الخلافة كما يعرِّفها الفراهيدي في كتابه العين: (والخليفةُ: من استخلف مكان من قبله، ويقوم مقامه)، فجلوس موجود مكان موجود آخر يسمى: خليفة. وهذا المعنى اللغويُّ أشار إليه كلُّ المفسرين، قال السيد الطباطبائي في الميزان: (والخلافة: وهي قيام شيء مقام آخر، لا تتم إلا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف). وذكر الرازي في تفسيره: (الْخَلِيفَةُ مَنْ يَخْلُفُ غَيْرَهُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ)، بعد هذا يتَّضح أنَّ الخليفة هو من يقوم مقام غيره، وهذا (الغير) هو الذي يحدد خليفته، ولهذا وجب أن يكون المستخلَف موافقا للمستخلِف، لا معاندا له، ولا مخالفا.

وأوضحت آية الخلافة- وهي الآية الثلاثون من سورة البقرة- أنَّ لله خليفة، وهذه الخلافة هي خلافة الهيَّة، وليس المقصود منها خلافة رسول الله، أو الخلافة السياسية، إنّما هي خلافة عن الله سبحانه، وهي بهذا أعظم شأنا من الخلافة عن رسول الله.

تقول الآية الثلاثون من سورة البقرة: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).

من الواضحات أنَّ الخلافة التي أشارت إليها الآية الكريمة لم تكن لزمان واحد، إنما هي مستمرة، غير منقطعة، بدليل اسم الفاعل (جاعل)، الذي ورد ذكره في الآية المباركة، فاسم الفاعل يدلُّ على استمرار الحدث، كما يدلُّ الفعل المضارع على الاستمرار، وذلك من المسلمات في اللغة العربيّة، التي ذكرها اللغويون.

وتدلُّ الآية الكريمة أنَّ ملاك خلافة هذا الخليفة هو العلم، وليس العصمة؛ وهذه أهم ميزة ينماز بها خليفة الله، فلو كان الملاك لهذا المخلوق هو العصمة، لاستحقَّها الملائكة؛ لأنَّ الملائكة معصومون، ودليل ملاك العلم له قوله تعالى: (وعلَّم آدمَ الأسماء)، لهذا لا يجوز القول أنَّ ملاك الخلافة هي العصمة، لأنَّ النصَّ القرآني بيّن ذلك، وهذا القول لا يُنفي العصمة عن الأئمة عليهم السلام، إنّما ما نريد أن نقوله إنَّ الملاك الخلافي لهذا المخلوق هو العلم عن الله، لا شيء آخر، فليس كل معصوم عالم، فالملائكة معصومون، ولكنَّهم ليسوا أصحاب علم، بدليل قوله تعالى (قالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ)، فهذا المخلوق الملكوتيُّ هو الذي أخبر الملائكة بما لم يعلموا، إذن هو أعلم منهم، فالعلم هو الذي يورث العصمة، وهي تابعة له.

ونقصد بالعلم هنا، هو العلم الخاص، الذي علَّمه الله سبحانه وتعالى لأنبيائه، وأوصيائه، وأوليائه، ولهذا أرى أن نضع اليد على علم آل بيت النبيِّ، ومتابعته عندهم، أكثر من متابعة عصمتهم، لأنَّهم به عُرفوا أكثر من معرفتهم بها، فقد اتَّفقت كلمة المسلمين على حديث رسول الله صل الله عليه وسلم: (أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها)، وقال: (أقضاكم عليٌّ)، ولا يُلتَفت إلى قول الأصبهاني (430هـ) وغيره: الذي قاله في هذا الحديث، أنَّه يمكن أن يدفع إلى القول أيضا (أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ، وَأَقْرَؤُكُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أُبَيٌّ. فَكَيْفَ يَكُونُ أَعْلَمُ وَغَيْرُهُ أَفْرَضُ، وَأَعْلَمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَأَقْرَأُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ)؛ ففي قوله هذا تهافت، فالحديث لرسول الله، وليس لزيدٍ من الناس، ومعنى هذا أنَّ عليًّا أقضاهم بكتاب الله، لا بشيء آخر، لأنَّ الرسول جاء به، وقضى به، وأمر به، فمن كان أقضى الناس بكتاب الله، فهو أعلمهم به، ومن أقضاهم بكتاب الله فهو أعدلهم؛ لأنَّ سمة القضاء بكتاب الله العدل، وهذا ما لا خلاف فيه عند أهل العقل، والبصيرة.

والملاحظ هنا أنَّ القرآن قال (أنبئهم)، ولم يقل علّمهم، فهو إخبار لهم، وهو أنَّ الذي عند آدم ليس عندهم، ولهذا :( قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا)، وهذا يدلُّ على تفضيل الخليفة الالهي على سائر الملائكة؛ إذ أنّه أعلم منهم، بدليل قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ)، وعن الرسول الأعظم أنَّه قال: (سبَّحنا، فسبَّحت الملائكة)، فهم سلام الله عليهم المعلمون للملائكة.

وهنا يجب أن نضع سؤالا، كيف يحصل هذا المخلوق الملكوتي على علمه من الله؟ هل يكون ذلك بواسطة، أو من غير واسطة؟

إذا رجعنا إلى الآية الكريمة موضع البحث، لوجدنا قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها)، ففاعل الفعل (عَلَّم) هو الله سبحانه؛ بدليل قوله: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها)، فالفعل (علّمَ) -كما هو واضح- يعود على لفظ الجلالة، فهو المعلِّم لهذا الخليفة بلا واسطة، ولهذا يمكن القول إنَّ الرسول وأهل البيت هم الصادر الأوّل للفيض الالهي، وهم أصبحوا المعلم الأول للملائكة، بقرينة قوله تعالى: (قالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ).

ومن هنا يمكن القول إنَّ آدم الذي في الآية هو ليس آدم أبا البشر؛ لأنّه من غير الممكن أن يأخذ آدم أبو البشر العلم من الله بدون واسطة، ويصبح واسطة فيض للرسول الأعظم، وهو ليس نبيّا من أنبياء أولي العزم، قال تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). ودليل هذا أيضا، أنَّ آدم الذي في الآية قد تعلّم كلَّ الأسماء، وممّا لا شكَّ فيه أنَّ من بين الأسماء التي تعلمها هي إبليس وعمله، فكيف استطاع إبليس أن يُخرجه من الجنّة، وهو عالم به وبأفعاله؟ فهذا يدلّ أنَّ آدم الذي خرج من الجنة، بعدما أزلّه الشيطان لم يتعلم بعد، وأنَّ آدم المذكور في الآية هو آدم الملكوت، لا آدم أبو البشر. وللبحث تتمّة.

* جامعة القاسم الخضراء/تخصص: اللغة العربية

اضف تعليق