في البدء أرى من الضرورة مراجعة سريعة لتناول قطاعات الدولة وفق النظام الديمقراطي، الدولة تتكون من ثلاثة قطاعات رئيسية كما مبين في الشكل (1)، وهو القطاع العام أو الحكومة وتتضمن السلطات العامة والقطاع الخاص وتعبر عن جميع شركات قطاع الأعمال الإنتاجية والتجارة وقطاع المجتمع المدني الذي يضم النقابات والاتحادات والروابط المهنية والمنظمات غير الحكومية ومراكز البحوث والدراسات المستقلة غير المرتبطة بالقطاع العام ويعبر مدى الاندماج بين القطاعات الثلاثة مؤشر للحكم الرشيد.

كما أن القطاعات الثلاثة تعتبر أصحاب المصلحة في ترصين الأداء العام ومدى تلبية احتياجات المجتمع وفق سياسات عامة في جميع المجالات وتعتمد على الجودة الشاملة وبالنتيجة الوصول الى رضا المستفيد تحسين جودة الحياة، وهنا القطاع العام يقود الدولة بسلطاتها الدستورية وكأفراد يكون لهم الحق في جودة الأداء العام كمجتمع إضافة الى مسؤوليتهم في إدارة الحكم ونفس التوصيف ينطبق على القطاع الخاص مرة يكونون منتجين للخدمات وأخرى متلقين لهذ الخدمات.

أما المجتمع المدني بمؤسساتها النقابية المهنية والمنظمات غير الحكومية يكونون متلقين لهذه الخدمات المنتجة من القطاعين العام والخاص مع حماية المستهلك كمجتمع، وهنا يتم تحقيق التفاعل الإيجابي بين القطاعات الثلاثة ويتطور الأداء العام لترسيخ الديمقراطية بأطرها الدستورية والقانونية وصولا لتحقيق الحكم الرشيد والتنمية والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان.

وفق هيكلية الدولة الديمقراطية يتكون القطاع العام من السلطات التشريعية والتنفيذية والتشريعية، مع مؤسسات النظام المدني كجهات المساءلة والمحاسبة والجامعات والإدارات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني.

نتناول هنا مؤسسات المجتمع المدني محل البحث وتنقسم الى ثلاثة أقسام وهي:

أولا: منظمات ذات المنفعة المشتركة، وهي النقابات والاتحادات المهنية، المنظمات السياسية، الجمعيات والاتحادات المرتبطة بقطاع الاعمال، الجمعيات التعاونية، المنظمات الترفيهية والاجتماعية كالأندية الاجتماعية والرياضية الجمعيات الدينية والاثنية ...الخ من منظمات ذات المنفعة المشتركة والخاصة بمجموعات إثنية ودينية ومجموعات ذات اهتمام مشترك.

ثانيا: المنظمات ذات المنفعة العامة الذي يستفيد منها الشعب بلا استثناء المؤسسات الخيرية الخاصة كحالات ذوي الإعاقة والخيرية العامة والمنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان والتنمية البشرية والديمقراطية ومراقبة الانتخابات والحكم الرشيد والنزاهة ومراكز البحوث والدراسات وجميعها غير ربحية ومستقلة غير سياسية ومن الممكن استغلالها في بعض المواسم السياسية وفي المدافعة والمناصرة والضغط.

ثالثا: المنظمات غير المرغوب بها وهي المنظمات ذات تأثير سلبي على المجتمع ولكنها موجودة على الأرض بشكل علني وسري، وهذه المنظمات يصطلح على تسميتها بالمنظمات الواجهية ولا منفعة عامة فيها كمنظمات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والأعضاء والمنظمات المتطرفة والمنظمات المرتبطة بالأحزاب السياسية وغيرها وحسب البيئة المجتمعية.

الأطار الدستوري، الدستور العراقي في الباب الثاني حقوق وحريات يضمن الدستور في المادة 15على أن العراقيون متساوون أمام القانون دون أي شكل من أشكال التمييز والمادة 20 يضمن حق المشاركة للمواطنين في الشؤون العامة، والمادة 22 ثالثا يضمن حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية، كما المادة 28 تضمن حق حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وصولا للمادة 45 تؤكد على حرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني ودعمها وتطويرها واستقلاليتها وبما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق أهدافها وتنظيمها بقانون كما أشرت لاحقا في البيئة القانونية، كما أعتبر أن الباب الثاني للدستور ساحة العمل الرئيسية لمؤسسات المجتمع المدني.

البيئة القانونية لمؤسسات المجتمع المدني في العراق

النقابات والاتحادات المهنية لها قانون خاص ينظم أعمالها وإدارتها وآليات الانتخاب وهيكليتها، أما المنظمات غير الحكومية لها قانون خاص بالرقم (12) لسنة 2010 وينظم عملها وإدارتها وفق نظام داخلي حسب تخصص المنظمات وآليات التأسيس والانتخاب واختيار مجلس الإدارة وشروط العضوية وإدارتها المالية وتقاريرها الدورية، تكون المنظمات غير الحكومية، مستقلة غير سياسية، تطوعية، غير ربحية، هذه هي المرتكزات الرئيسية لبيئة العمل.

مكامن التدخل السياسي في عمل المنظمات

إبتداءا كما أشرت سابقا حول البيئة الدستورية في الباب الثاني حقوق وحريات، لكن هنالك تحديات من الممكن استخدامها سياسيا جهويا وحسب التخصصات منها في صناعة الرأي العام باتجاهات محددة وحملات المدافعة والضغط، نشاطات الإغاثة والمساعدات الخيرية لتحقيق أهداف سياسية، النشاطات المتعلقة بالدعاية والإنتخابية ومراقبة الإنتخابات غير المستقلة لصالح جهات سياسية تمول هذه النشاطات.

من أهم الأدوار التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية هي المشاركة في صنع القرار، الرصد، المراقبة، المدافعة والضغط وفق تخصصاتها القطاعية، وهنا أيضا من الممكن تبني أهداف سياسية حسب جهة العمل الواجهية بغطاء الاستقلالية ولكنها وفق القانون وكشفها ليست بالأمر البسيط لأنها تندرج ضمن الحقوق والحريات.

المنظمات الأكثر عرضة للتدخل السياسي:

1. مراكز البحوث والدراسات.

2. مراكز صناعة وإدارة الرأي العام والإعلام.

3. حملات الضغط والمدافعة.

4. منظمات الإغاثة.

5. المنظمات الخيرية.

6. منظمات مراقبة الانتخابات.

التأثير السياسي

عادة التأثير السياسي تبرز من خلال تأسيس منظمات واجهة سياسية لتحقيق أهداف لا يمكن للجهة السياسية تحقيقها بالوسائل والآليات السياسية المتاحة في العمل السياسي نتيجة لوجود التزامات سياسية متبادلة بين أطراف متحالفة ومتفقة على تنفيذ برامج سياسية محددة.

أيضا من خلال تحشيد الجمهور في التظاهرات والاجتماعات العامة ومواسم الانتخابات والدعاية الانتخابية والترويج من خلال تأسيس أو استغلال منظمات الإغاثة بتقديم مساعدات مالية وعينية لفئات مجتمعية محددة كالنازحين كمثال، والقيام بأعمال خيرية لمساعدة فئات مجتمعية هشة أيضا من خلال تقديم المساعدات العينية والمالية ومن ثم الطلب منها للتصويت لصالح هذه الجهات السياسية ومرشحيها وتزويدها ببطاقات الدعاية وحسب الدوائر الانتخابية.

ومن المجالات المهمة للتأثير السياسي هي مراقبة الانتخابات وكما هو متعارف أن قانون الانتخابات وأنظمة العمل المعتمدة في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات هو نظام المراقبة بشقيها مراقبة ممثلي الكيانات السياسية وهي معروفة المهام، ومراقبي المنظمات غير الحكومية، هنا يكمن خطورة التأثير السياسي ومن العدل والإنصاف أن لا نعمم على جميع منظمات وشبكات المراقبة والمقصودة هنا ذات التمويل السياسي ومنظمات الواجهة السياسية، حيث يتم تشكيل فرق المراقبين مدفوعي الأجر كأسلوب لشراء الأصوات وأصوات الناخبين من أسر المراقبين، لأن الكيان السياسي أعداد مراقبيها محدودة وحسب الدوائر الانتخابية في حين مراقبي المنظمات أعدادها مفتوحة لتغطي أكبر مساحة جغرافية.

من المؤشرات المهمة والجوهرية أن شبكات ومنظمات المراقبة الانتخابية تصدر وتطلق تقاريرها الدورية لمراقبة الانتخابات وتعطي توصياتها وملاحظاتها على العملية الانتخابية ومجريات يوم الاقتراع حسب الأنظمة المعتمدة في مفوضية الانتخابات.

التوصيات

1. تعديل قانون المنظمات غير الحكومية.

2. تشريع قانون الصندوق الوطني لدعم المنظمات طبقا للدستور لعدم اتهامها بالتمويل الدولي.

3. خلق إرادة سياسية تترجم حكوميا في الحفاظ ودعم إستقلالية المنظمات غير الحكومية وتعزيز المشاركة في صنع القرار.

4. إستحداث شرط يمنع رئاسة وعضوية مجالس الإدارة من قبل العاملين في الحقل السياسي رسميا وحزبيا لحين زوال الصفة السياسية.

5. تعديل قانون الأحزاب السياسية يمنع ويجرم إستخدام المنظمات كأدوات لتحقيق أهداف سياسية.

ومن الله التوفيق.

* ناشط مجتمعي في مجال إدارة الحكم والديمقراطية والحكم الرشيد ومكافحة الفساد.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق