يشرب الكثير من الناس الشاي للاسترخاء واستعادة نشاطهم، وهو أمر نحتاجه الآن أكثر من أي وقت مضى. ومع تزايد استهلاكه، حددت الأمم المتحدة 21 مايو/ أيار يومًا للشاي حول العالم.

ويشرب الناس حوالي 100 مليون كوب يومياً من الشاي في المملكة المتحدة. كما تزداد شعبية شرب الشاي في الولايات المتحدة أيضاً، حيث تستهلك الدولة 0.4 كيلوغرام من أوراق الشاي للفرد سنوياً مقارنة بـ 0.36 كيلوغرام في 2007، وفقاً للأمم المتحدة.

وبالتالي، نظر العلماء في كيفية تأثير الشاي على الحالة المزاجية والإدراك للإنسان. ويحقق العلماء فيما إذا كانت حالة الاسترخاء هي نتيجة بيولوجية مباشرة للمركبات الموجودة بالشاي.

ويأتي الشاي الأخضر والأسود من النبات نفسه، وهو يعرف باسم الكاميليا الصينية. ولكن تتم معالجة الشاي الأخضر بطريقة مختلفة، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات بعض المركبات التي يعتقد العلماء أن لها آثاراً إيجابية على صحتنا العقلية.

وقد يبدو شرب كوبٍ من الشاي الدافئ وسيلًة لتهدئة الروح، ولكن وجدت دراسة جديدة أنّه قد يكون مفيدًا لجسمك أيضًا.

وأظهرت الدراسة، التي نُشرت الإثنين بدورية "Annals of Internal Medicine" أنّ شرب كوبين أو أكثر من الشاي الأسود يوميًا يرتبط بانخفاض خطر الوفاة من جميع الأسباب.

وفحصت الدراسة بيانات من البنك الحيوي في المملكة المتحدة، والذي يضم معلوماتٍ وراثية وصحية متعمّقة، عن نصف مليون رجل وامرأة، تتراوح أعمارهم بين 40 و69 عامًا، والذين شاركوا باستبيانٍ بين عامي 2006 و2010.

وتضمنت قاعدة البيانات المعلومات التي أبلغ عنها المشاركون حول عادات شرب الشاي لديهم، مثل عدد مرات الشرب، وما يضيفونه إلى أكوابهم، وفقًا للدراسة.

ورغم أنّ بعض المشاركين لم يشربوا الشاي الأسود على الإطلاق، إلا أنّه نظرًا لكون البيانات من المملكة المتحدة، أبلغ الكثيرون عن شرب الشاي بانتظام، بينما أبلغ البعض الآخر عن شرب ما يصل إلى 10 أكواب في اليوم، حسبما ذكرته المؤلّفة الرئيسية للدّراسة، ماكي إينو-تشوي، وهي عالمة أوبئة لدى المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة.

وتابع البنك الحيوي حالة المشاركين بعد حوالي 10 أعوام من الاستبيان الأصلي، ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين شربوا كوبين أو أكثر من الشاي يوميًا في هذه الفترة كانوا أقل عرضة للوفاة لأسباب مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، ومرض نقص تروية القلب، والسكتة الدماغية، وفقًا للدّراسة.

ويقدّم البحث نظرًة مثيرة حول عادات شرب الشاي، ولكن لا يزال هناك حاجة إلى المزيد من البحث قبل التوصية بتغييرات في النظام الغذائي، وفقًا لهوارد سيسو، وهو أستاذ مساعد في كلية الطب بجامعة هارفارد وعالم الأوبئة المساعد بمستشفى بريغهام والنساء في مدينة بوسطن الأمريكية.

وفي رسالة بالبريد الإلكتروني، قال سيسو، والذي لم يشارك في الدّراسة: "حاول مؤلفو الدراسة التحكّم في العوامل الغذائية الأخرى، لكنّ يختلف شاربو الشاي عادةً عن غيرهم من نواحٍ أخرى، والتي من المحتمل أنّ تُضعف هذه النتائج".

وأضاف: "نحن بحاجة إلى إجراء المزيد من التجارب السريرية العشوائية التي تختبر شرب الشاي".

وبالنسبة للعديد من شاربي الشاي، تُعتبر عملية تحضير كوب من الشاي أمرًا بالغ الأهمية. على سبيل المثال، درجة الحرارة المثالية للشاي، وإضافة الحليب أو السكّر إليه بمقدارٍ معين.

وإذا كنت لا تستطيع تخيّل شرب الشاي بدون إضافات، فلا داع للقلق.

ووفقًا للدراسة، لم يحدث انخفاض كبير في الفوائد الصحية بالنسبة لأولئك الذين أضافوا الحليب أو السّكر إلى الشاي.

وهذا لا يعني بالضرورة أنّها الطريقة الأكثر صحّية لشرب الشاي.

وأوضحت إينوي تشوي أن خبراء الصحة يشجّعون بشدة على الحد من السكّر والدهون المشبّعة، مثل تلك الموجودة في الحليب.

ولكن، هل يجب عليك تغيير عادات شرب الشاي الخاصة بك؟

ورغم صعوبة الجزم على وجه اليقين في البحث حتى الآن، إلا أنّ إينوي تشوي أشارت إلى بعض الأسباب الوجيهة التي تجعل الشاي الأسود مفيدًا للغاية.

وقالت: "هناك العديد من الآليات الممكنة، الشاي غني بالمركّبات النشطة بيولوجيًا ... التي لديها القدرة على تقليل الإجهاد التأكسدي والالتهابات، وهذا بدوره يمكن أنّ يحمي من ظروف صحية مثل السرطان وأمراض القلب".

وقد أُجريت العديد من الأبحاث حول الفوائد الصحية لشرب الشاي الأخضر.

وتشير الدّراسات الرصدية، مثل دّراسة أُجريت في عام 2013، إلى أنّ شرب الشاي الأخضر يمكن أنّ يبطئ نمو الآفات السرطانية، بينما وجدت دراسة، أُجريت في عام 2014، أنّ استهلاك الشاي الأخضر يرتبط بانخفاض خطر التدهور المعرفي.

ويُستخلص كل من الشاي الأسود والأخضر من أشكال مختلفة من النبتة ذاتها، تُدعى "كاميليا سينينسيس"، لكنّ عدد القليل من الأبحاث حتى الآن قد نظر في آثار شرب الشاي الأسود، وفقًا لما ذكرته إينو تشوي.

وأضافت أنّه، بسبب نقص البحث، لم يحن الوقت بعد لإضافة الشاي الأسود إلى روتينك اليومي.

وأوضحت إينو-تشوي: "قد توفر النتائج التي توصلنا إليها الطمأنينة للأشخاص الذين يشربون الشاي بالفعل كل يوم، لكنّنا لا نوصي باتخاذ قرارات بشأن ما إذا كان على الناس البدء في شرب الشاي أو تغيير المقدار الحالي لاستهلاكه".

وأكدت كذلك أنه لا ينبغي أنّ يعتمد الناس على نتائج دراسة واحدة لمثل هذا النوع من التغييرات، مشيرةً إلى أنّ هناك حاجة إلى مزيد من البحث لاستكمال نتائج الدراسة.

ومن جهته، أضاف سيسو: "لا تثبت هذه الدّراسة أنّ شرب الشاي يقلل من معدل الوفيات، لكنّها تشير إلى أنّه إذا كنت تشرب الشاي حاليًا - وخاصةً الشاي الأسود، يمكنك الاستمرار في القيام بذلك".

ولكن الشاي الأخضر له رأي آخر

لكن دراسة اخرى تشير إلى أن شرب الشاي على الأقل 3 مرات في الأسبوع قد يقلل من خطر الوفاة المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ويرتبط بحياة أطول وأكثر صحة، على الأقل في الصين.

ووجد الباحثون في الصين أن الفوائد الصحية المرتبطة بالشاي كانت أكثر وضوحاً بالنسبة للأشخاص الذين يشربون الشاي الأخضر، أكثر من الشاي الأسود، وأولئك الذين كانوا يشربون الشاي بانتظام على مدى فترة زمنية أطول. وأشارت الدراسة إلى أن الفوائد كانت أكثر وضوحاً لدى الرجال.

ودرس الباحثون بيانات 100902 من الصينيين الذين ليس لديهم تاريخ بالإصابة بنوبة قلبية، أو سكتة دماغية، أو سرطان، وقسموهم إلى مجموعتين: الأشخاص الذين يشربون الشاي 3 مرات أو أكثر في الأسبوع، والذين لم يشربوا الشاي أبداً، وأولئك الذين شربوا الشاي بانتظام أقل، لمتابعة ما يجري معهم بعد فترة 7 سنوات.

ووجد التحليل أن خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية عند الذين يشربون الشاي بانتظام أقل بنسبة 20٪، وخطر الوفاة بسببها أقل بنسبة 22٪. ووجدوا أن الذين يتناولون الشاي بانتظام، يتوقع أن يعيشوا أكثر بنسبة 1.26 عاماً في عمر الـ 50، مقارنة بأولئك الذين لم يستمتعوا بكوب من الشاي بانتظام.

وقال الدكتور دونغ فنغ غو من المركز الوطني الصيني لأمراض القلب والأوعية الدموية عبر البريد الإلكتروني: "وجدنا أن التأثيرات الوقائية لعادة استهلاك الشاي واضحة للغاية وقوية من خلال نتائج مختلفة للرجال، ولكنها متواضعة بالنسبة للنساء".

وأضاف غو: "قد يكون أحد الأسباب هو أن عادة تناول الشاي بين الرجال كانت أكثر بنسبة مرتين ونصف لديهم مقارنة بالنساء". وكان حوالي 48٪ من الرجال في الدراسة يشربون الشاي بانتظام، مقارنة مع 20٪ من النساء.

وقال غو إن النساء الصينيات كن أكثر عرضة لشرب شاي الأعشاب المصنوع من أوراق الورد أو أوراق اللوتس، ولكن هذه المعلومات لم تدرج.

وقام الباحثون في تحليلهم بالتحكم في بعض العوامل مثل التدخين، والشرب، والنظام الغذائي، والنشاط البدني الذي يمكن أن يفسر العلاقة بين شرب الشاي وطول العمر. ومع ذلك، كدراسة قائمة على الملاحظة، لا يمكنها إثبات السبب والنتيجة، بل الارتباط فقط.

وقالت جودي ريلف، أخصائية تغذية ومتحدثة باسم جمعية الحمية البريطانية: "الأشياء الأخرى التي يجب مراعاتها والتي لم يتم ذكرها في الدراسة هي: أولاً، ما الذي كان يشربه أولئك الذين لم يشربوا الشاي، وهل كانت المشروبات السكرية أو المشروبات التي تحتوي على الكافيين تحل مكانه، وهل المشروبات الأخرى زادت من المخاطر الصحية؟"

وقال غو إن الفوائد المرتبطة بشرب الشاي الأسود "لم تكن ذات دلالة إحصائية"، وقد يكون ذلك بسبب وجود عدد أقل بكثير من المشتركين في الدراسة يشربون الشاي الأسود (حوالي 8٪ فقط).

وأضاف غو أن الشاي الأخضر مصدر أغنى "للفلافانويد"، وخاصة "بوليفينول" الشاي، وقد تكون هذه المركبات النشطة بيولوجياً وقائية ضد أمراض القلب والأوعية الدموية. في حين أنه مستخرج من نفس النبات ويحتوي على نفس كمية الكافيين، ولكن تتم معالجة الشاي الأسود بطريقة مختلفة عن الشاي الأخضر بعد قطفه.

وقال غو: "الشاي الأسود مخمر بالكامل وأثناء التخمير قد يتأكسد البوليفينول في الأصباغ ويخمد نشاطه. لذلك يميل الشاي الأخضر إلى أن يكون أكثر فعالية من الشاي الأسود بمضادات الأكسدة، مما يحسن من نسبة الدهون في الدم، وبالتالي يكون أكثر فعالية للقلب وحماية الأوعية الدموية".

وأوضح غونتر كونل، أستاذ في علوم الغذاء بجامعة "ريدينغ" في المملكة المتحدة، غير مشارك في الدراسة ولكنه أجرى أبحاثاً في العلاقة بين "الفلافانويد" والصحة، بأنه ليس معروفاً حالياً كيف يؤثر الشاي أو المركبات الموجودة فيه على الصحة.

وأضاف كونل لمركز "أس أم سي" في لندن: "يفترض أن تأثير مضادات الأكسدة الموجودة في البوليفينول المتواجد في الشاي كان مسؤولاً عن ذلك منذ فترة طويلة، ولكن تم دحض ذلك بشكل مدمر في العقد الماضي. قد تتمتع بعض المركبات الموجودة في الشاي بتأثير مفيد، لكن هذا لا يزال قيد التحقيق".

وباعتباره المشروب الأكثر شيوعاً في العالم بعد الماء، قال غو إن عادات شرب الشاي تختلف من مكان إلى آخر، وقد لا تنطبق النتائج على الدول الغربية، حيث كان الشاي الأسود خياراً أكثر شعبية، وغالباً ما يتم تناوله مع الحليب أو السكر.

وأشار غو إلى أن الاستنتاجات التي توصلت إليها الأبحاث السابقة حول الفوائد الصحية للشاي لم تكن متسقة، بحيث أوضحت الدراسة إلى أن الشاي الأخضر مرتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض الأوعية الدموية في اليابان، ولكن لم يلاحظ أي ارتباط بالشاي الأسود الذي يتم تناوله مع الحليب في المملكة المتحدة.

وقالت الدكتورة جينا ماشيوتشي، محاضرة في علم المناعة بجامعة ساسكس، إن هذه الدراسة تقوي مجموعة الأدلة التي تشير إلى أن شرب الشاي المعتاد مرتبط بانخفاض معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، على الرغم من أنه لا يمكن أن يثبت أن الشاي هو بالتأكيد المسؤول.

ومع ذلك، لاحظت أن "مجموعة من الأدلة في مجال التغذية تشير إلى أن أنماط النظام الغذائي بأكملها أكثر إفادة بالعلاقات بين أمراض النظام الغذائي من أي طعام بحد ذاته أو مواد غذائية."

شرب الشاي خلال الأزمات

قال ستيفان بورغواردت، رئيس ومدير قسم الطب النفسي والعلاج النفسي بجامعة لوبيك بألمانيا، إن شرب الشاي الأخضر يحسن وظائف المخ لدى الأشخاص الأصحاء.

وفي دراسة أجريت عام 2014، تم إعطاء 12 متطوعاً مستخلصات الشاي الأخضر، التي تعادل كوباً أو كوبين، ثم تصوير أدمغتهم لتحليل التغيرات داخل مناطق معينة من الدماغ.

وقال بورغواردت عبر البريد الإلكتروني: "لاحظنا زيادة الاتصال في مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة العاملة".

وفي 2017، وجدت مراجعة لأكثر من 100 دراسة، شارك بورغواردت في تأليفها، أن الشاي يمكن أن يؤثر على الدماغ بثلاث طرق.

ويمكن أن يؤثر الشاي على الأعراض النفسية المرضية، مثل تقليل القلق، والتأثير على حالة الإدراك، والدماغ، خاصة الذاكرة.

وخلصت تلك المراجعة إلى أنه "سيكون من المرغوب فيه" أن يستهلك المزيد من الغربيين 100 مل على الأقل من الشاي الأخضر يومياً "لحماية الوظيفة الإدراكية العصبية".

ونوه بورغواردت إلى أن التأثيرات ليست كبيرة، والأدلة الحالية يتم توفيرها بشكل أساسي من خلال الدراسات الصغيرة.

وما يزال غير واضح بشكل كافٍ أيٍ من المركبات الموجودة في الشاي هي المسؤولة عن التحسينات المختلفة في عقولنا وما إذا كانت تعمل بمفردها أو معاً.

ويعد أهمها مضادات الأكسدة، مثل epigallocatechin gallate، وهي الأكثر وفرة، ثم يليها L-theanine، وهو حمض أميني موجود في أوراق الشاي، ثم الكافيين.

ويقول بورغواردت إن الفوائد يمكن ألا تكون نتيجة مكون واحد، ولكنها مرتبطة بوجود كل من الكافيين وحمض L-theanine الأميني.

ويُقال أيضاً أن الشاي يمكن أن يحسن من أعراض الاكتئاب والخرف ومتلازمة داون.

وأوضح بورغواردت أن الدراسات التي أجريت على الحيوانات قد أشارت إلى أن هناك تغييرات في المادة الرمادية بالدماغ، ومن المحتمل أن تستخدم آثار الشاي هذه لاستهداف الأمراض النفسية مثل الاكتئاب والخرف.

لكنه أشار إلى أن البحث كان في مرحلة مبكرة جداً، ويجب تأكيد الدراسات التجريبية من خلال تجارب إكلينيكية أكبر قبل استخلاص أي استنتاجات.

وهناك بعض الفوائد الصحية التي يعود بها لشاي على صحتنا الجسدية، إذ يمكن أن يقلل من بعض عوامل الخطر لأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل النوبات القلبية والسكتة الدماغية، كما يمكن أن يكون له تأثير في القضاء على الدهون.

ويبحث الأستاذ المشارك في قسم علوم الغذاء والتغذية بجامعة ريدنج في المملكة المتحدة، غونتر كونل، عن فوائد الفلافانول، وهو متواجد في الشاي. ووجد البحث أن الأشخاص الذين يتبعون نظاماً غذائياً غنياً بالأطعمة التي تحتوي على الفلافانول مثل التوت، والشاي، والتفاح يميلون إلى أن يكون لديهم ضغط دم منخفض.

وبينما وجدت دراسات أخرى صلة بين الفلافانول والفوائد الصحية، كانت هذه الدراسة هي الأولى التي تقيس تناول المركبات بموضوعية باستخدام المؤشرات الحيوية الموجودة في البول.

وقال كوهنلي: "نحن بحاجة إلى بيانات أفضل لتقييم فوائد الشاي حقاً على صحتنا العقلية والجسدية، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات العديدة في كيفية استهلاكه في البلدان المختلفة".

* المصدر: سي ان ان

اضف تعليق