عقدت مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، حلقة نقاشية حول موضوع (التربية في التعليم)، وذلك في مقر المؤسسة يوم السبت المصادف 18/12/2021، بحضور عدد من الأكاديميين والمختصين والصحفيين.

وقد قدم ورقة النقاش المختص في الارشاد التربوي عزيز ملا هذال وجاءت تحت عنوان (الدور التربوي للمؤسسة التعليمية)، قال فيها:

يحتاج الوليد البشري الى من يقوم بتربيته وتكوينه وتشكيله، من الناحية الجسمية والنفسية والاجتماعية. لأنه يتميز عند ولادته بعجز كبير، ولا نجد لعجزه مثيلا في الكائنات الحيوانية الأخرى. ولهذا فإن التربية ضرورية لبقاء الفرد واستمراره، بل هي وسيلة نموّه وتقدمه وتطوّره، لولاها لعاش الانسان قريبا من المرحلة البهيمية، ولتأخر المجتمع البشري، واندثرت معه الحضارات والثقافات اندثاراً كبيرا.

ويؤكد معظم علماء التربية، على أن التربية بدأت بدورها منذ أن وعى الانسان بدوره الانساني، ومنذ أن وجد آباء وأمهات رعوا أبناءهم، وكوّنوا أسرهم وتجمعاتهم البشرية.

في دراسة قام به العالم (أميل دوركهايم) عن الأقوام البشرية البدائية، كشف فيها بوضوح، على أن الشعوب القديمة، علمت أبناءها ودربتهم على أعمال الخدمة المنزلية وصناعة الادوات الضرورية، وحياكة الأقمشة المختلفة، والتمرس بالصيد والتدرب على أمور الحرب، ورعي الماشية والقيام بالأعمال الزراعية والتجارية، بالإضافة الى المأكل والملبس والمأوى وإقامة الطقوس الدينية، والتكلم بلغة الأم. وتؤكد تلك الدراسة: على أن التربية التي عرفتها تلك الشعوب، تحمل في حقيقة الأمر، سمات وخصائص شبيهة جدا في أنواع التربية التي تمارسها شعوبنا في أكثر مراحلها نموا وتطورا.

وهذا يدل على أن البشرية سارت على نهج بعضها بعضا في سياق التربية، مع اختلاف الأفكار والأماكن والتضاريس والمعتقدات. وتؤثر هذه الظواهر في الفرد تأثيرا كبيرا، وتكسبه طابعا خاصا.

مفهوم التربية والتعليم

التربية: تعلّم الفرد واكتسابه لمهارات معينة مثل القدرة على نقل المعرفة، وقدرة إطلاق الحكم على الأمور بشكل صحيح، والحكمة في مواجهة المواقف المختلفة، ونقل الثقافة من جيل إلى آخر، وهي كذلك تقوم على تربية الضمير والوجدان، وتنمية الإحساس، وتهذيب الشعور الإيماني، وتحسين السلوك والأخلاق.

أمّا التعليم: فالعلم هو إدراك الشيء على الحقيقة، وهو إيصال المعلومات والأفكار للأفراد بصورة منظمة، وواضحة، ومحدّدة الأهداف، تقدّم من خلال المدارس، أو الجامعات، أو غيرها العديد من المؤسسات.

إن العلاقة بين التربية والتعليم علاقة متكاملة الأهداف والغايات، ولا يمكن الفصل بينهما إلا لضرورة ما، فالمحور الأساسي الذي تقوم عليه هو الإنسان، وترابطه بجذوره، وتفاعله مع مجتمعه وأمته، فإذا تم إهماله فإن النتيجة فساد المجتمع بأكمله، فالتقدم والرقي لا يتحقّقان بالمال ولا بالسياسة وإنّما بإعداد جيل مثقف، وواعٍ، وقادر على فهم المشكلات وما حوله من أمور، وحلّها بطرق سلمية بعيداً عن المشكلات والتعقيدات.

إن التربية هي أداة التغيير، والتعليم أداة البناء فكلاً منهما يسعى لتحقيق مستقبل أفضل، فالتعليم يهدف لتحصيل المعرفة، والإطلاع على القوانين، والتدريب على مهارة ما، أما التربية فهي مفهوم واسع وشامل.

القول بأن الدور التربوي للمدرسة يماثل في أهميته وظيفتها التعليمية لم يأت من فراغ، بل لما لهذا الدور من أثر إيجابي بالغ على الفرد، ينعكس بالضرورة في المستقبل على المجتمع ككل.

الجزء الأكبر من دور المؤسسة التربوية يقع على عاتق المُعلم نفسه، فهو واجهة المؤسسة التعليمية والتربوية بالنسبة للطالب، هو الذي يتعامل معه ويتصل به بصورة مباشرة، وكي يتقبل الطفل كل ما يُملى عليه من تعليمات أو توجيهات، فلابد وأن يكون في الأساس مُحباً للمدرسة التي ينتمي إليها.

اكتشاف المواهب وتنميتها

دور المؤسسة التربوية يتضمن عمل هيئة التدريس على كشف مواهب الأطفال وقدراتهم، ومن ثم توجيههم والعمل على تنمية تلك المهارات والقدرات، وتعليمهم كيفية استغلالها على الوجه الأمثل، وذلك يتم من خلال وضع برامج رعاية للطلبة المتفوقين والموهوبين.

دور المؤسسة التربوية التربوي يشمل أيضاً تخريج أجيال واعية مثقفة، وهذا لن يتحقق بالتأكيد من خلال حشو أدمغتهم بكم المعلومات الهائل الذي تحتويه المقررات الدراسية فقط، صحيح إن التعليم مهم وهو أحد أسس الحياة وهنا يأتي دور المؤسسة التربوية التربوي ليُكمل دورها التعليمي، فتقوم بتشكيل وعيه وإكسابه العديد من المهارات الاجتماعية.

تلقي الخبرة

يشمل دور المؤسسة التربوية التربوي أيضاً العمل على توسيع آفاق الطلاب وزيادة خبرتهم، وألا يدعوهم يخرجون إلى الحياة وميادين العمل وهم صفحة بيضاء، فالحكمة تقول أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، وإن سنة الحياة أن يُسلم كل جيل الراية للجيل الذي يليه، وبناء على ذلك فإن المعلم -والمؤسسة التربوية بصفة عامة- يقع على عاتقهم مسؤولية تزويد الطلاب خلال المراحل التعليمية المختلفة بالخبرات العملية، وذلك عن طريق نقل تجارب السابقين إليهم، سواء كانت تجارب الأفراد أو تجارب الشعوب والأمم السالف منها والمعاصر، فإن ذلك كله يوسع مدارك الطالب وآفاقه ويكسبه الخبرة.

التربية الاجتماعية

المؤسسة التربوية تتحمل المسئولية عن أي ظواهر سلبية تصيب المجتمع، مثل الكذب والتفرقة الطبقية أو تفشي الأفكار العنصرية وغيرها، فالمؤسسة التربوية في كل عام يلتحق بها عدد كبير من الطلاب، ينتمون لشرائح اجتماعية مختلفة وينتمون لبيئات متباينة، ودور المؤسسة التربوية التربوي يحتم عليها التوحيد بين هؤلاء جميعاً، والعمل على خلق مجتمع متآلف ومتجانس، خال من الأحقاد والمنازعات العرقية، وهذا كله لا يتحقق إلا باتخاذ المؤسسة التربوية من القيم الإسلامية منهجاً وأساساً لتربية النشء.

ففي المؤسسة التربوية إذن تتم التنشئة الحقيقية لتشكيل الافراد وتمكينهم من المعيشة في مجتمع ذي ثقافة معينة. لأن المؤسسة التربوية وجدت أساسا لتكمل دور المنزل والعائلة.

وقد طرح المحاضر سؤالين للنقاش على الحاضرين:

السؤال الأول: هل التربية أولا أم التعليم؟

السؤال الثاني: لماذا تغفل الأسر أهمية التربية وتبحث عن التعليم الذي يعود على أبنائها بالمردود المادي فقط؟

المداخلات

العلم بلا تربية قنبلة موقوتة

حامد عبد الحسين الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

"من المؤكد أن التربية اولا ثم التعليم، لأن العلم بلا تربية أشبه بقنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أية لحظة، وقد ناقشنا سابقا مسألة العلم والتعقّل، العلم هو شيء ذكي مثلا مخترع القنبلة النووية أو الذرية يعتبر ذكيا، وتمكن من اكتشاف قنبلة قادرة على إسكات العالم كله، والتعقّل يأتي من التربية، أي أنه يدرك ما توصل له عن طريق العلم، فهذا الذي اكتشف هذه القنبلة المدمرة لو كان لديه تعقّل، لما قام بهذا النوع من الاكتشاف الذي يؤدي إلى فناء العالم في دقيقة واحدة، لذلك فإن الجواب هو التربية ثم التعليم.

وعن السؤال الثاني، فإن السبب في دفع العائلات لأبنائها لدراسة التخصص العلمي والطب تحديدا، هو سبب اقتصادي، لأن حصر الوظائف وفرص العمل بيد الدولة، فهذا أدى إلى أن تتحول الدراسة إلى قضية مادية وليست علمية، والأسرة تبحث عن فرص عمل لابنها بعد إكماله الدراسة، وقد أسهم هذا في عدم الاهتمام بالعلم وإعطاء الأولوية للشهادة التي تضمن وظيفة للابن المتخرج".

تعميق قيم الأخلاق عند الأجيال

الدكتور اسعد كاظم شبيب:

"هناك علاقة وثيقة بين الجانب التربوي والجانب التعليمي، وغالبا ما يكون الجانب التربوي سابقا للجانب التعليمي وهذا الأمر يتعلق بفلسفة النظام السياسي ومنظومة القيم في بناء الإنسان اذ ان الكثير من الدول ومنها الدول المتقدمة تتخذ من المنظومة التعليمية وسيلة في بناء الإنسان بفلسفة النظام السياسي والهوية الوطنية والقومية لذا تكون المناهج والأساليب التعليمية تحمل الشق التربوي والتعليمي.

وفيما يخص ومنظومة القيم عندنا كعرب وعراقيين هناك تراجع في منظومة التربية والتعليم لأسباب تتعلق بغياب فلسفة للنظام السياسي والقيمي ودخول ثقافات هجينة.

لذا فان غياب او اهمال الدور التربوي سيكون له تداعيات على منظومة القيم وهذا من المفترض أن يحذر العراق كنظام سياسي وزارات تربية وتعليم حيث انشغلت القوى بالصراعات الخاصة على حساب بناء الانسان وتعميق قيم الأخلاق عند الأجيال وتنمية القدرات العلمية لديهم".

التربية والأخلاق هي الأساس

الحقوقي أحمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

"هذه الورقة مهمة جدا لاسيما في هذا الوقت، لأننا نلاحظ أن الجانب التربوي قد انحدر كثرا للأسف، وأصبح مجتمعنا غارقا في الماديات حيث لا يعرف كيف يتصرف بهذه الماديات ويجني ثمارها، التربية تتقدم على العلم بكثير، حتى الاسلام في بداية ظهوره أكد على زرع القيم الأخلاقية لدى الناس وإن الرسالة السماوية جاء أصلا من اجل الأخلاق (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، كما أن الله تعالى خاطب النبي (ص): (وإنك لعلى خلق عظيم).

فالتربية والأخلاق هي الأساس، فإذا كان المجتمع فاقدا للتربية فإن جميع العلوم لا تفيده، العلم لا يمكنه معالجة الأمراض لأن أساسها هو الانحراف الأخلاقي، وعدم احترام الابن للأب، ولا للمجتمع ولا للأستاذ، وقد لاحظنا التجاوزات التي حصلت، إذ في مرحلة ما كان الضرب مباحا في المدارس، وكان المعلم يؤاخّذ على ذلك، لكنه بالنتيجة كان يمثل الأب وأنه لا يحمل عداوة ضد الطلاب، وهناك معايير لقضية التأديب لدى الشعوب والأمم، بعضهم يقول أن هناك بلدانا تجد الطالب فيها يمارس حريته التامة، وكأنهم ملائكة، لكن نلاحظ بمجرد يُرفع أو يُزاح القانون نجد أنهم يتحولون إلى وحوش مع بعضهم.

أما المجتمعات التي تحكمها الأخلاق والتربية، فالأمر مختلف، كاليابان التي ذكروا عنها أن الطفل لا يحاسب في الثلاث أو الأربع سنوات على درجاته، لأنهم يضخون له دروس تربوية وأخلاقية فقط، ويعلمونه كيف يحترم معلمه وعائلته ومجتمعه، بعد ذلك سوف يبحث عن العلم الذي ينفه به نفسه وعائلته ومجتمعه.

بعد عام 2003 حدث في العراق للأسف الشديد، سباق نحو الماديات وسببه الفساد المستشري في الدولة والاثراء على حساب المال العام، وبدأ التنافس حتى بطرق غير مشروعة ليس للحصول على الشهادة وليس العلم، فما يحدث اليوم في مجتمعنا هو الحصول على شهادة حتى لو تم ذلك عن طريق التزوير أو الغش وهناك البعض من الطلبة يمارسون طرق غش متنوعة ومنهم في مراحل دراسية متقدمة في الجامعة، بينما الهدف من الدراسة أن يكون الطالب في المستقبل مربيا ثم يضبطونه في حالة غش، وأحيانا بعضهم يقوم بتزوير درجة تقييمه في شهادته العليا، مثلا يقوم بتغييرها من جيد جدا إلى امتياز. أساس هذه الأعمال الخاطئة هو انعدام الأخلاق والفساد:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت....... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا".

هل يعدّ الصدق أولوية في حياتنا؟

الباحث حيدر الجراح مدير مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

"التربية تربة وما نعاني منه الآن هي أزمة أخلاقية كبرى رغم التقدم العلمي والتكنولوجي، وهي أزمة تصيب إنسانيتنا أولا وقبل كل شيء، هل يعدّ الصدق أولوية في حياتنا، والعدل والإحسان والتسامح هل هي أولويات في حياتنا، كذلك الاحترام والتعاطف، وهل التأمل في ذواتنا بعيدا عن التنظيرات الكلامية يعد أولوية في حياتنا، وأخيرا هل نؤمن بما نفعل قليلا ونقول كثيرا؟".

التربية في البعد المعنوي والروحي

الباحث حسن كاظم السباعي:

"ركنا التربية والتعليم هما بمثابة الجانب الروحي والجانب المادي إن صح التعبير. فإذا كان التعليم يلبي الحاجات المادية من دراسات طبية أو هندسية أو أي مجال آخر؛ فإنَّ التربية هي البعد المعنوي والروحي والذي لولاه فإن البعد المادي سيطغى فيضر المجتمع بدل أن يخدمه. ومثال ذلك الطبيب الذي لابد أن يكون هدفه حياة الإنسان، فإن غلب الجانب المادي عليه سوف لن يهمه الإنسان ما لم يجني ربحًا ماديا. وكذلك الأمر في سائر المجالات؛ فالذي يعمل في حقل الاقتصاد من خريجي الإدارة والأعمال إن اكتفوا بما تلقوه في الجامعة من دراسات علمية بحتة فإنهم سوف لن يكونوا إلا أجهزة آلية فاقدة للروح. ولكن مع الجانب التربوي سيختلف الأمر ويصنع من رجل الأعمال إنسانا صاحب مبدأ ورسالة.

أو فيما يرتبط بالجانب الإعلامي؛ فإنَّ المتخصص في هذا المجال سيكون مستعدا أن يكتب أو يقول أي شيء في مقابل المال ولن يهمه الصدق والحقيقة أو الأمانة. لكن مع تدخل البعد التربوي حين تلقيه التعليم فإنَّ الأمر سيختلف كليًا.

وهكذا فيما يرتبط بالمجال السياسي فالأمر أجلى وأوضح من غيره حيث لا ينكر أحد الفرق بين من تلقى التعليم السياسي مع جانبه التربوي وبين من لم يتلقاه؛ فأساس الظلم والفساد والنهب والسلب وما أشبه هو ناتج عن عدم تلقي الجانب التربوي في هذا الحقل. وبناءً على هذه الأمثلة فلو وضعنا الجانب التربوي إلى الجانب التعليمي في أي حقل من الحقول سنرى أن النتيجة تختلف كاختلاف الليل والنهار مقارنة بمن ألغى هذا الجانب.

من هنا وبناءً على هذا الأساس؛ نرى حتى بعض البلدان المتقدمة القائمة على الفكر المادي والأساس الرأسمالي قد أدركت هذه الحقيقة؛ فوضعت إلى جانب مناهج التعليم بعض المفاهيم التربوية المناسبة للمجتمع كضرورة الاحترام والتحلي بالآداب الاجتماعية والأخلاقية، فما بال مجتمعاتنا الشرقية المؤمنة بالأخلاق والقيم التربوية حيث تحتاج إلى ترسيخ وتذكير هذه المفاهيم بشكل مضاعف وفي كل مقام ومقال".

مهمة صناعة الإنسان

الدكتور إيهاب علي النواب:

"هذا الموضوع يعد من المواضيع الهامة في حياتنا، لكننا نحاول أن نعالج ذلك نظريا ولا نلمس شيئا في الجانب التطبيقي، شخصيا لا أعتقد بوجود مؤسسة تربوية في العراق وقد أكون متطرفا في ذلك، صناعة الإنسان غير موجودة لدينا وبالتالي لا يوجد دور لهذه المؤسسة أو غائب في معظمه، وهناك علاقة تكاملية بين التربية والتعليم، لكن المشكلة ليس لدينا علاقة تكاملية بين الفرد والأسرة والمدرسة وأخيرا العمل، وأحيانا تكون العلاقة تعارضية.

المشكلة التي نعاني منها لحد هذه اللحظة، لا يوجد لدينا منهاج واضح للعملية التربوية في العراق، رغم وجود كم هائل من المرشدين التربويين، لكن لا يوجد مرشد اجتماعي أو نفسي في مدارسنا، وقد يحتاج المرشد اليوم نفسه إلى مرشد!!، علما أن تخصص علم النفس من أخطر التخصصات، ونلاحظ أن الكل يرغب بدراسة الطب، وبالتالي تتقلص مساحة الإبداع، مع العلم أن أحد مهام المدرسة أو الدراسة هو خلق الإبداع.

الطالب في العراق لا يختار دراسته حسب رغبته، لذلك المشكلة متداخلة ومعقدة، طبعا التربية تسبق التعليم، وأبسط مثال له العلاقة بالتربية، لا توجد مكتبات في مدارسنا، وأجزم ولا مدرسة من مدارسنا فيها مكتبة، وهي أساس التربية والعلم للتلميذ، لذلك لا يعرف الطلاب سوى كتبهم الدراسية فقط، لذلك المشكلة تشمل الجانبين التربية والتعليم أيضا.

السؤال الثاني تبدو الإجابة عنه معقدة جدا، لماذا؟، أنا شخصيا أرى بصراحة أننا مشتتين ولا نمتلك صورة أو رؤية واضحة، علما أننا لا نؤمن بإعطاء الحرية لأولادنا والدليل على ذلك نأمر أولادنا من دون شعور ونطالب ابننا بالحصول على شهادة الطب رغما عنه!، في هذه الحالة كيف يمكن أن تقنع الأب وتقول له بأن ابنك يحب الفنون ويرغب دراستها؟، إذا المشكلة ليست في التربية والتعليم، وإنما هي مشكلة اجتماعية أيضا".

الأخلاق توظّف العلم بشكل صحيح

الاعلامي مصطفى ملا هذال الكاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:

"الأخلاق والتربية أهم من التعليم، لأن الأخلاق هي التي توظّف العلم بشكل صحيح، في الآونة الأخيرة نلاحظ أن الكثير من الأطباء لديهم درجة علمية لا يستهان بها، لكن للأسف بعضهم قد يفتقد للأخلاق في التعامل مع المرضى، وهو بذلك يفضل المال على دوره الإنساني.

لذلك انتفت الحاجة للعلم بما أنه لا يمتلك الأخلاق، هناك مثال آخر حول القضاة، فقد تجد أحد القضاة بلغ مرحلة علمية مهمة، وهو قامة رصينة ومعروفة في مجال القضاء، لكنه قد يخضع للرشوة، فيبرّئ المجرم ويجرّم البريء، لذلك لا توجد أهمية للعلم في هذه الحالة بقدر ما نحتاج الأخلاق والتربية السليمة.

الإجابة عن السؤال الثاني، أعتقد يقع مع الناس الآن تحت مطرقة المدارس الأهلية التي تبدأ من الروضة إلى الجامعة، ويقوم بإدخال ابنه في كلية طب أهلية، لكي يعيد له ابنه الأموال التي صرفها عليه، هذا أحد أسباب تفضيل الطب على سواه، بمعنى الذهاب وراء المادة، أما المسؤولية فأظن أنها مركبة، أولا تقع على أولياء الأمور، وثانيا على الحكومة التي لم نلاحظ لها أي دور يحمي كرامة المعلم، أو يضع حدا للعنف ضد الطلاب، على الرغم من أنني متأكد من عدم وجود كراهية للطالب من المعلم، ولابد من القول بعدم وجود قانون يسند المعلم لكي يؤدي دوره التربوي بطريقة سليمة وقوية".

العلم بلا أخلاق أجوف

الدكتور علاء الحسيني باحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

"كلاهما التربية والتعليم مطلوبان، ولا نستطيع تقديم أحدهما على الآخر، لدينا كثير من التجارب حول الأوائل، إذ توجد عوائل تقدم التربية على التعليم فهناك آباء يحرمون البنات من التعليم لصالح التربية حرصا عليهن من وجهة نظر الأب، وفي نفس الوقت هناك كثير من العوائل تذهب نحو التعليم وتهمل التربية، بينما كلاهما يكمل الآخر، فلا نستطيع أن نهمل التربية ولا التعليم على حساب الآخر.

العلم بلا أخلاق شيء أجوف وخطير جدا، وتربية بدون علم تنتج لنا إنسانا جاهلا يشكل خطرا على المجتمع وعلى عائلته ونفسه، لأنه سوف يكون عرضة للإشاعات التي تأخذه يمينا وشمالا ولا يعرف مصيره.

الجانب الآخر أتساءل هل نحن اليوم كمؤسسات ذاهبون نحو التربية أم التعليم؟، الحقيقة أن المستوى اليوم في تدنٍّ وهناك سلسلة من الأسباب الكثيرة تقف وراء ذلك، منها الثورة التكنولوجية الحديث ووسائل التواصل ووسائل الإعلام والاتصال، انشغالات الآباء الكثيرة بمتطلبات الحياة، كذلك حين لا يجد المعلم البيئة الحاضنة له من الدولة والمجتمع وتقدير تعبه وجهوده وتمنحه ما يستحق من الاهتمام وليس من حيث الجانب المادي، هذه كلها عوامل تضافرت مع بعضها لتجعل الطالب لديه استعداد يبقى حتى الصباح في مواقع التواصل ولم يفتح كتابه ويدرس المادة المطلوبة منه.

فتؤثر على الطالب التيارات المختلفة والناس المغرضة وتحركه ذات اليمين وذات الشمال، فلا الأهل بإمكانهم السيطرة على أبنائهم ولا المعلم كذلك، لأن أي معلم يضغط على الطالب قليلا يمكن اتهامه بمختلف التهم، تبدأ من صفة معلم قاسي إلى إنسان متخلف وغير ذلك، أتصور أن السبب الأكبر في هذا الموضوع، الدولة ومؤسساتها التي تخلفت عن أداء واجباتها تجاه الفرد والمجتمع.

لماذا تذهب الناس للدراسة في كلية الطب؟، السبب بسيط، يوجد قانون رقم 6 سنة 200 للتدرج الطبي، هذا القانون يضمن التعيين المركزي بالنسبة لخريجي الكليات الطبية، ولو أردنا أن ننهي هذه المشكلة فبمجرد إلغاء هذا القانون سوف تنتهي، واذا فعلنا قانون الضمان الصحي رقم 22 لسنة 2020 وتحولنا باتجاه التعاقد مع المؤسسات الصحيحة وهي ليست مجبورة أن تأتي بالطبيب العراقي، فقد تجد بديلا ماهر من أية دولة أخرى، فإذا اشتغلنا بآلية التنافس فيمكن أن تكون هذه مقدمة لإلغاء قانون التدرج الطبي.

نلاحظ أن خريجي 2018 حتى الآن لم يباشروا بوظائفهم، لماذا؟، الحجة الظاهرة هو قانون الموازنة، لكن الحجة الباطنة هي التخمة التي حصلت في كثير من مفاصل وزارة الصحة أو الدولة التي لم تعد قادرة على استيعاب الجيوش الكبيرة من الخريجين، وكيف نتعامل معهم، لذلك نوع من المخرج وجدته الدولة هو الذهاب إلى قانون الضمان الصحي.

السؤال الثاني حول سبب تركيز العائلة على الجانب العلمي على حساب التربية، لأن العائلة كما يبدو تريد أن تضمن مستقبل ابنها، لكن لو كانت رؤية الدولة متكاملة وكان هناك ضمان للعراقيين جميعا، لا يمكن أن نتصور بأن العراقيين يضغطون على ابنائهم بهذا الشكل كي يدرسوا في المجموعة الطبية أو دون سواه. يجب التوجه إلى تطوير القطاع الخاص لتذويب هذا التوجه نحو دراسة الطب، لأن فرص العمل سوف تكون متوفرة لجميع الاختصاصات".

التربية بلا تعليم كارثة امنية

الشيخ مرتضى معاش:

"كنت اليوم أتابع تقريرا عن سيول الماء التي ضربت أربيل، وكانت هناك امرأة تتحدث عن ذلك، فقالت لقد دخلت علينا أمواج الماء فجأة، الكوارث تحدث هكذا من دون إنذار مسبق، والكارثة يصنعها الإنسان بسبب عدم التفكير بالعواقب وبالمستقبل، وأكبر كارثة نعيشها اليوم في الوضع الدولي والإقليمي والمحلي هي كارثة التعليم.

يمكننا ملاحظة كم صرف العراق على الجانب الأمني، ولم يحقق الأمن المطلوب، ولكن لو أنه صرف على التعليم مقدار 10% مما صرفه على الأمن لحدث تحوّل كبير جدا ولتحقّق الأمن الفعلي، لأن التعليم هو الذي يحقق الأمن، وهذا ما لم يفعله العراق.

لذا فالمدارس الموجودة لدينا بائسة والتعليم منهار بشكل كامل، كأن هناك سياسة متعمدة للتجهيل، لكي يبقى الشعب العراقي مستهلِكا جاهلا لا يستطيع أن يعمل ولا ينتج ولا تكون فيه تخصصات ولا مهارات.

وعن السؤال الأول، هناك حالة تكاملية بين التربية والتعليم ولا يمكن الفصل بينهما، أي لا يمكن أن يكون هناك تربية بلا تعليم ولا تعليم بلا تربية، والتعليم هو تعليم التربية وعناصرها.

لا يمكن أن تربي الإنسان دون أن تعلمه العناصر التربوية التي يحتاجها في داخله، مثلا تعلّمه الصدق وهو ممارسة بحاجة إلى تعليم، كذلك بالنسبة للإبداع أو التفكير أو الإنتاج، هذه كلها أمور تعليمية يحتاج الإنسان أن يتعلمها، ويمارسها ممارسة منهجية من خلال صناعة النموذج وهذه مهمة المعلم أو الأستاذ التدريسي.

في قضية التعليم لابد من التركيز على البنية التحتية للتعليم وهي التربية، إذ لا يمكن أن يكون هناك تعليم بلا تربية، وهذا يتبع لعملية بناء الإنسان وشخصيته، علما أن مجتمعنا يركز على البناء الجسدي فقط، وحتى هذا النوع من البناء سيّئ، لأن ما نقدمه لأولادنا اليوم هو غذاء غير صحي، أي أن البناء الجسدي مشوه، كذلك هناك حاجة لبناء النمو النفسي، فاذا أردنا زرع نبتة لابد من توفير جميع عناصر إنباتها الصحيحة، وإذا نقص واحد من تلك العناصر كالتربة الصالحة أو الهواء أو الماء، فسوف تخرج هذه النبتة مشوهة.

كذلك الأمر بالنسبة للإنسان فإنه يتشوه نفسيا وأخلاقيا إذا لم ينمُ نموا تربويا صحيحا، سواء كان في الأسرة أو في المدرسة، فالتعليم الآن مرض وليس علاجا، بسبب التشوهات التي يلحقها التعليم بالإنسان، خصوصا التعليم التلقيني والقاسي العنيف، وهنا لا أؤيد التعليم القاسي، فالتعليم القاسي له رد فعل عنيف يؤدي إلى تشويه الشخصية. فنحن نحتاج إلى بناء الإنسان وتنميته نموّا نفسيا صحيحا، بعيدا عن الطمع أو الحسد، وهي ليست أمور غريزية بل تأتي من خلال التربية المشوهة الناتجة من البيئة السيئة المنتجة لعقد النقص وفقدان الثقة بالذات.

ولكي نحصل على المهارات المطلوبة، يجب علينا التركيز على (تعليم التفكير) أو التعليم من أجل التفكير، وهو علم متخصص موجود الآن في بعض الدول، أن يكون تعليمنا من أجل التفكير، وتعليم الإنسان على الاستقلالية وليس التبعية، وتعليم الإبداع والابتكار. وكذلك التربية الإنتاجية، فالإنسان اليوم يتربى منذ الصغر على الثقافة الاستهلاكية، وعندما يكبر فيكون بلا مهارات ولا قدرة على الإنتاج، أي أنه يكون كسولا واتّكاليا.

وعن السؤال الثاني، المخرجات السطحية لاتكون صالحة، فاذا أراد الإنسان أن يؤمن مستقبله يظن أنه يجب أن يعيش حياة مرفهة وهذا خطأ كبير، لكن الحياة الحقيقية هي الحياة القائمة على البناء المعنوي والبناء الأخلاقي الداخلي للإنسان، أما عملية تأمين المستقبل المادي فهي قضية لاحقة، أحيانا يفشل الناس ماديا مع توفّر كل الظروف لتحقيق النجاح المادي لكنه يفشل، لوجود خواء داخلي في نفسه غير قادر على تحقيق الغطاء المطلوب للنجاح المادي.

يجب أن نشجع عوائلنا على قضية البناء المعنوي، فكما يضغط الأب على ابنه في التعليم لكي يحصل على درجات عالية عليه أن يخصص اوقاتا للبناء المعنوي والأخلاقي، (علما إنني معارض بقوة للضغط على الأبناء في قضية التعليم)، لأنه سوف ينتج أشخاصا فاشلين أو معقدين، فهو يمكن أن يصبح طبيبا لكنه قد يكون فاشلا أو معقدا أو غير قادر على التأقلم مع واقعه الاجتماعي، وغير منتج أيضا. لذلك يجب على الأسر أن تركّز على البناء المعنوي والتربوي وتكون المخرجات المادية في مرتبة لاحقة".

زرع القيم الأصيلة منذ الصغر

الدكتور قحطان حسين طاهر باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

"التربية هي تقويم سلوك الإنسان والارتقاء به إلى القيم الأصيلة والصالحة، وبالتالي هي تصب في عملية بناء الإنسان، أما التعليم فهو إكساب الإنسان بعض المعارف والعلوم التي تكون صالحة وأحيانا غير صالحة، وبالتالي فإن العلاقة بين التربية والتعليم هي علاقة تكاملية تلازمية لا يمكن أن نفصل التربية عن التعليم بأية طريقة كانت.

لا يمكن أن تكون هناك تربية ناجحة وصالحة، بدون علم ومعرفة، كما أنه لا يمكن إكساب ومنح العلوم والمعرفة إذا لم يتم ذلك بطريقة قائمة على الفضيلة والأخلاق، فإذا كان معلماً ما فاقدا للأخلاق والتربية، فإنه لا يمكن أن يُكب الطالب معرفة أو علما بشكل صحيح، فالتربية والتعليم كلاهما يحتاج الآخر.

بالتالي هناك بعض الاختلافات البسيطة ما بين التربية والتعليم، فالتربية لا تحتاج إلى مجهود ومتطلبات عالية الكلفة لأدائها، إذ يمكن للأب أو الأم أو الأخ الأكبر القيام بها، أما التعليم الصحيح الأساسي العالي فيحتاج إلى متطلبات ودعم لوجستي لمؤسسات كبيرة ودعم دولة، كذلك الاختلاف الآخر بين الاثنين، فالتعليم يتميز بالثبات النسبي أما التربية فتتميز بالثبات العالي، فإذا قمت بتربية الابن أو البنت على القيم الأصيلة منذ الصغر، فسوف تنمو معه التربية الصحيحة ويعتاد عليها وتصبح جزءا من سلوكه اليومي حتى إذا بلغ عمرا متقدما.

أما التعليم فمجرد أن ينقطع الإنسان عن المعلومة والمعرفة من خلال ترك القراءة أو ترك الدروس وغيرها، فسوف يضيع العلم، من نقاط الاختلاف أيضا، إن الاستثمار في التربية مجد أكثر من التعليم، وقد يعترض البعض، كيف؟، العلم يمكن أن يبني العمران ويطور الاقتصاد ويؤسس لبنية تحتية مادية كبيرة جدا، لكن هذه البنية معرضة للانهيار في أية لحظة، أما التربية الصحيحة وبناء الإنسان بالأخلاق الفضيلة، فهذا يؤدي إلى بناء حضارة إنسانية، وإن كانت فاقدة للبناء والعمران الضخم، بمعنى إذا سادت القيم في المجتمع سوف تسوده الأخلاق وبالتالي ستكون السعادة حاضرة، بينما المجتمع القائم على التعليم المادي، يكون همه الوحيد أن يبني العمران والخدمات المتطورة، فيصنع مجتمعا متعلما متطورا لكنه فاقد للإنسانية والحضارة والقيم والأخلاق".

ما هو مفهوم التربية بالنسبة لنا؟

الكاتب علي الطالقاني مدير مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام:

"بخصوص موضوع التربية الذي ننظر له من خلال اطلاعنا الواسع على بعض الكتب والمحاضرات الدينية، يبدو أننا لم نفهم ما المقصود من التربية؟، بمعني هل التربية هي المتداولة فقط؟، ومن يجزم بأنها هي المتداولة في المدارس، مثلا هل مفهوم التربية لدينا هو نفس المفهوم في بلد آخر؟، أو نفس مفهوم التربية في محافظة أخرى؟

السلوكيات الوافدة من الداخل والسلوكيات الوافدة من الخارج عبر وسائل الإعلام، هذه السلوكيات المتفاوتة في فهمنا لها، هذا التفاوت الفكري والمذاهب الفلسفية والفكرية من خلال الديمقراطية ونشأتها وأنواعها، من خلال الأنظمة السياسية ونزاهتها الاقتصادية، أتذكر أننا في دراستنا الجامعية في العام الماضي في المرحلة الأولى، قاموا بتدريسنا مفهوم التربية الإعلامية وفي هذه المرحلة درسونا التربية الرقمية، وحين تتحدث عن مفهوميّ التربية الإعلامية والرقمية ماذا ستلاحظ؟، أن هذه المفاهيم كبيرة ويجهلها الكبير قبل الصغير.

مع احترامنا للمعلم كم مدرسة وكم معلم هو نفسه يحتاج إلى تربية قبل الطالب، هناك الكثير من الحالات التي نلاحظها في مجتمعاتنا، كالتعامل بقسوة وإطلاق الألفاظ النابية بشكل يومي، ووجود عنف لفظي مخالف لتربية الطفل، وهناك مفاهيم التربية الرقمية والإعلامية وهذا يتعلق أيضا بموضوعة التنشئة الاجتماعية للطفل وكم يمتلك من التربية الصحيحة في عائلة تفتقد لها.

هناك مسألة أخرى فنحن اليوم نشكو من إشكالات عميقة، مثلا هذه الرسائل التي تبثها النخب أو الأفراد أو الرموز، من خلال وسائل الإعلام، هي رسائل في الغالب سلبية، وفقداننا للعمل الاجتماعي مؤثر جدا، وهو مهم بشكل كبير، فبعض المدن على سبيل المثال إذا كانت تشكو من ظواهر تربوية، فيجب أن تكون هناك منظمات ترعى الناس والشباب والأطفال".

سيطرة الأسلوب التقليدي على التعليم

محمد علاء الصافي الباحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

لا يوجد إطار قانوني ولا إطار فني يدعم جهود المعلمين أو الكوادر التعليمية، خاصة في التعليم الأساسي، بحيث يستطيعون أن يعطوا رسائل جيدة للتلاميذ، مثلا إذا دخلت إلى صف ليس فيه مقومات التعليم الصحيح، أظن أن 90% من مدارس العراق تفتقر لقاعات يمكنها الجمع بين المعلم والطلاب بصورة مغايرة لأساليب التعليم السائدة، مثلا لا توجد سوى الجلسة التقليدية للطلاب خلف (الرحلات) وأمامهم السبورة وأسلوب التلقين.

فتبدو القضية وكأننا أمام حاكم ومحكوم، المهم أن المعلم يقدم المحاضرة وسواء فهم التلميذ أم لا، فهذه ليست مشكلة، بعض التدريسيين قد يبذلون جهدا كبيرا، لكن هذا غير مؤثر بحكم الأعداد الكبيرة للطلاب، وعدم وجود خطة عمل للوزارة، مثلا يوم دوام ويليه عطلة تستمر لمدة أسبوع، لهذا أظن أن أسوأ دولة تعاملت مع التعليم في ازمة كورونا هي العراق.

لا يمكننا أن نلوم التلاميذ فقط، مع أننا غالبا نردد بأن هذا الجيل فاشل، وأنهم بلا وعي ولا ثقافة، لكننا لا نستطيع أن نلومهم، كذلك لا يمكننا توجيه اللوم للمعلم فقط.

لقد تم إهمال الجانب التربوي لذلك لا نستطيع أن نحاسب عن هذا الجانب، مثلا في هذه السنة خاصة بعد أزمة كورونا لاحظنا ظهور سلوكيات غريبة عجيبة عند بعض الطلاب.

لا توجد لدينا مؤهلات للتعليم، تعليمنا هو الكتابة على السبورة لا غير، لكن في رأيي يجب أن يكون هناك تركيز على التربية، وتصدر قرارات مهمة لاسيما في التعليم الأساسي (السنوات الست الأولى)، لأننا نلاحظ أن الطفل يقضي 6 سنوات في الابتدائية ولا يعرف كيف يقرأ او يكتب، فالتعليم لا يلبي الطموح، لذلك فإن تسجيل الناس أبناءهم في المدارس الأهلية ليس ترفا منهم وإنما لكي يحصلوا على تعليم مناسب".

التربية تنعكس على مؤسسات الدولة

الدكتور حسين السرحان باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

"لكل مجتمع منظومة قيم خاصة به، وتعتمد موضوعية وحيادية هذه المنظومة على وجدانية المنظومة وإنسانيتها، فإذا كانت مبنية على أسس أخلاقية وإنسانية، وعلى مبدأ قبول الآخر وعلى التعاون ونكران الذات، فإن ذلك سوف ينعكس على المجالات الأخرى، منها التربية والتعليم وحتى التجارة، وكذلك تنعكس على مؤسسات الدولة، وبسبب عدم تعزيزنا لمنظومتنا القيمية في العراق قادتنا إلى مشكلات كبيرة، فلا رجل السياسة عززها بقية سياسية جيدة ولا رجل الدين عززها بقيم دينية ولا المعلم ولا الطبيب ولا حتى الأستاذ الجامعي قام بدوره في تعزيز منظومة القيم.

إن الذي يضبط سلوك الفرد هو المنظومة القيمية الضابطة للسلوك المجتمعي، فإذا كان كل شيء قائم على السطحية والولاءات وعلى المصالح الشخصية، وهذا ما يفسر السلوك السطحي للمعلم والطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي وغيرهم، دعنا من التربية والمدارس والنواقص الخدمية فيها، فهذه يمكن معالجتها ماديا من خلال صرف مبالغ كافية لبناء أو ترميم الحمامات في جميع المدارس، ولكن ماذا عن منظومة القيم، كيف يمكن ترميمها؟

ان منظومة القيم تنعكس على جميع مجالات الحياة كالنظافة والسلوك الطيب أو نقيضه، وعلى التربية والتعليم، وتنعكس على الجميع دون استثناء".

* مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام Ⓒ
https://annabaa.org

...............................
لمشاهدة الملخص الفيديوي للحلقة النقاشية:
على اليوتيوب:
https://youtu.be/_Cb3hvFjK_0
على الفيسبوك:
https://fb.watch/a1Ie73MaKm

اضف تعليق