تثير مناقشات مهمة عن هوية المواطنة الدستورية وازمة سيادة الدولة العراقية التي يعقدها ملتقى بحر العلوم ومعهد العلمين تساؤلات مهمة جدا عن ذلك الحاجز المطلوب عدم تجاوزه من قبل القوى السياسية الفاعلة لتقديم الهويات الفرعية على الهوية الوطنية الشاملة الجامعة، لذلك لابد من مناقشة موضوعية لهذه التساؤلات مثل: ما حقيقة فشل مجلس الحكم والجمعية الوطنية ولجنة كتابة الدستور من الاتيان بما يرسخ قناعات العراقيين بكونهم شعبا واحدا في دولة العراق الواحد، وطن الجميع؟

هل ما نفذ من أدوار، لكل من شارك في مجلس الحكم او الجمعية الوطنية التأسيسية، ومن ثم لجنة كتابة الدستور، الذي انتهى الى نظام المحاصصة ومفاسده، ليكون عراق اليوم بلا إباء مؤسسين، بل امراء طوائف سياسية!؟

والدفاع عن هذا الفشل المتواصل منذ قبول فكرة الاحتلال الامريكي للعراق والقدوم على ظهر دباباته، يجعلني استغرب القول ان العراق بمكوناته ليس شعبا انما شعوبا لكل منها مصالح تختلف عن الاخر، لان مقارنة هذا القول مع ابسط معايير الفقه السياسي المقارن يتضح ان الولايات المتحدة الأمريكية المكونة من مجموعة مهاجرين انصهروا في بوتقة شعب واحد تحت سلطة دستور كان للاباء المؤسسين للدولة الأمريكية دورهم ، في ذلك فيما واقع حال العراق على الاقل في قرن مضى على تأسيس الدولة العراقية الحديثة ١٩٢١.

يؤكد ان هذا الشعب بكل تنوعاته موجودا على هذه الأرض، ويحتاج الى ادارة الحكم الرشيد والمواطنة الصالحة لتنمية مستدامة توظف ريع النفط في ازدهار ورقي مواطنيه، بدلا من فرضيات الحروب وأنظمة فكرية تفرض على العراقي نظرياتها بدكتاتورية مقيتة.

مثال اخر ان المواطن في دول الاتحاد الاوروبي اليوم بعد حربين عالميتين ينصهرون في مواطنة أوروبية، لان الآباء المؤسسين لهذا الاتحاد استطاعوا اقناع ذلك المواطن في هويات دول ذات سيادة، ان الحفاظ على خصوصية الهوية الفرعية حسب الدول انما تحتاج الى هوية الوحدة الاوروبية.

وهذا الموضوع سبق وان حدث في الهند حتى بات الفرز بين المسلمين الهنود وغيرهم نوعا من تطبيق سياسة فرق تسد فيما جمهورية لهند اليوم تضم اكثر من ١٥٠ مليون مسلم يحتفظون بهويتهم الدينية في نظام ديمقراطي يدير دولة تضم اكثر من مليار مواطن!

وكان هذا الحاجز بين الهويات الفرعية والهوية الوطنية ابرز معالم تخلف ماليزيا قبل ظهور محمد مهاتير، الذي جعل الجميع يلتفتون الى شعاره الاول المتمثل بخارطة ماليزيا وعليها الرقم واحد، فذابت خلافات الهويات الفرعية من اجل ان تكون الهوية الوطنية الشاملة الرقم الأول في حياة كل مواطن ماليزي.

لذلك مقارنة ذلك بطروحات البعض من الاكاديمين والمثقفين للتمسك بالهوية الفرعية ورفض وعدم التعامل مع ضرورات وشروط الهوية الوطنية العراقية الجامعة انما يرسخ الشقاق المجتمعي ويؤكد مفاسد المحاصصة ويروح لثقافة الازمة وليس البحث عن الحلول الفضلى المطلوبة.

ومثل هذا الاختلاف في الرأي يفسد حالة استكشاف مفردات الحوار الوطني المنشود ويؤكد المسؤولية المباشرة لما جاء به مجلس الحكم الذي ما زال الكثير من شخوص أعضاءه يتصدون لسلطان الحكم، بانهم وما نتج عنهم في الجمعية الوطنية العراقية ولجنة كتابة الدستور العراقي لم يكونوا الآباء المؤسسين لعراق جديد ما بعد ٢٠٠٣، بل مؤسسين لتفرقة شمل الجمع العراقي المجتمعي والاتيان بنظام المحاصصة الذي جر البلد الى ما هو عليه اليوم.

السؤال كيف يمكن ان يقتنع الكردي والشيعي والسني والتركماني وغيرهم، إنهم عراقيون اولا يحافظون بالمواطنة العراقية الدستورية على هوياتهم الفرعية، لا ان يتمسكوا بها ضد المواطنة الدستورية، تلك هي مهمة الآباء المؤسسين لعراق مدني عصري حضاري في عقد دستوري اجتماعي جديد، لكن على الجميع الإعتراف ان اجندات الاحزاب التي تلغي المواطنة الدستورية مقابل تعصب قومي، او تقديم هوية التكليف الشرعي في نموذجي البيعة والتقليد، هي ما ادت بمجلس الحكم والجمعية الوطنية العراقية ومن ثم لجنة كتابة الدستور لترجمة واقع تلك الاجندات الحزبية وفق هوياتهم الفرعية.

من دون ترسيخ الأسس الدستورية المطلوبة لاعلاء الهوية الوطنية العراقية الجامعة، واي مبادرة لحوار وطني جديد لا تناقش هذا الحاجز الفاصل بين الولاء الدستوري لعراق واحد وطن الجميع، لن تحقق الا المزيد والمزيد من الدمار والحرائق للمواطن العراقي، يبقى من القول لله في خلقه شؤون.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق