نُحب القصص. نتفاعل معها. هي تنقل المعلومات بطريقة بدائية وبديهية، حتى لو تشابه أسماء الأبطال أو الأشياء. مثل تفاحة نيوتن، وتفاحة آلان تورنغ، وتفاحة ستيف جوبز. لكلٍ منها إطار ومغزى. وعلى هذه الأرض، في الشرق، تُروى قصّة عن فتى من بغداد، اسمه علاء الدين، واجهته صعاب الحياة كونه وُلد يتيماً فقيراً يُحيطه البؤس من كلّ ناح. ثم، تغيّر ذلك كله بعدما وجد فانوساً سحرياً. أصبح الفتى ثرياً وقوياً بمساعدة جنّي الفانوس... لكن هناك قصّة تُروى عن علاء الدين آخر، هو عبارة عن ذكاء اصطناعي لا قلب له، وتعاظمت قدرته بصمت، على مدار السنوات الماضية. خُلق بهدفٍ واحدٍ فقط: مراكمة المال وإدارته بشكل لا يتصوّره عقل. تعرّفوا على خوارزميات علاء الدين التي تدير مليارات الدولارات يومياً

في ثمانينيات القرن الماضي، كان هناك شخص يبرع في جذب ملايين الدولارات إلى مصرف «فيرست بوسطن» حيث يعمل. يقوم بالأمر عبر بيع السندات المدعومة بالرهن العقاري (mortgage-backed securities) في الولايات المتحدة الأميركية. هذا الشخص اسمه لاري فينك، وكان في طريقه ليصبح الرئيس التنفيذي في المصرف. ثم، في عام 1986، حصلت كارثة: تنبؤات فينك لمؤشرات السوق كانت فاشلة. تكبّد المصرف بسببه خسائر بلغت 100 مليون دولار. ألقى فينك اللوم على برنامج الكومبيوتر، قائلاً إنه خطأ من قسم الرهانات العقارية في المصرف، وترك عمله محبطاً. لكن بعد عامين افتتح فينك شركة «بلاك روك» (BlackRock) في نيويورك. ومن خلال ما جرى سابقاً، كان في عقل فينك هدفٌ واحد فقط: أن يملك نظاماً حاسوبياً فائق الذكاء، يمكّنه من اختيار المخاطر والفرص في الأسواق المالية والقيام بذلك بشكل أفضل مما يمكن لأي كمبيوتر أو إنسان القيام به.

21.6 تريليون دولار هي قيمة الأصول التي تدار من خلال برنامج الذكاء الاصطناعي «علاء الدين»

هكذا بدأت عملية خلق علاء الدين (Aladdin). وهو اختصار للأصول والمسؤولية والديون والمشتقات الاستثمارية (Asset, Liability, Debt, and Derivative Investment Network). في الأيام الأولى لشركة «بلاك روك»، كان التركيز على تحسين إدارة المخاطر من خلال إدراك أعمق لطبيعة الأصول القابلة للتداول ومجمل أنواع العمليات والمعايير التي تُستعمل لشراء هذه الأصول وبيعها. عملياً، هي شركة تتحيّن الفرص السوقية، وجهازها العصبي هو ذكاء اصطناعي.

الإنجاز الأول كان عام 1994، عندما بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، يرفع أسعار الفائدة أكثر مما توقعته الأسواق. انفجرت محافظ الدخل الثابت وسط ارتفاع أسعار الفائدة وانكماش أسعار السندات. في هذه البيئة المتقلّبة، كشفت تحليلات المخاطر التي تم إنشاؤها باسم «علاء الدين» عن قيمتها؛ صمدت أموال «بلاك روك» بشكل جيد أمام العاصفة المالية، مع أدنى قدر من الخسائر مقارنة بالسوق كله. أتاح «علاء الدين» لفرق الاستثمار في «بلاك روك» فهم ما اشتروه. لوحظ الأمر في السوق وبدأت اتصالات المستثمرين تنهمر على «بلاك روك» من كل حدبٍ وصوب. ورغم أن مستوى التطوّر التقني في البرمجيات والخوارزميات لم يكن مرتفعاً حينها، إلا أنه كان واضحاً أن لدى «بلاك روك» القدرة على التقاط الصفقات إلكترونياً وإدارة تدفق العمل رقمياً، والحصول على جميع البيانات والمعلومات في الوقت الفعلي. كان ذلك نادراً بشكل صادم في ذلك الوقت. وفي منتصف التسعينيات، أدرك الجميع أن تكنولوجيا علاء الدين، كانت من عالمٍ آخر.

هو برنامج يتمتع بذكاء شديد في تحديد أنماط عمل الأسواق المالية وتقلّبات الأسعار ما يتيح له تحديد الخسارة واقتناص فرص الربح، في سنواته العشر الأول، جرت تغذية «علاء الدين» بمعلومات حول كل حركة أسعار الأصول ومتغيّرات المخاطر في سوق السندات العالمية. وعندما بلغ 11 عاماً من العمر، كان يتمتع بذكاء شديد في اختيار الخاسرين والفائزين، لدرجة أن لاري فينك باع عام 1999 حقّ الوصول لبياناته لشركات أخرى في وول ستريت. وفي العام نفسه، طُرحت شركة «بلاك روك» للاكتتاب العام في بورصة نيويورك وتلاها مباشرة انفجار فقاعة الإنترنت، وهربت أموال المستثمرين من سوق الأسهم إلى السندات. يومها كان «علاء الدين» بطل العالم بلا منازع في عملية الهروب. وفي غضون سنوات، بلغت قيمة «بلاك روك» تريليون دولار. تصاعد نفوذ «علاء الدين» منذ الأزمة المالية عام 2008. فقد بات العقل الخلفي للعديد من أكبر اللاعبين في صناعة إدارة الاستثمار، بناءً على ما كشفته «فايننشيال تايمز». شركات عملاقة مثل «Vanguard» و«State Street Global Advisors» أكبر مديري صناديق الاستثمار بعد «بلاك روك»، هم من مستخدمي «علاء الدين». وكذلك نصف أكبر 10 شركات تأمين (التصنيف حسب قيمة الأصول)، بالإضافة إلى صندوق التقاعد الحكومي الياباني بقيمة 1.5 تريليون دولار، وهو الأكبر في العالم. كما تعتمد عليه شركات «آبل»، «مايكروسوفت»، «ألفابت» (الشركة الأم لغوغل)، لإدارة مئات المليارات من الدولارات في المحافظ الاستثمارية الخاصة بهم.

18400 موظف يعملون لدى شركة «بلاك روك» في 36 دولة

وفي عام 2017، كشفت «فايننشال تايمز»، أن «علاء الدين» بات موجوداً في 85 شركة لإدارة الأصول ومؤسسات استثمارية مجموع ما يملكوه يبلغ 20 تريليون دولار من إجمالي الأصول، مقارنة مع 11 تريليون دولار قبل أربع سنوات فقط. كذلك قالت، إن تكنولوجيا «علاء الدين» تقوم بإجراء 250 ألف صفقة ومليارات الحسابات المالية كل يوم. وفي عام 2020، قالت «فايننشال تايمز» إنه يوجد 21.6 تريليون دولار يديرها «علاء الدين» من ثلث عملاء «بلاك روك» البالغ عددهم 240 عميلاً. هذا الرقم وحده كان يعادل 10% من الأسهم والسندات العالمية حينها. عملياً، هناك ذكاء اصطناعي، يدير 10% من أصول كوكب الأرض. ومذاك، لم تعد «بلاك روك» تكشف عن مجمل الأصول التي تديرها، وعلى حدّ قول موظف سابق لـ«فايننشال تايمز»، لا يُكشف عن الرقم بسبب «الاهتمام السلبي الذي اجتذبته المبالغ الهائلة». تخوفوا من الحسد ربما.

1.3مليار دولار هي قيمة ما سددته «بلاك روك» للاستحواذ على شركة «eFront» الفرنسية التي تملك برنامجاً منافساً لـ«علاء الدين»

تجني «بلاك روك» الأموال عبر تقديم مجموعة متنوّعة من الاستشارات بشأن المحافظ المالية والمساعدة في إدارة الأصول. العامل الأساسي في تحقيق الأرباح هو إدارة تريليونات من الأموال تتخطى كل الناتج القومي لأوروبا. وقد استعانت الحكومة الفدرالية الأميركية بالشركة وبـ«علاء الدين» لمعرفة أي من المصارف يجب إعانتها خلال أزمة عام 2008 المالية، فضلاً عن استشارات مالية للمصارف... أدى ذلك إلى تعزيز محفظة عملاء «علاء الدين» لتبلغ 7 تريليون دولار.

لم يقتصر عمل «علاء الدين» إدارة الأصول التقليدية، بل وقعت «بلاك روك» و«كوين بايز» عقداً يتيح للمستثمرين الذين يستخدمون «علاء الدين»، تداول «بتكوين» باستخدام المنصة. وستوفر الخدمة المدفوعة «Coinbase Prime»، للمستخدمين، إمكانات التداول والحفظ والوساطة الرئيسية وقدرات إعداد التقارير لقاعدة عملاء علاء الدين، الذين هم أيضاً عملاء «كوين بايز». وستكون «بتكوين» هي العملة المشفرة الوحيدة المتاحة في البداية. عملياً، سيلتهم الذكاء الاصطناعي بيانات ومعلومات عن سوق العملات المشفرة، وسيصبح علاء الدين قادراً على تقديم النصائح في شراء أو بيع الـ«بتكوين».

4 أنواع رئيسية من التداول الخوارزمي المعتمدة

الإحصاء

يعتمد هذا النوع تماماً على الإحصاءات من البيانات التاريخية للمؤشّرات، من أجل التعلّم من التجارب السابقة. تبحث الأنظمة ذات التداول الخوارزمي الإحصائي دائماً عن الفرص في المواقف التي أثبتت نجاحها في الماضي.

التحوّط التلقائي

هذا نهج أكثر أماناً وأكثر تحفظاً، هدفه الرئيسي هو تقليل المخاطر بدلاً من زيادة الربح.

استراتيجيات التنفيذ الحسابية

تُستخدم هذه الاستراتيجيات لتحسين كفاءة تنفيذ هدف تداول محدد. يمكن أن يكون أي شيء تريد تحقيقه بسرعة مثل تقليل تأثير السوق أو إنهاء الصفقة.

الوصول المباشر للسوق

هو في الأساس دفتر أوامر يسمح للمتداولين بوضع الصفقات بسرعة. يمنحهم وصولاً مباشراً ورؤية أفضل في البورصة بمعلومات مهمة مثل الأسعار وحجم التداول.

الخوارزميات وأسواق المال

لكي ينجح المرء في عالم التداول، يجب أن يكون ذو أعصاب فولاذية. هي وظيفة منهكة. قد تكون هناك عشرات المليارات من الدولارات على المحكّ، أي إن أبسط خطأ بشري سيكون كارثة. لكن استخدام الخوارزميات المبرمجة مسبقاً لمراقبة الأسواق وتنفيذ عمليات الشراء والبيع تحدّ من المخاطر، وإن كانت ترسم سقفاً للأرباح أيضاً. فالبرمجيات لا تملك عاطفة، خلافاً للبشر الذين قد يمنعهم الخوف أو الجشع من اتخاذ قرارات صائبة. والآلة - البرنامج، تشبه الرأسمالية في كل شيئ، أي أنها تتخذ قراراتها بناء على مدخلات واضحة ومحددة المعالم ومدروسة المخاطر. ووفقاً لبيانات «SelectUSA» (قمة تعقدها إدارة التجارة الدولية في وزارة التجارة الأميركية لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة)، يمثّل التداول الخوارزمي ما بين 60% و73% من مجمل تداول الأسهم الأميركية والأسواق الأوروبية والأسواق الآسيوية الأساسية. كما إن الحجم الإجمالي للتداول الخوارزمي في الاقتصادات الناشئة مثل الهند يقدر بنحو 40%. وفي عام 2003، شكّلت التجارة الخوارزمية ما نسبته 15% من حجم السوق، إنما بحلول 2010، كان أكثر من 70% من تداول سوق الأسهم الأميركية يتم بواسطة الخوارزميات. وفي المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

اضف تعليق