لا تستطيع الحكومة إلقاء القبض على أحد القضاة حتى وإن أخل بعمله القضائي، إلا بعد الحصول على قرار قضائي وموافقات رسمية من السلطة القضائية، ونادراً ما يحدث مثل هذا الأمر.

ولا تستطيع السلطات الحكومية القبض على أحد البرلمانيين إلا بعد استحصال موافقة رسمية من مجلس النواب ورفع الحصانة عن النائب، بعدها يمكن تنفيذ مذكرة القبض بحق النائب، ونادراً ما يحدث مثل هذا الأمر.

بينما يمكن للسلطة تكسير أدوات الإعلاميين أثناء الواجب، وبدون أي مذكرة قضائية، وفي أحيان كثيرة بدون مبررات منطقية، لأن رجل الأمن اعتقد بضرورة تسكير هذه الأدوات، يفعل ما يريد بدون خوف من سجن أو محاسبة من قبل جهة معينة.

تحدث الاعتداءات على الإعلاميين بشكل طبيعي ولا يكاد يمر شهر من دون اعتداء، لا فرق بين مؤسسة إعلامية وأخرى، ولا فرق بين شخص الإعلامي نفسه إن كان مشهوراً أو مغموراً، الكل سواسية في موقفهم الضعيف أمام رجل الأمن الذي يجد فيهم أضعف حلقة من حلقات ممارسة سلطته وإبراز قوته.

يجري الاعتداء على الإعلامي ويهان بالشارع والشاشة، وحينما يخرج سالماً بكدمات بسيطة مع اعتذار شفوي من قوات الأمن يعده انتصاراً وخطوة مهمة نحو تحقيق عراق ديمقراطي يحترم الصحافة ويعطيها وزناً.

لكل سلطة حقوقها إلا الصحافيين والإعلاميين، عليهم واجبات، ولا تُحترم حقوقهم، إنهم السلطة الأضعف والأكثر تعرضاً للاعتداءات من أصحاب القوة والنفوذ، بالقانون وبغيره، الجميع يريد من الصحفي أن يكون مرآة للحقيقة، بينما يمنع من أبسط حقوقه وهي حق الحصول على المعلومة، وحق أن يكون موضوعياً.

والحقيقة لها تفسيرات مختلفة، مؤسسة الجيش مثلاً تنظر للحقيقة على أنها كتم الأسرار وعدم الحديث بأي سلبية تجاه القوات المسلحة، يقابلها حملة تشجيع دائم ودعم للقوات المسلحة في إطار حروبها التي لا تنتهي.

أسباب ضعف سلطة الإعلام

عدة أمور تراكمت فولدت الضعف الذي يسود البيئة الإعلامية العراقية، نذكر ثلاثة منها وهي:

أولاً: عدم إيمان الحكومة بالإعلام، رغم وجود مادة دستورية تؤكد على حرية الصحافة والإعلام والنشر، إلا أن المكتوب شيء والتطبيقات على أرض الواقع مختلفة في بلد يعطى القوة للأعراف والتقاليد السياسية أكثر من النصوص المكتوبة.

والحكومة والأحزاب تعلن للجمهور احترامها للصحافة والإعلاميين، وهي شعارات سهلة القول بعيدة عن التنفيذ ولا تخرج عن البروباغندا على اعتبار أن الحكومة العراقية تنفذ المبادئ الديمقراطية في ممارساتها اليومية.

ثانياً: عدم وجود قوانين تضمن حقوق الصحفيين، ففي عام 2011 أقر البرلمان قانون حقوق الصحفيين العراقيين، وكما تحتفل به نقابة الصحفيين دائماً بأنه انجاز يحسب لها وللبرلمان، لكن تسميته الفعلية وفق التطبيق الحالي يجب أن نطلق عليه "قانون تقييد الصحفيين"، إنه إعادة صياغة للعبارات القانونية القديمة بشأن الصحافة والتي تضعها دائماً في مرتبة متأخرة خلف السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.

لا يبقي قانون حقوق الصحفيين من حقوق أو سلطات لهم إلا الجزء الشكلي البسيط، حيث يحصر الحصول على المعلومات في إطار القانون دائماً، وقانون العراق الذي تعامل مع مسألة نشر المعلومات هو قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، وقد أقرت مواده لخدمة السلطة الشمولية الديكتاتورية التي لا تؤمن بالديمقراطية وحق تداول المعلومات.

ثالثاً، ضعف كفاءة الصحفيين وصراعاتهم الداخلية، إذ لا يخفي على المطلعين أن الدخول إلى مهنة الصحافة أسهل مما يتم تصويرها على أنها سلطة رابعة، يكفي أن تكون قريباً من أحد أعضاء مؤسسة إعلامية ما لتدخل ضمن كادر العمل.

لا يهم حصولك على تدريب متقدم، ولا شهادة جامعية، المهم تنفيذ سياسة الحزب المالك للمؤسسة الإعلامية، حيث الغالبية العظمى من وسائل إعلامنا هي حزبية ولها سياسات منحازة.

اعطي تصوراً عن مدى انحيازك للجهة المالكة للمؤسسة الإعلامية وسوف تحصل على الوظيفة، وهذا جعل المؤسسات الإعلامية فروعاً للأحزاب وأجنحة سياسية لا تستطيع أداء دور إعلامي تجاه المجتمع، وظيفتها الأساسية الانحياز لأفكار محددة.

قد لا تكون هذه جميع الأسباب التي أدت إلى ضعف العمل الإعلامي في العراق، لكنها الأبرز، وهي تتراكم يوماً بعد آخر لتكون قاعدة ثابتة، حيث تتضاءل سلطة الإعلام وتتحول إلى نشاط سياسي ودعائي تحدد السلطة التنفيذية منافذه وتغلقه متى شاءت.

اضف تعليق