المواطن العربي حائر في أشد المواقف وضوحًا، لا يعرف أين يتجه، هل يؤيد وجود فلسطين كدولة صاحبة الحق القانوني والشرعي، أم يؤيد وجود إسرائيل كدولة فرضتها الظروف السياسية الدولية والهشاشة العربية، هل يركب قطار التطبيع السريع؟ أم يهبط إلى انفاق المقاومة في قطاع غزة يتحمل الحصار والتجويع والقتل أمام انظار مجلس حقوق الإنسان؟

إنها حيرة المواطن العربي في تحديد بوصلة المواقف، قد يكون تعلم الاعتماد على الغير في تحديد مواقفه منذ لحظة اعتماده على أقمار "جي بي أس" والأسلحة الغربية في تحديد جغرافيا أهدافه، وربما قبلها بكثير، لأنه لا يريد أن يرهق عقله في البحث والتقصي واتخاذ القرار الحر، بل يتكئ على غيره منذ ظهور جماعة المرجئة التي ترحل المشكلات إلى عالم الآخرة والجبرية التي تلقي المسؤولية على الخالق دون المخلوق.

تلك الدعاية السياسية التي أطلقها أنصار معاوية من أجل بناء جدار عازل عن أخطائه السياسية وتحييد الرأي العام في صناعة القرار الصائب لمصلحة الأمة، فتحولت القيم المنشورة عبر أجهزة الدعاية إلى منهج وسلوك وترسبت في جينات العرب والمسلمين إلى يومنا هذا.

العربي مشوش هذه الأيام، لا يقوى على بناء الحد الفاصل بين فلسطين وغير فلسطين، ولنكن أكثر جرأة وصراحة مع الذات، هو لا يقوى على بناء الحد الفاصل بين اسرائيل وفلسطين، لأنه مواطن خائف من اتخاذ القرار، خائف من الحرب وخائف من "السلام"، مع التحفظ على كلمة السلام لأن أي سلام مع اسرائل وهم وأكاذيب.

هل نحن "وطنٌ عربي كبير" أم مجموعة الدول التي تنطق اللغة العربية؟ لا أحد يملك الإجابة لأن المواقف السياسية هي المحدد الرئيسي، دولة ذهبت في اقصى الغرب وتغربت أكثر من الغربيين، والتزمت الدفاع عن الكيان الإسرائيلي المحتل أكثر من الغربيين.

هذا النوع من الدول الذي يروج لما يسميه "السلام" يكذب على نفسه أولًا، وعلى غيره ثانيًا، لأن التعبير الأدق لعلاقاته مع الكيان الإسرائيلي هي الخضوع للشروط الإسرائيلية ومحاولة الحصول على صك الحماية منها خوفًا من زحف الشعوب إلى قصور الأمراء وعماراتهم الطويلة الفاقدة لشموخ الإنسان الحر.

لا عزاء لهذا الفريق المستعد لتقبيل يد الإسرائيلي مقابل الحصول على حماية كاملة للعرش، وتوفير أجهزة التجسس الالكترونية والبشرية من قبل الموساد والشركات التكنلوجية من إسرائيل ليس لخلق "السلام" كما يدعي، بل لخنق المواطنين في بلده حتى لا يقولوا نريد المشاركة في حكم البلاد.. إنه غاصب لحق غيره على شاكلة نظيره الإسرائيلي، وشبيه الشيء منجذب إليه.

الفريق الثاني يتكون من مجموعة الدول العربية الهشة وغير المستقرة سياسيًا، ما يزال الحاكم هناك مرتبك، لا يستطيع السيطرة على الشارع، الشعب لديه بقايا من سلطة التأثير على الحاكم الذي يعي هذه المعادلة جيدًا.

الحاكم في الدول العربية الهشة يعرف حجم سلطته، فهو يتمنى تقديم فروض الطاعة للكيان الإسرائيلي لكنه يخشى في الطرف الآخر من انفلات السلطة قبل إكمال العملية، لذلك هو يعيش بين نارين، نار الرفض الشعبي لأي فكرة للقبول بالواقع الذي فرضه المحتل الإسرائيلي، وبين رغبته الدفينة في الحصول على الأمان الشبيه بامارات عربية أعلنتها عملية خضوع شامل وغلفتها بغشاء رقيق اسمه "السلام واتفاقات التطبيع الابراهيمية".

أما الفريق الثالث الذي يتبقى للمواطن العربي فهي الحركات المسلحة الفلسطينة واللبنانية التي ترفع قليلًا من السلاح وكثيرًا من الشعارات بوجه الكيان الإسرائيلي، وهذه الحركات تعاني من ضعف عام في التنظيم والتسليح والتنظير والتفكير والاستراتيجية والدعم الإعلامي والسياسي.

بل تعاني من التضييق والخنق الذي يمارس عليها اعلاميًا وأي حرب بدون إعلام حرب خاسرة، أما اذا كانت حرب لجماعات مقاومة فالإعلام بالنسبة لها مثل الشريان الأبهر، فقدت هذه الحركات أول نقاط قوتها، فتعرضت للتشويه والتنكيل، ولا ننكر أنها تملك من الأخطاء ما لا يحصى، لكن اخطاءها لا تعادل ربع أخطاء الأنظمة العربية الديكتاتوية الفاسدة.

كما أن الميزة التي تتمتع فيها الحركات المسلحة الفلسطينية واللبنانية، من كونها تملك سجلًا حافلًا في المواجهة مع الإسرائيلي يعطيها رصيدًا من الثقة والمضي في الطريق.

لكن هل هذه هي حركات المقاومة المامولة لأيقاف انتهاكات الكيان العنصري الإسرائيلي؟ بالتأكيد لا.

المقاومة الحقيقية بحاجة الى التنظيم والتسليح والدعم المالي والسياسي، والأهم، أن لا تتدحرج مع الأنظمة السياسية الحاكمة عربيًا واسلاميًا لأن قضية مثل القضية الفلسطينية لا يمكن أن تخضع لنظام المساومة إلا بعد عودة الأطفال المشردين وبناء النفوس المكسور.

وافتقاد الحركات المسلحة الفلسطينية للكمال في التخطيط والتنظيم والتسليح يستخدمه العدو للايقاع ليس بها فحسب، بل في القضية برمتها، يريد أن يسقطها من حسابات المواطن الفلسطيني والعربي، ويجعل ضعف الحركات المسلحة وعدم قدرتها على القيام بوظيفتها دليلًا على عدم عدالة القضية الفلسطينية.

هنا يجب أن نضع الحد الفاصل بين مشكلات الحركات المسلحة كقضية بحاجة إلى إعادة النظر فيها بشكل كامل، وبين القضية الفلسطينية وعدالتها.

أن يفشل الفصيل المسلح في تحقيق الانتصار فهذا لا يعني أن القضية غير عادلة، وأن يخضع لمنطق الحسابات السياسية لبعض الدول فهذا لا يعني ايضًا أن القضية غير عادلة، ولا يمكن تسويق هكذا تريرات بالمطلق، هناك فاصلة واضحة بين عدالة القضية وبين الأخطاء في معالجتها لكن التطبيع لا يمكن اعتباره خطأ عابرًا بل خطيئة مقصودة من أصحابها هدفهم تثبيت الأنظمة الديكتاتوية وقمع الشعوب العربية، وهذا بحد ذاته يكفي لاستمرار الكفاح حتى نيل الحرية الحقيقية للشعوب العربية أولًا واستعادة الأرض الفلسطينية بشكل كامل.

اضف تعليق