من يراجع تجارب التحول الناجح للشعوب في العالم، لا يجد في خلفياتها التنظير والتسطير لأفكار كبيرة، ورؤى بعيدة المدى، بقدر ما نلاحظ الممارسة العملية وتطبيق الشعارات بشكل متبادل بين القاعدة الجماهيرية والقيادة، من خلال برامج ومشاريع وخطوات عملية على أرض الواقع، فكانت النهضة الصناعية في الصين، والتحول الاجتماعي في الهند، والتطور السياسي في افريقيا الجنوبية، وتجارب تنموية في عديد من الدول المسماة بـ"العالم الثالث"، بينما نلاحظ في البلدان الاسلامية، وتحديداً الشرق أوسطية الخصبة للغاية في انتاج الفكر، تُخمة المكتبات بالمؤلفات الداعية الى النهضة، والتحرر، والاستقلال، والوطنية، و راح البعض يوغل في جلد الشعوب بأنها "ذات قابلية ذاتية للاستعمار"!

والبعض الآخر –في درجة أقل- دعى للجوء الى العنف لاستعادة الحقوق والهوية، ثم وقعت الثورات والتحولات السياسية الكبرى، ولكن لم تتغير حياة أحد في البلاد الاسلامية من ضنك العيش والحرمان سوى ضباط الانقلاب، ورموز أحزاب السلطة ممن وصلوا الى القصور الرئاسية فاتحين، ثم استوطنوها فارهين.

المنهج والناهج معاً

كلما اقترب القائد وصاحب نظرية التحول والتغيير من الجماهير أكثر، كانت فرص النجاح والانتصار أقرب، وهذه قاعدة لا يماري فيها أحد، حتى المنظرون والثوريون من سكنة القصور، إنما الفارق في درجة الانصهار بين "المنهج والناهج" كما يعبر عنه سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- في كتابه القيّم: "لنبدأ من جديد"، عندما يشير الى الحالة النفسية لدى الجماهير وكيف أنها تبحث عن عناصر الاطمئنان في شخصية القائد لتتبعه في مسيرة التحوّل، ويستشهد في ذلك بالمثل الأسمى؛ الرسالات السماوية، فان "كل كتاب سماوي كان معه نبي يمثله في أعلى درجات الفضيلة الانسانية والخلق الرفيع، لأن انضواء الناس تحت لواء إنسان او مجموعة لا يكون إلا بعد أن يختبروهم بالأهلية الكاملة، فالانسان يلاحظ القيادة والسيادة ايضاً، كما يلاحظ المادة والموضوع".

من أخطر وأفضع ما ارتكبته بعض التيارات الفكرية إصرارها على البدء من النخبة السياسية والاجتماعية في التحوّل ومن ثمّ التفكير بعامة الجماهير لإشراكهم في هذا المشروع الكبير، فكانت النتيجة كما نرى اليوم في عديد بلادنا الاسلامية عندما ألصقت بالدين والاسلام وصمة الفشل في الادارة والحكم قبل اصحاب الفكرة انفسهم، في حين يؤكد الاسلام في منهجه التغييري للانسان والمجتمع، البداية من القاعدة، ومن الانسان الفرد الذي بامكانه الإسهام في بناء مجتمعه وأمته، وأن يكون عنصراً ايجابياً وداعماً ضمن مجموعة العناصر المتماسكة والمرصوصة لمؤزارة القيادة، ثم تحقيق التحول المنشود، من خلال مواصفات ذكرها القرآن الكريم، وبينها الرسول الأكرم، وأمير المؤمنين، وسائر الأئمة المعصومين، صلوات الله عليهم.

مشكلة الناس ليست مع المنهج والشعارات المرفوعة التي عادة ما تكون ايجابية ومحببة الى النفوس، إنما المشكلة مع من يرفع هذه الشعارات ويروم قيادة الأمة، فهو الى جانب "سيل المؤلفات ينبغي أن يوازيه سيل من التعقّل لدى الإسلاميين"، بما يجعلهم قريبين من النفوس ومن قناعات الناس، وعندما يشير سماحة الامام الشيرازي الى إرسال الرسل من رحم المجتمعات والأمم الى الناس لنقل كلمات السماء وبشارتها للانسان، فانه يستوحي هذا من القرآن الكريم الذي يبين هذه الحقيقة في غير آية كريمة بأن الرسل والانبياء مثّلوا إرادة السماء كانوا افراد في ذلك المجتمع، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، (سورةالجمعة، الآية2).

فماذا يريد الناس لغذاء فكرهم و روحهم أكثر من هذا الثنائي المعرفي العظيم؛ الدين والأخلاق؟ وهنا مكمن الاطمئنان النفسي لدى الجماهير بأن من يتحدثون عن المنهج الاسلامي لا يريدون سوى الخير لهم، وليس كما حصل في العصر الحديث عندما تفاجئت الأمة بأشخاص وتيارات فكرية ترفع شعارات اسلامية مصحوبة بالعنف والدموية، وأن الفرد في الامة إما أن يكون مؤمناً بافكارهم وإما ان يكون كافراً!

المصاديق العملية على أرض الواقع

وشرط التحول الآخر؛ ايجاد المصاديق العملية للنظام الاسلامي المطروح على أنه البديل للانظمة الحالية التي يتحدث عنها الجميع بانها مصدر الشقاء والمعاناة وحتى الموت في العالم بأسره.

الجميع يقرأون القرآن الكريم، وايضاً روايات النبي الأكرم، والأئمة المعصومين، عليهم السلام، وسيرة حياتهم المليئة بالعبر والدروس، بيد أننا بحاجة للاستفادة من تلك العبر والدروس في حياتنا اليومية المعاصرة، كما استفادة منها أهل ذلك الزمان قبل حوالي اربعة عشر قرناً.

آلية التطبيق هذه تحتاج الى بحث موسع، ربما لا يسع المقام لها، إنما المهم في الخطوة الأولى وفي لحظة التحول؛ البدء من النخبة والطليعة ليجسدوا هم تلك المفاهيم والقيم في حياتهم، كما فعل الماضون من اصحاب الأئمة، واصحاب النبي الأكرم ممن سجل التاريخ اسمائهم ومواقفهم بأحرف من نور، وهذا ما يشير اليه سماحة الامام الشيرازي في كتابه القيّم؛ "السبيل الى إنهاض المسلمين"، الذي يخاطب النخبة والطليعة الطامحة للتغير الحقيقي وإنقاذ الامة مما هي فيه، فهو يشير الى جملة خطوات عملية تحت عنوان رئيس: "من أخلاقيات الحركة الاسلامية"، بأن يتحلّى القادة والنخبة المثقفة الواعية في المجتمع بالنزاهة والاستقامة والزهد والصمود، و"فهم ارتباطات الحياة".

هذه الجملة الاخيرة الواردة في كتاب سماحته –طاب ثراه- لها دخلية أساس في لحظة التحول من حال الى آخر مهما كان الوضع سيئاً والظروف صعبة، لأن هذا الفهم يمكّن الانسان القائد من فهم آخر وهو؛ "الاسباب والمسببات"، مع تأكيد علمائنا على مبدأ الاسباب في أي تحرك نهضوي او مسيرة نحو التغيير، إذ لا دخل للمعاجز والغيبيات في الموضوع، إلا في حالات نادرة وبإرادة وحكمة إلهية خاصة بعلمه –سبحانه وتعالى- وإلا فان المجتمع الذي يتخلّى عن إمام معصوم او حتى نبي عظيم، ولم يدافع عنه، فان حراب الأعداء واسلحتهم ستمزق جسد ذلك الانسان مهما كان عظيماً ومكرماً، ومتصلاً بالسماء.

هذا تبدو الفرصة ذهبية للتأكيد لجماهير بأن الزهد والتواضع والصدق والاخلاص وغيرها من القيم الاخلاقية والانسانية هي التي تبعث الروح فيما تحتويه الكتب من قصص وحوادث عاشها المعصومون في حياتهم في غابر الزمن، نعم؛ ربما تكون العملية شاقة وصعبة في الظروف الراهنة، مع الفارق بين ذلك الزمان الخالي من الامكانات المادية، وما نعيشه اليوم من تنوع الامكانات والقدرات وتطور الحياة بشكل عام، بيد أن الامر يستحق العناء لتقديم صورة عملية معاصرة للناس لكل ما يسمعونه ويقرأون عنه في الكتب عما كان عليه السابقون الأولون الى الإيمان.

ولعل تجشّم عناء هذه التطبيقات العملية في هذا الزمن المشحون بالتطورات التقنية واسباب الراحة والرفاهية، يكون باباً واسعاً لتفاعل ثم إيمان شريحة واسعة من الناس بما يسمعونه من أحكام ومبادئ وقيم جاءت في القرآن الكريم والعترة الطاهرة، فمن يتمكن من التخلّي عن الامتيازات والاموال وأسباب الرفاهية التي توفرها المناصب المرموقة، يتمكن ايضاً من قيادة مسيرة التحوّل نحو الأحسن، بل يكون مصدقاً اجتماعياً بالقدرة على انقاذ الناس –ولو تدريجياً وليس دفعة واحدة- مما هم عليه من ضنك العيش، والتخلف والفوضى.

اضف تعليق