آراء وافكار - مقالات الكتاب

ازمة نظام

ما يجري الان من "خلاف" حول الانتخابات ونتائجها ليس الاول من نوعه؛ فقد حصل في كل الدورات الانتخابية السابقة. وهذا التكرار يدفعنا الى القول اننا بصدد "ظاهرة" وليس حدثا منفصلا او فريدا، وهذه الظاهرة لا تعتبر مشكلة فقط بالنسبة للنظام السياسي الحالي، وانما هي "ازمة"، واعني بها المشكلة الحادة التي لا يملك النظام ادوات حلها.

واذن فنحن بازاء "ازمة نظام سياسي" وليس فقط مشكلة انتخابية، وهذا التشخيص يدفعنا الى رفع مستوى التفكير: من مجرد التفكير بحل المشكلة الانتخابية الى التفكير بحل الازمة البنيوية- الوظيفية التي يعاني منها النظام السياسي.

وتعود اسباب هذه الازمة الى سنوات التأسيس الاولى، ولذا كنت اول من اطلق عليها وصف "عيوب التأسيس". وهي عيوب كثيرة سبق لي ان عددتها وشرحتها في مقالات كثيرة سابقة.

ومن اهم عيوب التأسيس المزج "الغبي" بين نوعين من الانظمة، هما نظام المواطنة ونظام المكونات، او الديمقراطية التمثيلية العددية، والديمقراطية التوافقية النسبية. وادى ذلك الى تعطيل النظامين معا. كان من الممكن دراسة النظام السياسي الاميركي وهو نظام فيدرالي على اساس المواطنة، او النظام السويسري وهو نظام مكونات على اساس المواطنة ايضا، او على الاقل النظام الهندي وهو نظام فيدرالي- مواطنة، ومن ثم تصميم نظام سياسي يستند الى المواطنة ويتضمن في نفس الوقت حل المشكلة الكردية حلا سليما. ولكن لم يتحقق هذا، فلا قامت دولة مواطنة، ولا حُلت المشكلة الكردية. وانتهى الامر باقامة دولة مكونات مشوهة على مختلف الاصعدة.

وانتجت عيوب التأسيس هذه الكثير من المضاعفات السلبية، التي لا اعتزم تعدادها في هذه المقالة، سوى ذكر واحدة منها وهي: ان الانتخابات اصبحت جزءاً من مشكلة، وليست جزءاً من حل كما هو الحال في الانظمة الديمقراطية السليمة. فهذه الانظمة تلجأ الى الانتخابات من اجل حل مشكلة قائمة مثل قيام البرلمان بسحب الثقة من الحكومة القائمة. وهذا ما لا يتحقق عندنا لان الانتخابات لا تجري في بيئة صحية سليمة، انما في بيئة مريضة موبوءة بعيوب التأسيس ونتائجها. ومن خصائص هذه البيئة السياسية الانتخابية المريضة:

اولا، اولوية الانتماء الطائفي والعرقي والحزبي على الانتماء الوطني.

ثانيا، فساد الطبقة السياسية ممثلة باحزابها وقياداتها.

ثالثا، تدني الوعي السياسي الديمقراطي عند الجمهور.

رابعا، العيوب الكثيرة في قانوني الانتخابات والاحزاب.

خامسا، عدم قدرة المجتمع السياسي على انتاج احزاب كبيرة تتمكن من الحصول على اغلبية برلمانية. وقد سبق ان بينت في مقالات سابقة ان احزابنا السياسية هي اما احزاب صغيرة او صغيرة جدا او مجهرية، ولا توجد احزاب كبيرة ولا حتى متوسطة الحجم.

سادسا، عدم نظافة الانتخابات وحصول الكثير من عمليات التزوير والتلاعب.

وهذه وغيرها مما يعرفه المواطنون معرفة حسية ملموسة. وكلها جعلت الانتخابات ونتائجها تُسهم بدرجة كبيرة في تعقيد عملية تشكيل الحكومة. ومما زاد الطين بله الثغرة الكبيرة في الدستور في المادة ٧٦ التي تقول: "يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الاكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء"، بدون ذكر رقم الحد الادنى المطلوب كما هو الحال في بريطانيا مثلا. وبذا اصبحت الانتخابات الية لتقاسم السلطة وليس الية لتداولها كما تقضي الديمقراطية الصحيحة.

ازاء هذه الازمة نحتاج الى مخرج حقيقي او استراتيجية حل exit strategy. وليس امامنا سوى حلين هما:

اولا، الحل على اساس مبدأ دولة المكونات الحالي بعد اجراء العديد من التعديلات عليه من اجل جعله حلا قابلا للاشتغال باقل التكاليف.

ثانيا، الحل على اساس دولة المواطنة، التي تتمثل في الدولة الحضارية الحديثة التي ادعو اليها منذ سنوات.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق