لم تكن السعودية دولة ودودة مع كل العرب، كانت تهاجم الأردن في خمسينيات القرن الماضي وتهاجم العراق وتقف سداً منيعاً لطموحات العراق في تعزيز موقعه كقوة إقليمية، ووقفت السعودية ضد طموحات المصريين منذ عبد الناصر وحتى الآن، ووقفت ضد اليمنيين، وفرضت حصاراً ضد قطر وتعيش منافسة شرسة مع الإمارات وساهمت بالحرب على سوريا وشجعت إسرائيل على مهاجمة لبنان.

السعودية دولة لا ترى في العرب إلا رعايا للملك، وهي تطمح للسيادة عليهم، وعندما يزورها مصطفى الكاظمي ويعزز علاقته بها فعيه أن يعرف أن سبب خراب علاقاتنا ليس العراق بل سياسات السعودية تجاه جميع العرب. لا ذنب للعراق بالإبتعاد عن العراب لأنهم هم من أبعدوه وهم من هاجموه وهم من رفضوا الإعتراف بالنظام السياسي الحالي.

وإذا كان من فخر بزيارة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي فالسعودية أولى بالافتخار أكثر من افتخار العراق بالزيارة، لقد حاربت السعودية على المستويات المختلفة ضد الشعب العراقي وحكومته ونظامه السياسي بالكامل عندما كان تحت الاحتلال الأمريكي، بل أن أحد أهم الداعمين للغزو الأمريكي هي السعودية نفسها، وبعد الغزو بدأت تظهر الفتاوى الدينية من السعودية وأمام قياتها العليا بدون أن تحرك ساكناً.

السعودية ذاتها التي كانت منصاتها الإعلامية تصف الجيش العراقي بجيش المالكي، وتدعم بطريقة أو أخرى الجماعات الإرهابية إعلامياً من أجل استمرار الزخم نكاية بالحكومة آنذاك بينما يسقط آلاف العراقين تحت تأثير هذا الدعم السعودي.

لننسى الماضي

هذا هو التاريخ، وهو جزء من أخطاء السعودية تجاه العراق، ولا يمكن للتاريخ أن يتوقف على الأخطاء، بالتأكيد نحن مع إنهاء الخلافات، والتوقف عن الصراع، لكن هل السعودية مستعدة لهذه المرحلة؟ وهل هي جادة بفتح صفحة جديدة مع العراق؟ ولماذا تعزز علاقاتها في هذه الأيام تحديداً؟ وما مدى ديمومة العلاقات العراقية السعودية؟

عندما نتحدث عن أخطاء سياسية في التعاطي السعودي مع العراق، فيجب عليها أن تبين صدق نواياها بالتعامل الإيجابي، بطريقة دولة مقابل دولة، وليس على شاكلة الأمراء والأوصياء على العراق، كما تفعل أمريكا وإيران حالياً، لا يمكن للسعودية أن تتعاطى مع العراق بمنطق الضعيف، لأنه ليس كذلك رغم الخلافات السياسية لأن قوة العراق تقع في مجالات أخرى لا تملكها السعودية، قوة العراق في تنوعه السياسي ونظامه الديمقراطي الفتي، وحرية الرأي والتعبير النسبية لكنها مهما ضعفت فهي أفضل بعشرات المرات مما هو موجود في السعودية.

هذه نفطة القوة الأولى التي لا توجد في السعودية، أما على مستوى المال، فالعراق ثري جداً ولا يحتاج إلى أحد وهذا ما يفرض على الرياض أن تتعامل مع بغداد بنفس المستوى لا أن تعامله على الطريقة الامريكية والإيرانية سيئة السمعة، حيث تقوم هذه الدول بالتعامل على شكل نظام الوصاية.

ما يفتقده العراق هو التدخلات السياسية، والصراع الإيراني الأميركي على أراضيه، وإذ نحذر من العلاقة مع السعودية لأننا لا نريدها أن تضيف لنا صراعاً جديداً، بل نريدها أن تكون علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل، وهذا الشرط غير متوافر في السعودية لأنها لا تستطيع أن تبني علاقات على أساس احترام سيادة الدول الأخرى.

أزمة السيادة

لناخذ على سبيل الذكر محاولات السعودية التدخل بالقرار السيادي القطري، فقد حاولت فرض وصاية كاملة على الإمارة الخليجية لأنها تختلف معها سياسياً، رغم أن الدولتين أعضاء في مجلس التعاون الخليجي، ووصل بالسعودية فرض حصار بري وجوي وبحري على قطر وحاولت التدخل بأمور سيادية واضحة لأنها تخالف الاهواء السعودية.

أختلفت وعاقبت باكستان لأنها اتخذت مساراً مختلفاً عن مسار السياسة السعودية في شبه القارة الهندية.

كما مارست أشد أنواع التدخل السياسي عندما اعتقلت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري حليف الرياض لأنه لم ينفذ ما طلبته السعودية في بلاده، ثم سحبت استثماراتها ومارست أنواع الضغوط على بيروت لأنها لم تحصل على ما تريد، والأسوأ أن الرياض كانت تمارس سياستها بطريقة بدائية.

أما الحرب ضد اليمن فتلك حكاية يعرفها الصغير والكبير، إذ أنه ورغم قناعتنا بحق السعودية بحماية حدودها من التدخلات الأجنبية، لكننا نرى كما يرى العقلاء، أن هناك طرقاً كثيرة كان يمكن اتباعها لمعالجة الازمة اليمنية، لكن كما عهدتنا القيادة السعودية فقد اتخذت طريق التهور وذهبت للحرب، وهي الآن تتوسط للخروج منها بأي طريقة كانت ولا تعرف السبيل للنزول من السلم.

الدرس السعودي

لا ندعو في هذا المقال لقطع العلاقات مع السعودية، ولا نرفض زيارة السيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بل نشد على يديه، وندعوه إلى تعزيز العلاقات الخارجية مع السعودية وغيرها من الدول، إلا أننا نضع أمامه هذه الإخفاقات السياسية للسعودية حتى لا يذهب بعيداً في تفاؤله بدون أخذ هذه الإشكاليات في السياسة السعودية الخارجية ويقع العراق رهينة بيد الرياض.

كما أن العراق ليس بحاجة إلى وصاية ثالثة تضاف إلى الوصايتين الأمريكية والإيرانية، بل نريد من العلاقات مع السعودية وغيرها أن تكون هي المفتاح لفك العقدتين الإيرانية والأمريكية، رغم صعوبة تحقيق ذلك، لكن العمل الدبلوماسي الذكي والجاد سيحقق الكثير من السعودية على ما لديها من أخطاء.

المسار الدبلوماسي الخارجي مهم لتعزيز الدو الإقليمي للعراق، وفي دعم موقفه الداخلي عبر الاستثمارات المحفزة للاقتصاد، لو أخذت القيادة العراقية الدروس التاريخية بنظر الاعتبار حتى لا تقع بالاخطاء السابقة مرة أخرى.

اضف تعليق