار موعدك في عيادة الطبيب أو حتى وسط اجتماع عمل جاد.

ويمكن للتأمل تهيئة حالة عميقة من الاسترخاء والشعور بالطمأنينة، حيث يصفِّي المتأمل ذهنه ويوقف تدفق الأفكار المشوشة التي قد تشغل عقله وتجعله يشعر بالتوتر، وقد تؤدي هذه العملية إلى تحسين الصحة الجسدية والعاطفية. من خلال إعادة تركيز الانتباه على شيء آخر يبعث على هدوء البال والتحلي بمزيد من الهدوء طوال اليوم، حيث يتخلص من المعلومات الزائدة التي تتراكم في الذهن مسببة التوتر.

في حين أن مجموعة متزايدة من الأبحاث العلمية تدعم الفوائد الصحية للتأمل، إلا أن بعض الباحثين يعتقدون بأنه من غير الممكن التوصل إلى استنتاجات حول الفوائد المحتملة للتأمل.

وتركيز الانتباه هو غالبًا أحد أكثر عناصر التأمل أهمية، حيث يساعد على تحرير العقل من المشتتات العديدة التي تسبب التوتر والقلق.

هل تساهم ممارسة التأمل في الحد من القلق؟

وأظهرت دراسة جديدة أنّ جلسات التأمل الواعي قد تكون فعالة في تقليل القلق مثل الأدوية العلاجية الشائعة.

وشمل البحث، الذي نُشر في دورية جاما للطب النفسي، بتاريخ 9 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، مجموعًة من 276 بالغًا يعانون من اضطرابات القلق غير المعالجة.

وجاء اختيار نصف عدد المرضى في البحث بشكلٍ عشوائي، لتلقي مقدار 10 إلى 20 ميليغرامًا من دواء "إسيتالوبرام"، وهو الشكل العام لدواء "ليكسابرو" الذي يُستخدم لعلاج القلق والاكتئاب.

وكُلّف النصف الآخر من المرضى بالانضمام إلى جلسات تأمل، على مدار ثمانية أسابيع، لتقليل التوتر.

وكانت النتائج مذهلة، حيث انخفضت أعراض القلق بنسبة 20% لدى المجموعتين خلال فترة الثمانية أسابيع.

وقالت إليزابيث هوج، الكاتبة الرئيسية للدراسة ومديرة برنامج أبحاث اضطرابات القلق لدى المركز الطبي بجامعة جورج تاون، لشبكة CNN، إنها تأمل أن يفتح البحث المزيد من خيارات العلاج لمرضى القلق.

ويمكن وصف جلسات التأمل بدلاً من الأدوية للمرضى الذين يعانون من آثار جانبية شديدة أو لديهم حساسية من الأدوية المضادة للقلق، على سبيل المثال، حسبما ذكرته هوج.

ويمكن أن يكون بدء جلسات التأمل أيضًا بمثابة خطوة أولى للأشخاص الذين يعانون من القلق غير المعالج ويخشون من استهلاك الأدوية.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون البحث حافزًا للمرضى للتوقف عن تلقي أدويتهم دون استشارة الطبيب.

وأوضحت هوغ: "إذا كان الشخص يتلقى دواءً بالفعل، فيمكنه في الوقت ذاته تجربة جلسات التأمل، وإذا أراد التوقف عن الدواء، فعليه مراجعة طبيبه".

وقد تكون هناك عوامل غير محددة تجعل بعض المرضى يستجيبون بشكل أفضل للتأمل.

وبعد انتهاء جمع البيانات، مُنح المشاركين خيار تجربة العلاج الذي لم يتم تخصيصه لهم خلال البحث.

ووجد بعض المرضى ضمن المجموعة التي خاضت تجربة التأمل أن الدواء كان في الواقع أكثر فاعلية بالنسبة لهم، والعكس صحيح، وفقًا لما ذكرته هوج.

وأشارت هوج إلى أنّ المزيد من البحث يمكن أن يستكّشف: "ما هي متغيرات الإستجابة في العلاجات المختلفة"، ودراسة أي من المرضى يستفيدون أكثر من التأمل مقابل الأدوية.

وهكذا يمكن للأطباء أن يحددوا أنظمة علاج مختلفة بناءً على ملفات المرضى الخاصة بهم.

وطُلب من المرضى المعينين في المجموعة التي جرّبت جلسات التأمل الحضور شخصيًا مرة واحدة في الأسبوع.

واستغرقت كل جلسة حوالي ساعتين ونصف الساعة، كما طُلب منهم ممارسة التأمل بمفردهم لمدة 40 دقيقة تقريبًا في اليوم.

وأوضحت هوج أنه يجب ألا يتوقع المرضى أن ممارسة التأمل أو تلقي الدواء سيقضي كليًا على حالة القلق لديهم.

وأضافت: "من الطبيعي أن نقلق، ولكن في وسعنا تهدئة حالة القلق قليلاً".

والجدير بالذكر أن ممارسة التأمل لا تساعد المرضى على مواجهة القلق وحسب، إذ وجدت دراسة نُشرت في المجلة الأمريكية للتمريض في عام 2011 أن ممارسة برنامج اليقظة الذهنية لمدة ثمانية أسابيع لديها الفعالية ذاتها لمضادات الاكتئاب في منع انتكاس الاكتئاب.

ولفتت هوج إلى أن برامج التأمل المختلفة قد تكون مناسبة للمساعدة في علاج الاكتئاب، واضطراب فرط الحركة، ونقص الانتباه، من بين حالات أخرى.

كيف يغير التأمل وظائف الدماغ؟

قد تكون اليقظة الذهنية أداة للشعور بالقدرة على التحمل خلال فترات عدم اليقين. وقالت مونيكا فيرماني، اختصاصية نفسية سريرية مقرها في تورنتو الكندية، إنّ "اليقظة الذهنية هي مجموعة من الممارسات التي تهدف إلى مساعدة معظمنا على تنمية الوعي في اللحظة الراهنة".

وأوضحت أن اليقظة الذهنية لا تجعلك على دراية بجسدك فحسب، بل على دراية بمحيطك وعالمك أيضًا.

وأضافت: "إنها تجبرك على الاهتمام بالحياة بدلاً من الانغماس في أفكار مقلقة ومخاوف حول المستقبل".

وليس للتأمل، أي ممارسة اليقظة الذهنية، تعريف عالمي واحد.

ولكن مع تزايد الاهتمام باليقظة الذهنية والتأمل، يمكن تعريفها على أنها "ممارسة للعقل والجسم تركز على العلاقة التفاعلية بين الدماغ والعقل والجسد والسلوك، وتستوجب أربعة عناصر رئيسية هي: مكان هادئ مع قليل من التشويش، ووضعية مريحة، ومحور اهتمام، وموقف منفتح"، وذلك وفق ما توصلت إلى دراسة وضعت عام 2021.

لا يزال العلماء يبحثون عن الأثر الإيجابي لممارسة التأمل على جوانب أخرى من الصحة، مثل مساعدة أجهزة المناعة لدينا على العمل على النحو الأمثل، وتحسين النوم، وخفض الكوليسترول، وتخفيف الألم.

أشارت فيرماني إلى أن ممارسة التأمل تساعد على تحسين الذاكرة والتركيز، وتزيد من المرونة، وتساعدك على إدارة التوتر بشكل أفضل، كما تنعكس إيجابيًا على العلاقات".

وأوضحت أن التمتّع باليقظة وبميل للاستجابة مقابل رد الفعل في العلاقات، يعني أنك ستتوقف وتفكر قبل التفوّه بأي شيء مؤذٍ أو سلبي للطرف المقابل.

أثره على التوتر وطول العمر

وجدت جمعية علم النفس الأمريكية أن ممارسة اليقظة الذهنية تؤثر على مسارين للتوتر في الدماغ، من خلال تغير بنية الدماغ ونشاطه في المناطق التي تنظم الانتباه والعاطفة.

وكان الأشخاص، الذين يمارسون الحد من التوتر والعلاج المعرفي القائمين على اليقظة الذهنية، أقل عرضة لأفكار سلبية أو ردود فعل عاطفية غير مفيدة لدى مواجهتهم مواقف عصيبة، وفقًا لدورية بحثية نشرت عام 2015.

وبالإضافة إلى أي تغييرات هيكلية في الدماغ، يمكن أن تكون هذه الفوائد ناجمة عن العمليات الفيزيائية أيضًا.

فالتأمل قد يساعد بتنظيم الجهاز العصبي اللاإرادي، وهو جزء من نظامنا العصبي المسؤول عن تنظيم الوظائف الفسيولوجية اللاإرادية مثل معدل ضربات القلب، وضغط الدم، والتنفس، والهضم.

ويمكن أن يخفّف تمرين التنفس من توتر العضلات ومعدل ضربات القلب، بحسب فايل رايت، عالم النفس والمدير الأول لابتكار الرعاية الصحية في الجمعية الأمريكية لعلم النفس، لـCNN، عام 2020.

ولفتت فيرماني إلى أن الهدوء الذي نشعر به أثناء أو بعد ممارسة التنفس العميق خلال التأمل قد يكون بسبب وصول المزيد من الأكسجين إلى الدماغ والجسم.

ورغم وجود بعض الفوائد المعروفة للتأمل على الصحة العقلية والجسدية، لا يزال الباحثون يبحثون عن أفضل الطرق للقياس الموضوعي لكيفية تأثير هذه الممارسة على الدماغ.

واستخدم بعض الباحثين بشكل متزايد طرق علم الأعصاب الإدراكي، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي، لتحديد ما يحدث في الشبكات العصبية للمشاركين أثناء التأمل أو بعده، بحسب دراسة نُشرت عام 2019 في مجلة Perspectives on Psychological Science.

من جهة أخرى، توصلت بعض الدراسات إلى أنّ فكرة التأمل قادر على مساعدة أي شخص بصرف النظر عن اختلاف ظروفه الشخصية، غير دقيق. إذ تم تسجيل تجارب خطيرة أو مؤلمة بدرجة كافية لم يساهم التأمل بحلها وكان هماك حاجة للخضوع لعلاج إضافي أو عناية طبية في أكثر من 20 تقرير حالة منشور أو دراسة قائمة على الملاحظة.

ووثقت هذه التقارير النادرة أحداث تشمل الاضطراب العقلي، والهوس، والقلق، والذعر، واستعادة الذكريات المؤلمة، وتبدد الشخصية، وهي حالة ذهنية تبدو فيها الذات غير واقعية، ويشعر الشخص بالاغتراب عن نفسه وعن العالم الخارجي، وفقًا لجمعية علم النفس الأمريكية.

وأكدت فيرماني أن الاختلافات بين الأشخاص، الذين يستفيدون من التأمل أو لا يستفيدون منه، يمكن أن تتلخص في معرفة نوع التأمل الأفضل لجسم المرء وحالته العقلية.

وأضافت فيرماني أن ممارسة التأمل في أماكن خاضعة للإشراف من قبل محترفين يمكنهم التثقيف حول الآثار المحتملة للتأمل، كان مفيدًا للأشخاص الذين يعانون من حالات عاطفية معقدة.

كيفية البدء

قال الدكتور روبرت والدينغر، أستاذ الطب النفسي في كلية الطب بجامعة هارفارد والمشرف على دراسة هارفارد لتنمية البالغين، إن التأمل "سهل الوصول إليه للغاية".

وأشار والدينغر إلى أن هناك العديد من التطبيقات المتوفرة على الهاتف ذكي التي يمكن من خلالها تعلم التأمل.

وأضاف أنه "غالبًا ما يكون مفيدًا استخدام أحد التطبيقات التي يرشدك خلالها شخص ما على كيفية ممارسة التأمل".

ويمكنك أيضًا حضور حصة تمهيدية بأحد مراكز ممارسة التأمل، أو قراءة كتاب، أو مشاهدة مقطع فيديو عبر الإنترنت أو حتى التدرب بمفردك.

مع ذلك، هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة حول التأمل، على سبيل المثال، الاعتقاد بأن الافكار السلبية لن تعود، وهذه ليست الحقيقة على الإطلاق، إذ أن العقل ينتج الأفكار. لذلك، لن تتخلص من هذه الأفكار.

وأوضح والدينغر أنه يمكن للمرشدين أن يعلموك جوانب التأمل غير البديهية، مثل كون تشتت الذهن أمرًا عاديًا.

ونظرًا لأن التأمل يتعلق بالتواجد، فيمكن القيام به في أي مكان - ولكن يفضل أن يكون بمنطقة هادئة، وهي بيئة مثالية للمبتدئين الذين ما زالوا يتعلمون التركيز على اللحظة الحاضرة.

ويمكنك البدء بممارسة التأمل لمدة خمس دقائق فقط يوميًا، ثم زيادة المدة تدريجيًا.

مهارات التأمل

من مهارات التأمل التنفس باسترخاء، ويشمل هذا الأسلوب التنفس العميق بسرعة ثابتة معتمدًا على عضلة الحجاب الحاجز لتوسعة رئتيك، والغرض من هذا الأسلوب إبطاء التنفس واستنشاق مزيد من الأكسجين وتقليل استخدام عضلات الكتفين والرقبة والجزء العلوي من الصدر أثناء التنفس، وبذلك تتنفس بكفاءة أفضل.

وأيضا الجلوس في مكان هادئ وبقعة هادئة بعيدًا عن العناصر المشتتة مثل أجهزة التلفزيون أو الراديو أو الهواتف المحمولة.

وكلما زادت مهارات التأمل يصبح قادرًا على القيام بذلك في أي مكان، بحيث يمكن الاستفادة من التأمل إلى أقصى درجة وخاصة في المواقف التي تسبب مزيدًا من التوتر مثل ازدحام المرور أو اجتماعات العمل المرهقة أو طوابير الانتظار الطويلة في متاجر البقالة.

وأيضا الجمع بين المشي والتأمل وهو وسيلة فعالة وصحية للاسترخاء، مثل المشي في غابة هادئة أو على رصيف المدينة أو في مجمع للتسوق.

وأيضا الدعاء والصلاة هما أفضل اساليب التأمل وأكثرها ممارسة والاستماع الى المواعظ والتدبر العميق في معانيها وتموجاتها النفسية.

التأمل بتسليم الذات وتحريرها

يمكن للمتأمل ان يخرج من قلقه بالخروج من ذاته وتسليمها لله سبحانه، فعندما يستسلم ويسلّم أمره لله سبحانه وتعالى سوف يدخل في بعد جديد، مختلف عن تلك الأبعاد الحاضرة، وهو بعد الله، وهو بعد عظيم، بعض الناس الذين يُصابون بأمراض صعبة جدا، فغالبا ما يرافق المرض الصعب آلام شديدة، ويشعر المريض بالتشاؤم واليأس، لكنه عندما يسلّم أمره لله سبحانه وتعالى بعمق فان الروحانية تتسلل الى داخله، ويواجه مرضه بقوة ورباطة جأش.

كما هو حال الإنسان الذي يعيش في السجن، فهو ليس عنده سوى الله سبحانه وتعالى، وعندما يسلّم أمره لله سوف يستطيع أن يقاوم كل المصاعب التي تحصل له وهو في السجن، وهذا يعني الخروج من النفس والذات والاستسلام لله سبحانه وتعالى، وهذا علاج يصلح لكل إنسان، في الأزمات والشدائد والمصائب، وفي السراء والضراء وفي كل الأحوال.

وهذا الأمر هو أحد السبل التي تخرج الانسان من الشك والقلق والتوتر والتردد وقد توصله إلى لذة الاطمئنان واليقين، وتحرره من سجن التفكير السلبي، وتعطيه بعدا معنويا ونورا داخليا يضيء ذاته، فيستطيع أن يتدرب ويمارس ويروض نفسه على مقاومة الأفكار السلبية ونيل السلام الداخلي.

اضف تعليق