من الصعب الكتابة عن حدث كبير مثل زيارة البابا فرانسيس إلى العراق، في أول رحلة خارجية له بعد تفشي وباء كورونا، وأول زيارة بابوية للعراق على مر تأريخ البلد، وأول مرة يتم إنارة الزقورة في محافظة ذي قار، وأول مرة يزور فيها البابا المرجعية الشيعية في النجف الأشرف.

وكل خطوة أولى ستكون تأريخية لأنها ستحدد مسار المستقبل، وتوجه المجتمع المحلي والإقليمي والعالمي نحو الأهداف التي جاءت لإجلها الزيارة البابوية التأريخية إلى العراق، إنها رسالة سلام إلى العراق الذي غرق في بحر من الفساد والتجمد السياسي منذ عشرات السنين، ورسالة سلام سياسية إلى منطقة الشرق الأوسط لكونها تعيش على موقد نار ملتهب لم يهدأ منذ الحملات الصليبية التي قام بها أحفاد البابا وحتى الآن.

البابا الذي ركع وهو يقبل أقدام أطراف الصراع المتحاربين جنوب السودان متوسلاً اليهم بعدم العودة للحرب الأهلية، ما زال على نفس الهمة والرغبة بالسلام، وبزيارته للعراق نفهم أنه سيحقق مجموعة أهداف سواء كانت مقصودة أم لا وهي:

أولاً: أكد انه يريد فعل المزيد لتحقيق رسالته لتغيير الصورة القاتمة للعالم والتي تسببت بها الرأسمالية المتوحشة، فهو بهذه الجولات والاستقبال الحافل بالعراق يريد أن يستغل الفراغ الكبير بين الشعوب المضطهدة والرأسماليين المتوحشين الذين سيطروا على كل مفاتيح الاقتصاد العالمي وأقفلوا الأرباح لصالحهم بينها يعيش مئات الملايين تحت الفقر المدقع.

إنه يقدم رجال الدين على أنهم رجال سلام، وخاصة رجال الدين المسيحيين الذين تسببت حكومات دولهم بتدمير العالم ولا سيما شعوب الشرق الأوسط، فتشوهت صورة الدول المسيحية لدى شعوب الشرق الأوسط، وبردائه الأبيض سيقنع الكثير بأن المسيحية بريئة مما حدث لشعوب الشرق الأوسط.

لكنه رغم ذلك جاء بخطاب لا يعترف بأخطاء حكام الدول المسيحية إنما بخطاب تعميمي وتعويمي لأخطاء أبناء ديانته، وحاول في مناسبات عدة أن يلقي بشكل وآخر الأخطاء على الجميع بدون تحديد.

ثانياً: وضع حلول مطلقة لمشكلات المنطقة بدون قيد أو شرط، وهو ما يثير حفيظة الكثير من مواطني العراق والدول العربية الأخرى، فعندما نتحدث عن السلام بالمنطقة، فهذا يعني أن هناك حرب، وهناك متسبب بهذه الحرب، وضحايا لهذه الحرب، والسلام لا يمكن بناؤه بدون اعتراف المجرمين بجريمتهم وتعهدهم بعدم القيام بها، ووضع تعويضات مناسبة للضحايا، وهو ما لم نلمسه بخطاب البابا.

وقد يقول البعض أنه لا يحمل صفة تنفيذية، وهذا صحيح، لكن زيارته عالمية تاريخية، وهي بحاجة إلى وضح خطوط واضحة لأطراف الصراع لا أن يتحدث عن السلام فقط، لأن هذا يثير تحفظ الكثير من الجهات التي تعتقد أن هذه العمومية تعني محاولة ناعمة للتطبيع مع إسرائيل التي تغتصب الأراضي الفلسطينية وترتكب أبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني.

ثالثاً: رسالة تريدها جهات أخرى عبر استغلال الزيارة، فهناك نوايا واضحة لوضع الأسس لخريطة جديدة للشرق الأوسط يكون عمادها تسطيح كل شيء ورفع شعار "عفا الله عما سلف" بعيداً عن محاسبة المقصرين أو على أقل تقدير اعترافهم بتقصيرهم، وخاصة رعاة الحروب والجرائم بحق الإنسانية، وبذلك يحققون أهدافاً استراتيجية وتأريخية.

هؤلاء هم من ركب موجة السلام التي دعا إليها البابا ومن واجب النخب ووسائل الإعلام تمميزهم وإلا فستكون السيادة لرعاة الحروب، والتغيير الذي سيحصل أنهم سيصبغون وجوههم برداء البابا الأبيض.

ومن واجبنا عدم تحميل الرسالة أكثر من طاقتها وهي رسالة السلام، لكن من واجبنا أيضا أن لا نسمح لدعاة الكراهية والحروب بحرف مسار الزيارة لتحقيق أهدافهم التي لم يستطيعوا تمريرها منذ عشرات السنين، وهؤلاء ينبذون كل قراءة موضوعية لزيارة البابا، ولا سيما تلك القرارات التحذيرية من سرقة رداء البابا وتحويله الى راية لقمع المختلفين معهم بطرق ناعمة وخشنة.

وعلى الجانب الآخر حيث يسكن المرجع الديني اية الله العظمى السيد علي السيستاني في بيته المسأجر قرب مرقد الامام عليه، فكانت هناك رسائل واضحة وأكدت أن النجف تحمل خطوات محددة لحل مشكلات العالم، وهذه الرسائل كانت كالتالي بحسب بيان المرجع السيستاني:

الرسالة الأولى: منطقة الشرق الأوسط تعاني من ظلم وقهر وحرمان وهذا الظلم سببه الدول العظمى التي تتدخل في شؤون الشعوب الأخرى، وهي رسالة معاكسة لما يتم تسويقه على أن مشكلات المنطقة تأتي من بعض الجماعات المسلحة، فهذه الجماعات تأسست على أنقاض الأخطاء التي ارتكبتها الدول الكبرى، وبدون حل جذور المشكلة فلا فائدة من إنهاء عمل كل الجماعات المسلحة.

الرسالة الثانية: من أجل وقف الظلم يجب على الدول الاخرى وقف الحصار الاقتصادي ضد الشعوب، أي وقف الحروب الاقتصادية العالمية التي تسببت بموت ملايين الناس في جميع أنحاء العالم، لمجرد أن حكومات الدول المحاصرة اختلفت سياسياً مع الدول الكبرى.

الرسالة الثالثة: التأكيد على حماية حقوق الشعب الفلسطيني، أي أن التطبيع غير ممكن وفلسطين هي الوجهة الرسمية للسلام، بدون أي ذكر لوجود إسرائيل، بمعنى أن التطبيع لا يمكن أن يأتي من النجف كما روجت له بعض الأوساط السياسية والإعلامية قبل عدة اشهر.

الرسالة الرابعة: العراقيون هم من قاموا بحماية المسيحيين في بلاد الرافدين، وهي الرسالة الأكثر أهمية بالنسبة للعراقيين، لأنها تبرز المقاتلين المحليين بصفتهم حماة للأقليات ولم يتاخروا عن حمايتهم لأسباب دينية أو طائفية.

لقد أحسن البابا لشعوب المنطقة عند زيارته للعراق، من أجل رفع راية السلام، وأحسن المرجع الديني السيد علي السيستاني عندما استثمر تسليط الأضواء لتجديد رسائله الإنسانية العالمية والإقليمية والمحلية.

اضف تعليق