وددت أن أُشير الى بعض المصطلحات في علم اللغة والنحو والمرادفات والمفردات والاصطلاحات، هناك مصطلحات ومفردات ترد الى مسامعنا، منها العدل منها العدالة ومنها الأنصاف ومنها المساواة، لكل منها معنى مختلف عن الاخر، هم لا يجتمعون في كل المعنى على صورة مطلقة بل يجتمعون في بعضها بصورة نسبية.

وأننا إذ نتحدث اليوم عن إنصاف الامام علي (عليه السلام) وعن عدالتهِ وعن مساواتهِ وعن عدله، فإننا وددنا الخوض في تلك المفاهيم من وجهة نظر قانونية للدولة التي أرسى مفاهيمها الامام بمعناه الحديث المعاصر، وكما هو معروف في القانون لدينا، هناك تعريفات لغوية واحياناً دينية فقهية واحيانا تعريفات قانونية واجتماعية فيعرف العدل بانه وضع الامور وفق وجوهها وقضائها ومقدارها دون افراط ولا تفريط وفي اوقاتها دون تقديم ولا تأخير، وهذا هو ما نسميه في القانون بالمساواة المطلقة المجردة وبهذا المعنى، لايستطيع البشر العادي على تطبيقه الا من وقف على الحكم كل الحكم سواء كان حكماً شرعياً الهياً او كان حكما واقعياً ووضعياً.

هذا العدل لايقدر عليه الا الله سبحانه وتعالى وكذلك المعصومين من الانبياء واهل البيت (عليهم السلام)، وتجسدت تلك الحقيقة في الامام علي على اعتبار انهم ذرية بعضها من بعض كما قال القرآن الكريم.

كان الامام علي عارفاً بالحكم الشرعي الالهي ولكنه واقعيا حيث سخر ما يملك من الحكم الإلهي العارف به ومازج به واقع الحياة بظروفها وملابساتها.

اما العدالة فهي قانونا نعني بها المساواة غير المجردة بمعنى المساواة الواقعية التي تنزل الى الظروف المحيطة والملابسات الثانوية والفروع الاخرى الصغيرة التي تمس كل انسان على حدة لتصل الى نتيجةٍ اسمها الانصاف.

الانصاف معناه هو الشعور بالرضى (الرضى النفسي) بالحكم فهو لايعني المساواة بل هو الشعور بالرضى للحكم، اذن (العدل) متعلق بالفرض و(الانصاف) متعلق بالحكم، الشعور بالرضى لا يعني احيانا ان نكون متساويين في جهة واحدة، انصاف الآخر واشعاره بالرضى قد يكون احيانا فيه ميلٌ نحوه اي اشعاره بالرضى ايثاراً منا له وهذا ما عبر عنه الامام علي عندما قال لو ثُنيت لي الوسادة لقضيت بين اهل التوراة بتوراتهم وأهل الانجيل بإنجيلهم واهل الفرقان بفرقانهم لعلمه بالحكم، الحكم الإلهي، كان بإمكانه واستطاعته ان يحكم، بما يملك من معرفة الحكم الإلهي، دون الرجوع للتوراة او الإنجيل ولكن ارضاءاً لهم نزل إلى ما يعتقدون من اسانيد وهذا هو الانصاف.

اذن عندما نتحدث عن المنظومة القانونية التي أنشئها حكم علي (عليه السلام) التي هي كانت امتداداً لسلالة النبوة، هذه المنظومة مهما شققنا وفرعنا عنها وجدنا بأنها مصداق لكل النظريات الحديثة القانونية التي تحكم حياة البشر في الوقت الحالي تحت مسميات، كانت تسمى الإدارة الجيدة ومرة الإدارة الصالحة ومرة تسمى بنظام الحكم الرشيد والتي تستند إلى مقومات اساسية (مقومات الحكم الرشيد) منها، الشفافية، العدالة ثم تساوي وتكافل الفرص للجميع وحاكمية المؤسسات القانونية اي بمعنى ان كل المقومات لاعبرة لها ان لم تشع روح القانون بمعنى حاكمية القانون على الجميع.

هذا ما حققه الامام علي في القضاء وفي الشرطة والداخلية فهو اول من اقام السجون للإصلاح واول من اسس للشرطة الاجتماعية في الحياة، اول من اسس للشروط العامة في القضاء التي هي امتداد لمنهاج النبوة حيث وضع معايير لتولي الوظائف العامة منها الكفاءة العلمية والشخصية، وحق التنافس وتكافل الفرص والمساواة أمام مؤسسات الدولة وان كانت مسمياتها مختلفة وعدالة التوزيع والانتاج وهذا ما اثبت مصداقيته في قصته المشهورة والكل يعرفها مع اخيه عقيل عندما كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث كان ضريراً وأراد حصة اضافية من الطحين يعيل بها نفسه وعياله لكنه عليه السلام اعطى له من حصتهِ الشخصية ولم يؤثره على الاخرين، انطلاقا من مبدأ عدالة التوزيع والكل متساوون في الحقوق وانعدام المحسوبيات والمنسوبيات، التي هي من أولى مقومات الحكم الرشيد، لذلك نقول بان المجتمعات تزدهر وتنمو بوجود العدل.

حيث ان لكل الدول ان تتطور في حال انها استندت الى مبدأ اساسي في الحكم وهو العدل الذي منه تتحقق التنمية بفروعها كافة الاقتصادية، الاجتماعية، العمرانية، الثقافية والسياسية التي هي بالمفاهيم الحديثة نسميها التنمية المستدامة والتي تتضمن احترام حقوق الإنسان والتطور والعمران ومبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون.

وهذه هي شرعة ومنهاج الله على الأرض بسيرة انبيائه وسلسلة النبوة منذ آدم عليه السلام وانتهاءً بمحمد (ص) في نظرية استخلاف الانسان على الأرض وفق معادلات ثابتة وضعها الله تعالى حيث قال لن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.

واستمرت بوصيه الامام علي لتصل الى صاحب العصر والزمان المهدي المنتظر (عجل الله فرجه)، حيث اننا لم نسمع ولم نقرأ بعلمي البسيط المتواضع ان حكم إمام اخر الزمان لم يقرن بصفة او قرينة الا بصفة العدل والقسط حيث روي ان إمام اخر العصر يملئ الارض قسطا وعدلًا، وهذا دليل على ان ديمومة المجتمعات ورفاهيتها وتحقيق استدامتها يكون بالعدل، هذه السلالة التي ضمن الله سبحانه وتعالى بوحدة مسيرتهم ومنهجهم وطريقتهم، عندما قال ذريةً بعضها من بعض بدأت بأدم وتنتهي بأمام اخر العصر والزمان، لذلك عندما نتحدث عن العدل كأساس للحكم، اساسا لتحقيق حقوق الانسان، اساسا لتحقيق التنمية، اساس لعملية التطور التكنلوجي، العلمي الزراعي، الصناعي، تطور البلدان، يأمن فيها الاخر ان يعيش في ويتمتع بالأمن الاجتماعي، لا يمكن أن يتحقق الا بالعدل.

لذلك نرى كل المجتمعات والدول تطور من قوانينها َكجهد بشري ينطوي تحت مسمى المدرسة التجريبية للوصول الى نتيجة اسمها العدل او العدالة.

والسؤال الذي يرد.. لماذا ؟

لأن العدل او العدالة تخلق حالة النظام والنظام يخلق الاستقرار والاستقرار يخلق حالة الابداع والابداع يجعل من المجتمع آمن.

اذن بهذه المعادلة التي كان يفهمها النبي (ص) كما فهمها الامام علي (عليه السلام) بهذه الاساليب نستطيع ان نبني الدولة العادلة المستديمة، المتنورة، الناهضة، المتطورة، يحترم فيها الجميع حتى الجماد والحيوان، كما كان الإمام علي يقول خذوا هذه الحبوب وذروها على رؤوس البوادي لتأكل منها الطير حتى لا يقال ان طيرا جاع في زمن علي.

كل هذه المقومات والاليات والمطالب والمناهج كانت مفهومة لدى الامام علي (عليه السلام) ولكن الظرف الذي كان يعيشه الامام علي (عليه السلام) كما كان الذي يعيشه النبي (ص) كما عاشه بعده ابناءه الى العصر الاخر المنتظر الذي نحن ننتظره حيث ان الجهل السائد في تلك المجتمعات ادت إلى ان يُحارب ويُقاتل ويَقتل اصحاب المشاريع التنموية حيث كل أنبياء الله حوربوا وقتلوا حيث قال النبي الأكرم ما اوذي نبي مثلما اوذيت.

وانطبق الحال على الإمام علي حيث حورب ومن ثم قتل على يد أشقى الاشقياء كما وصفه النبي الاكرم

وللأسف الشديد تلك الايام نداولها بين الناس مازلنا نعيش تلك الأيام، الجهل سائد، والمشاريع الاخرى السطحية تسيد بها الجُهال، حيث أن هناك عملية تسطيح للعقول غريبة مقيتة الكل يتحدث في كل شيء بلا علم ولا تمحيص ولا ورع، حيث اصبحت التكنلوجيا علينا وبال، كما يقول الكاتب الفيلسوف الكندي آلان دونوفي كتابه نظام التفاهة، انه زمن التافهين حيث التافه يتسلق على الاكتاف ويصعد المنابر الاجتماعية والعلمية والسياسية ويتحدث بكلام لاقيمة له وبلا حجة ودليل يتولى المناصب ويقود الدولة بتفاهتهِ والتافه يساند التافه لكونهم يجيدون الكذب والخداع في حين ينزوي الاخر المليء علما وفهما ان لم يكن مقتولاً فهو معزول عن الواقع العام والتأثير فيه.

هذا الواقع كما صنفه (آلان دونو) بأنه زمن التافهين هو ذاته الذي عانى منه الامام علي عليه السلام كما عانى منه النبي (ص) وكما عانى منها اهل البيت، وننتظر قائم الزمان (عجل الله فرجه) الذي سينهي زمن التافهين بإذن الله سبحانه وتعالى، ولكن هذا لا يجعلنا في منأى من تحمل المسؤولية على الاقل باعتبارنا اكاديميين ولا نسمي نفسنا علماء، كلٌ بحسب علمهِ ومقدرته ومكانه، ما لم نتصدى لهذا الجو العام سنجد بأن الاغبياء والجهال والتافهين سيصفرون كل حقائق وقيم هذا المجتمع شئنا ام ابينا وهذا ماشهدناه ونشاهده اليوم من ضحالة تفكير وانعدام العمق وانحراف للقيم والمناهج وهذا الذي يجعل ألمنا كبير.

ابارك لكم ولادة الرجل الكريم العظيم امير المؤمنين ابا الحسن، جعلنا الله واياكم من المتمسكين بمنهجه العادل وبنظرته الثاقبة وعلمهِ الحاد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

* كلمة الدكتورة منال فنجان، أستاذة في علم القانون الدولي التي القيت في مهرجان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الـثاني عشر، الذي عقد تحت عنوان -ازدهار العالم بالإنصاف عند الإمام علي بن أبي طالب (ع)- في قاعة جامعة بغداد بالعاصمة العراقية، يوم الخميس المصادف 12 من شهر رجب 1442

اضف تعليق