ثقافة وإعلام - ثقافية-اعلامية

شيش بيش

شيش بيش، هذا هو الوصف الذي أظنه مناسبا للكثير من البرامج الاذاعية والتلفزيونية التي تبثها وسائلنا المحلية، برامج بمضامين تافهة، ومنها ما يترك لمقدميها حرية شغل أوقاتها بأي كلام، وخصوصا الاذاعية منها، لا أريد أن اسمي لكي لا يعد تشهيرا بزملاء المهنة، او النيل من مقدمين لا يجيدون العربية الفصحى، ولا يفرقون بين فاعلها ومفعولها، فيجدون في اللهجة العامية مهربا، لا معيار عندهم للقول، وبلا تردد يتفوهون بما يخدش الحياء، وكأنهم ليسوا أمام عموم الناس، بل في حديث شخصي يتبادلونه في مقهى، برامج تفتقد الى الاعداد والأهداف، يظن أصحابها ان الكفاءة تتمثل (بالفهلوة)، والترفيه يتحقق بالثرثرة، وما يحزنك ان بعضا من الجمهور يراها هكذا، فسرعان ما تدير المحطة الى غيرها، والأغلب عربية او أجنبية ناطقة بالعربية.

ما عاد الكلام بنافع مع ادارات هذه الوسائل التي حوّلت استوديوهاتها الى كوفيات مفتوحة على الهواء الطلق، بالرغم من الهمسات العلمية التي صدحت بها حناجر المتخصصين في المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش، وكنا حسبنا هذه الادارات على صفوة القوم، فعلقنا عليها الآمال العراض، فاذا بها تتميع مع هوى الجمهور ورغباته وميوله، وتتنصل عن مسؤولياتها في الارتقاء به الى ما يجب أن يكون عليه، والمشكلة ان الجمهور بطبيعته ميال للبرامج التي لا تستدعي منه جهدا ذهنيا للتفكير، كما انه ليس بالضرورة قادرا على تحديد حاجاته الجوهرية، بل هناك من لا يدركها، ولا يعرف من أي المناهل يشبعها، وهذه مسؤولية الاعلاميين المؤمنين بدور الاعلام في بناء مجتمع صدّعت نسيجه حلبات الصراع الفضائية، والتافه من الكلام.

لكن التجربة كشفت بوضوح ان الاستحواذ على جمهور واسع بصرف النظر عن الطريقة هو كل ما يشغل تلك الادارات، وليس هناك أفضل من الهائه بما يرغب، وان كان ما يهوى سطحيا ويتعارض مع التنشئة الحقيقية، بينما نتطلع الى تحفيزه على التفكير بمستقبله واثراء ثقافته واحاطته بما يجري.

الاعلام ليس مهنة فحسب، ومتوهم من كان يظنها كذلك، بل هو رسالة يراد بها غرس ثقافة مستنيرة في المجتمع، وتحريره من التخلف، وتوعيته بقضاياه، بمعنى ان مهمة وسائل الاعلام الارتقاء بالجمهور الى مستواها الذي نفترضه نخبويا، هكذا كان عمل الأوائل في بلادنا العربية، وليس النزول بالوسائل الى ثقافة الشارع. والسؤال هل ما زالت النخبة هي من تقود هذه الوسائل؟ الواقع يشير الى ان النخبة تفتت وذابت، ولم يبق منها سوى القليل، مقابل غزو الطارئين وبلوغ مراكزها القيادية، وعندما يبلغ الطارئون مواقع القيادة أقرأ على المسؤولية الاجتماعية الفاتحة.

فغالبية وسائلنا الاعلامية باستثناءات معدودة اطلقت بدواعي شخصية وحزبية ضيقة وليس لأداء رسالة سامية، والمضامين التي من شأنها تنمية المجتمع ليست من شواغل القائمين عليها، فلا تستغرب خلوها مما هو تنموي لصالح المضمون السياسي وما يعد ترفيها، وهو أبعد ما يكون عن الترفيه بمعانيه النفسية، خلاصة القول ان الطارئين عززوا التخلف، وحجبوا رؤية الناس عن قضاياها، والبلد عن امكانية انتشاله مما هو فيه.

ندرك أهمية التعددية الاعلامية بوصفها مظهرا ديمقراطيا، لكن هذا لا يعني ترك الاعلام سائبا وبحسب أهواء الطارئين، لأننا في النهاية لن نحصد سوى عقول سطحية وأذواق فجة، وملامح ذلك بدأت بالتشكل، ما يقتضي اعادة النظر بالأداء الاعلامي، والزام وسائله بنسب محددة لما تبثه من مضامين سياسية او تنموية او ترفيهية وغيرها، كما ألزمناها بالابتعاد عن كل ما من شأنه تفرقة المجتمع، وليس في ذلك تقييدا لحريتها، أما كيف نلزم اداراتها بذلك، فهذا ما يجب ان تفكر به جهات الرصد الاعلامي التي يفترض بها حماية المجتمع، فأضرار السلع المعنوية قد تكون أبلغ من السلع الغذائية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق