لا يزال وجهه حتى اللحظة يسطع في ذاكرتي، رغم أنني لا أحب شكله الأنيق ورأسه الفارغ، هو عبارة عن وجه مستدير مشرّب بلون وردي وخدود معافاة، عيناه جاحظتان، مليئتان بالتبجّح، دخل علينا الصف فجأة، هذا هو اليوم الأول للسنة الدراسية الجديدة، جمعنا الصف الثالث الابتدائي، ثلاثين طالبا أعمارهم متقاربة تقع بين الثامنة والتاسعة.

دخل المعلّم الأنيق بتلك الملابس البرّاقة بألوانها ولمعانها، شعر رأسه كان يلمع بشدة أيضا، وعيناه فيهما غموض مشوب بالغرابة، حين أحاول تفسيره الآن بعد أن فهمت الناس والدنيا، فأقول لنفسي إنه غموض التعالي والتبجّح الفارغ....

في الدقائق العشر الأولى تبيّن لجميع الطلاب الفارق الكبير بين الملابس الأنيقة النظيفة اللماعة التي يلبسها المعلم، وبين الكلمات والجمل التي كان يتفوّه بها، حتى ذلك العطر الذي ملأ الصف الصغير المغلق الباب والنوافذ، لا أزال أتذكره، فأقارن بين جمال العطر وفقر الكلام والسلوك الذي أبداه المعلم الأنيق معنا.

انتهى الدرس مع المعلم الأنيق، وترك في رؤوس الطلاب الصغار انطباعا ليس جيدا، حتى فكرنا أنا والطالب الذي يتقاسم معي المقعد الخشب (الرَحلة)، أن نغادر الصف ونترك المدرسة، ونطلب من أهلنا أن ينقلونا إلى مدرسة أخرى، لأننا توجّسنا خيفة من هذا المعلم، ففي درس واحد مدته 40 دقيقة جعلنا نخافه ونقلق منه ولا نحبه، فكيف نقضي معه سنة دراسية كاملة نتلقّى فيها عشرات الدروس من هذا المعلم؟

أما السبب الذي جعلنا نخشى المعلم الأنيق، فهو غموضه، والفارق بين مظهره وكلماته وسلوكه، كما أنه لم يتبسَّم طيلة دقائق الدرس، الجمال كان في مظهره فقط، في ملابسه وشعر رأسه والعطر الذي تعطّر به، وما عدا ذلك ليس فيه أي شيء جميل آخر، كلماته كانت عبارة عن سلسلة من الكلام القبيح من دون مبرّر، وعلوّ نبرة صوته لم يكن لها أي داع، كأنه يريد منذ اليوم الأول بل منذ الدرس الأول أن يخيف الطلاب الصغار منه بلا سبب، فالشتم والصراخ العالي والجفاف، هذه المسميات لا تنسجم مطلقا مع جماله الظاهري.

قبل أن نحسم أمرنا أنا والطالب الذي يقاسمني (رًحْلة) الدراسة، قرعَ جرس الدرس الثاني، وكنا نظن أن المعلم الأنيق نفسه سوف يدخل علينا، وكان شعور ثقيل من الخوف يهيمن على صدورنا، كان جميع الطلاب الصغار في حالة صمت، وحالة من الشعور بالخوف والحزن والقلق، وما أن دخل المعلم الصف، حتى تبدّلت الأجواء في أول لحظة من دخوله، لقد دخل معلم آخر غير المعلم الأنيق، تتقدمه ابتسامة عريضة ومظهر بسيط.

هذا المعلم الثاني ليس أنيقا، حتى شعر رأسه مصفف بطريقة بسيطة ولم نشم عطرا حادّا كالذي حملهُ المعلم الأنيق فملأ به الصف، ثم أخذت الكلمات تتدفق من فم المعلم الجديد، واضحة سهلة أنيقة محبوبة، صرنا نتلقفها برغبة وفرح، نسينا دقائق الصراخ والخوف التي غصّ بها الصف في درس المعلم الأنيق.

سمعتُ الطالب الذي يقاسمني (رَحلة) الجلوس يقول لي، اسمعْ صوتَ هذا المعلم إنه هادئ ورقيق، نبرته منخفضة وواضحة، لم يسب أحدا، لم يصرخ على أحد، لم يأمر أي أحد من الطلاب بالصمت، ولا يختلف مظهره البسيط المحبّب عن كلماته أو سلوكه، إنه كما أتذكره الآن يمثل (المعلم المتكامل)، المعلم الذي يتشابه مظهره مع باطنه.

أتذكر تلك اللقطة التي لا تُنسى مع المعلم الثاني البسيط، حين اقترب من مقعدنا الخشب (رَحلتنا)، وقف جنب الطالب الذي يقاسمني المقعد، وضع المعلم كفه على رأس صديقي، وسأله ما أسمك: أجاب صديقي بسرعة وبساطة وهدوء، اسمي محمود، فقال له المعلم، الله ما أجمل هذا الاسم، هل تحب صفّك ومدرستك يا محمود؟

صفنَ محمود قليلا ثم أجاب سريعا بـ (نعم استاذ)، وواصل محمود (أنت جعلتني أحب صفي ومدرستي)، ثم خطا المعلم نحو طلاب آخرين وسألهم عن أسمائهم، أذكرُ أنني سألت محمود هل فعلا تحب هذه المدرسة؟، ألم نتفق بطلب النقل منها إلى أخرى؟

في الأيام والأسابيع التالية، تعاقب علينا معلمّون كثيرون، بعضهم يختلف عن الآخر، بينهم الودود الهادئ الجميل، وبينهم العكس، وكذلك بينهم الذي يحمل شيئا من الجمال وشيئا من القبح، هذه هي طبيعة أو سنة الحياة، ومع مرور الأسابيع وتعاقب الدروس، عرفنا أن الناس أصناف، وأن المعلمين أنواع، وأن الحياة لا تخلو من هذا وذاك.

تعايشنا مضطرين مع المعلم الأنيق المظهر القبيح الباطن والسلوك، لكننا لم نحبهُ ولا نرغب حتى بذكره، وكان المعلم البسيط الهادئ هو الذي يعادل الكفة دائما، فحين نقضي درسا مزعجا مع المعلم الأنيق، نصبر عليه ونقضي الدرس معه على مضض، لأننا ننتظر من يعوضنا في درس قادم، وأعني به المعلم البسيط الهادئ الذي ما أن يدخل علينا الصف حتى نصبح أسرة واحدة يشيع فيها الودّ والدفء وجمال الحياة.

اضف تعليق