شكل ملف النفط عاملا محوريا في تأرجح استقرار العلاقات بين بغداد واقليم كوردستان منذ سنوات، واستخدمت حكومة الاقليم علاقتها السياسية بالأحزاب الحاكمة في بغداد كورقة ضغط لتحقيق مكاسب اقتصادية والاستحواذ على الايرادات السيادية لصالح حكومة اقليم كوردستان، فضلا على رفع حصة الاقليم في الموازنة الاتحادية من (12%) الى (17%) في حكومة نوري المالكي في صفقة سياسية مررت على حساب محافظات الجنوب المنكوبة.

اما في حكومة حيدر العبادي فقد تغير المشهد كثيرا بعدما اعادت الحكومة حصة الاقليم الى قرابة (12%) من الموازنة الاتحادية، وألزمت الاقليم بتسليم النفط والايرادات السيادية مقابل اطلاق حصة الاقليم من الموازنة. وقد تضمنت الموازنات الاتحادية في حكومة حيدر العبادي فقرة ملزمة نصت على: " في حالة عدم ايفاء اي طرف (الحكومة الاتحادية، حكومة اقليم كوردستان) بالتزاماته النفطية والمالية المتفق عليها في الموازنة يكون الطرف الاخر غير ملزم ايضا بالتزاماته نفطية كانت او مالية ". وقد التزمت حكومة حيدر العبادي بنص هذه المادة رغم استحواذ الكورد على حقيبة المالية لمدة من الزمن.

عام 2018، دعمت حكومة الاقليم رئيس الوزراء الاسبق عادل عبد المهدي بهدف اعادة تمويل الاقليم من الموازنة الاتحادية دون مقابل نفطي او مالي، وقد تغاضت حكومة عادل عبد المهدي بإصرار عن تنصل حكومة الاقليم عن وعودها في تسليم الايرادات النفطية وغير النفطية للخزينة الاتحادية، واستمرت حكومة عبد المهدي في تمويل حصة الاقليم من الموازنة الاتحادية لعام 2019، رغم نص المادة (10/ ثانيا/أ) القاضية بتسليم الاقليم الحصة المتفق عليها والبالغة (250) ألف برميل يومياً الى شركة سومو، وهو ما لم يتحقق طيلة العام 2019، رغم استلام حكومة الاقليم كافة الحصة المقررة لها من الموازنة الاتحادية والبالغة اكثر من (9) ترليون دينار دون تسليم الايرادات النفطية وغير النفطية للإقليم.

وقد تجاهلت الحكومة الاتحادية، آنذاك، نص المادة (10/ ثانيا/ج) في قانون الموازنة الاتحادية لسنة 2019 النافذ باستقطاع مبلغ الضرر الناجم عن امتناع اقليم كوردستان من تسليم الكمية المتفق عليها (250 برميل يوميا)، من حصة الإقليم المقررة في موازنة العام 2019. فضلا على مخالفة حكومة اقليم كوردستان نص المادة (10/ ثانيا/د) في قانون الموازنة الاتحادية لسنة 2019 النافذ، والقاضية بإلزام حكومة اقليم كوردستان عند حصول أي زيادة في الكميات النفطية المصدرة بإيداع الايرادات المتحققة فعلا لحساب الخزينة العامة للدولة، وقد تجاوزت صادرات الاقليم (500) الف برميل يوميا عام 2019 بحسب بيان وزارة النفط الاتحادية.

في منتصف العام 2020 وبعد حصول مصطفى الكاظمي على دعم الكورد في تشكيل حكومة جديدة، بادر الكاظمي فور استلامه الحكم في العراق في شهر ايار 2020 الى دفع مبلغ (400) مليار دينار الى حكومة اقليم كوردستان كبادرة حسن نية لاستئناف المفاوضات حول الخلافات القائمة، رغم صعوبة الوضع المالي الذي شهدته خزينة الدولة آنذاك، وفقدان العراق ثلثي ايراداته النفطية بسبب انهيار اسعار النفط في الاسواق العالمية. وقد اشترطت وزارة المالية في المادة (2) من كتاب التمويل المرسل للإقليم ضرورة التوصل لتسوية نهائية بين المركز والاقليم خلال موعد اقصاه (30) يوم من تاريخ ايداع مبلغ (400) مليار في حساب حكومة الاقليم.

وقد قيمت وزارة المالية مطلع شهر اب من العام الماضي نتائج سير المفوضات بين الطرفين بجدية ووضوح، بالإشارة الى ان الدفعات المالية المرسلة الى وزارة مالية اقليم كوردستان لم تصل الى المستحقين، بالإضافة الى تلقيها طلبات موقعة من عشرات الالاف موظفي الاقليم لربط مرتباتهم عبر الاليات المصرفية بالحكومة الاتحادية بشكل مباشر. فضلا على امتناع حكومة اقليم كوردستان عن تقديم الايرادات المالية المتحصلة من المنافذ الكمركية وهي مخالفة لمبدأ الشراكة الوارد في المادة 114 (اولاً) من الدستور لتأمين الرقابة على المنافذ الحدودية في الاقليم.

والمفارقة ان بيان وزارة المالية المذكور حول سير المفاوضات مع اقليم كوردستان، حمل الاخير مسؤولية عرقلة التوصل الى اتفاق عادل بين الطرفين يتسق مع الدستور والقانون، رغم استلام الاقليم مبلغ (400) مليار دينار، الا ان بيان وزارة المالية قوبل بكتاب موجه من الامانة العامة لمجلس الوزراء يُلزم وزير المالية صرف مبلغ (320) مليار دينار لحساب حكومة اقليم كوردستان. ويفصح الكتاب المذكور عن جملة من التجليات اهمها خضوع حكومة بغداد للضغوط السياسية على حساب المصلحة الوطنية، واستمرار استحواذ حكومة اقليم كوردستان على مبالغ ضخمة من الموازنة الاتحادية دون مقابل يذكر.

ورغم تكرار نكث الوعود والعهود التي يقطعها الكورد سنويا للاستحواذ على حصة من الموازنة الاتحادية مقابل الوعود فقط، فان قانون الموازنة الاتحادية لعام 2021 كان مخيبا للآمال ايضا بعد تضمين ذات النصوص الملغمة في الموازنة الجديدة، بسبب صفقة سياسية بين قادة الكتل والرئاسات الثلاثة جرت مطلع شهر كانون الاول 2020. فقد تضمن مشروع موازنة العام 2021 العديد من البنود التي تعيد نفس المشهد المتحيز لصالح الشمال على حساب موارد ومصالح الجنوب، وكما يلي:

1- لم تشر (مادة 11/ثانيا) في موازنة 2021 الى الية تسوية الحسابات بين المركز والاقليم اذا تنصل الاخير عن التزاماته، وكان ينبغي إضافة فقرة (وتتم تسوية الحسابية بين المركز والاقليم شهريا) الى نص المادة المذكورة، لأجل تصفية الحسابات بشكل شهري واستقطاع مبلغ الضرر الناجم عن عدم التزام الاقليم لشهر ما من التمويل المستحق للشهر الذي يليه.

2- لم يذكر مشروع الموازنة مصير ديون الحكومة الاتحادية المتراكمة في ذمة الاقليم بسبب عدم قيام الاخير بتنفيذ التزاماته المالية، مما ينبغي اضافة مادة تلزم الاقليم بتسديد ديونه الى بغداد نظرا لاستلامه دفعات مالية ضخمة دون مقابل خلال السنوات الماضية واخرها استلام الاقليم قرابة (10) ترليون دينار عام 2019 دون تسليم برميل نفط واحد الى الحكومة المركزية خلافا لنص قانون موازنة 2019.

3- كان ينبغي اضافة الفقرة التالية في نهاية المادة (11) الخاصة بالإقليم ((في حالة عدم ايفاء اي طرف (الحكومة الاتحادية، حكومة اقليم كوردستان) بالتزاماته النفطية والمالية المتفق عليها في هذه الموازنة يكون الطرف الاخر غير ملزم ايضا بالتزاماته نفطية كانت او مالية.))

نفط الشمال فوق القانون

أحصت شركة تسويق النفط الوطنية "سومو"، اواخر شهر تموز الماضي، مجموع إيرادات وصادرات النفط الخام خلال النصف الأول من العام الحالي. وأشارت سومو إلى أن مبيعات اقليم كردستان، التي جرت خارج صادرات شركة تسويق النفط الوطنية، والمصدرة من قبل الاقليم بشكل مباشر، بلغت بحدود (77) مليون برميل، في حين بلغ مجموع ايراداتها فيما لو حسبت بسعر تصدير برميل نفط خام كركوك من قبل شركة تسويق النفط بحدود (4.8) مليون دولار امريكي.

وعلى الرغم من المفاوضات المارثونية قبيل اقرار الموازنة وما تضمنته حينها من اتفاقات ضُمنت في قوام الموازنة تنص على أن يقوم الإقليم بتسليم كمية (250) ألف برميل يومياً من النفط، ونصف الإيرادات المالية الأخرى للحكومة الاتحادية، مقابل حصوله على نسبة (12.6%). الا ان الاقليم لم يسلم برميل نفط واحد الى بغداد ولم يحول ايضا قيم الايرادات النفطية او غير النفطية الى الخزينة الاتحادية كما نص الاتفاق.

وبحسب اعضاء في مجلس النواب العراقي فان بغداد وافقت على إرسال دفعة مالية أخرى قدرها (200) مليار دينار إلى إقليم كوردستان. بعد ان تم ارسال الدفعة الاولى الشهر الماضي. ويتوقع ان تستمر الحكومة الحالية في ارسال دفعات شهرية الى حكومة اقليم كوردستان دون غطاء قانوني وبشكل يخالف نصوص قانون الموازنة الاتحادية، والقاضية بإلزام الاقليم تسليم ايرادات نفطية لما لا يقل عن (250) ألف برميل يوميا فضلا على نصف الايرادات غير النفطية المتحققة في منافذ شمال العراق مقابل تسليم حصة الاقليم في الموازنة الاتحادية.

ان استمرار النهج السياسي الحالي لأحزاب السلطة الحاكمة والقائم على التحيز لحكومة الاقليم ومقايضة السلطة والمكاسب السياسية بثروات وحقوق المحافظات العراقية، والجنوبية بشكل خاص، أحد أبرز ملفات الفساد السياسي بشاعة في العراق. وينذر استمرار تلك الممارسات بتقسيم وحدة البلد وامكانية استقلال المحافظات الجنوبية المنتجة للنفط، خصوصا مع ضعف الواقع الخدمي وتهالك البنى التحتية وانتشار معدلات الفقر والحرمان في هذه المحافظات، مقابل تمتع محافظات الشمال بثروات الشمال والجنوب في ان واحد.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق