بقلم: د. منذر سليمان و جعفر الجعفري

قد لا تؤدي مراجعة مسار ما بعد الخسارة السياسية إلى نتائج عاجلة أو مريحة. يتركز اهتمام زعماء الحزب الجمهوري "التقليدي" على مناقشة "مستقبل الحزب"، ككتلة نيابية ذات جمهور وشعبية من المحافظين والمتشددين وكبار الرأسماليين، والتوقف عند أسماء بعض المرشحين لدورة الانتخابات النصفية العام المقبل، والانتخابات الرئاسية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

أبرز نتائج دورة الانتخابات الرئاسية الأخيرة كان اهتزاز بنية الحزب الجمهوري بإعلان نحو 30 ألفاً من مؤيديه الانسحاب كمؤشر صادم على ما ينتظره من انشقاقات وتشظٍ، والجدل الحامي داخل صفوفه على خلفية تداعيات "غزوة الكونغرس"، وهي المرة الأولى يشهد فيها استقالة جماعية لم يألفها طيلة تاريخ الكيان السياسي الأميركي، ("ذا هيل"، 29 كانون الثاني/يناير 2021).

فشل الرئيس السابق ترامب في تحديه "المؤسسة السياسية الرسمية" برفضه نتائج الانتخابات أدى إلى مسارعة أركان المؤسسة الحاكمة إلى فرض قرارها عليه "بالنزول من عليائه" والتسليم بمغادرة البيت الأبيض. وبذلك ضمنت استمرارية انتقال سلس ومنظّم للسلطة، رغم محاولة التعطيل الناجمة عن "غزوة الكونغرس".

عانى الحزب الجمهوري جملة تحديات وعقبات في مسيرته في العقود الأخيرة، لكنه استطاع التغلب على بعضها بإرجاء تناول المسائل الأساسية وتسليط الأضواء على التوزيع الجغرافي للدوائر الانتخابية التي فاز بتقسيم توجهاتها لصالحه على حساب منافسه الحزب الديموقراطي.

خسارته مجلس الشيوخ والبيت الأبيض ستلقي ظلالها الثقيلة على مسيرته ومستقبله. ومن غير المرجّح أن تثمر جهوده في تطويق تداعياتها القاسية، لمعاناته من بعض الأزمات الهيكلية والقيادية منذ ما قبل "غزوة الكابيتول"، ما حفز السيناتور النافذ ليندسي غراهام على التصريح بأنه يتهيأ لتشجيع ترامب على العمل مع مرشحي الحزب، لضمان استعادته أغلبية مجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية للعام المقبل (صحيفة "بوليتيكو"، 12 شباط/فبراير 2021).

المعضلة الحقيقية التي يواجهها الحزب راهناً يكمن جذرها في التخلّص من ترامب، وفي الوقت عينه الحفاظ على وحدته، وكذلك الإعداد الناجح للانتخابات الرئاسية المقبلة 2024، من دون خسارة القاعدة الشعبية المؤيدة لترامب، وبعبارة أدق، صون الحزب الجمهوري كحزب اليمين المحافظ، والحيلولة دون نجاح تيار اليمين القومي، تيار ترامب، بالتزامن مع انطلاق دعوات الانشقاق وتأسيس "حزب جديد" يتصدره الأخير من الجموع الشعبية.

استطلاعات الرأي التي أجريت قبل بضعة أيام من "محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ" دلت على تنامي شعبيته، على الرغم مما يتعرض له من حصار، بتأييد 59% من الناخبين الجمهوريين، بزيادة 18 نقطة مئوية عن استطلاع جرى يوم 7 كانون الثاني/يناير 2021. وما يضاعف قلق قادة الحزب الجمهوري هو تأييد 81% من قواعد الحزب الجمهوري للرئيس السابق، ومعدل تأييد عام وصل إلى 77% في استطلاع جرى يوم 7 كانون الثاني/يناير، (نشرة "بوليتيكو"، 16 شباط/فبراير 2021).

ولخصت النشرة المذكورة ما ينتظر بنية الحزب بأن "الرئيس ترامب لا يجاريه أي منافس"، وهو ما عززه نتائج استطلاع حول مرشحي الحزب للانتخابات الرئاسية المقبلة بتأييد "53% من الناخبين الجمهوريين له إذا ما جرت الانتخابات الآن".

للدلالة أيضاً على تماسك قاعدة الحزب الشعبية، واجه النائب عن ولاية إلينوي، آدم كينزينغر، حصاراً وتوبيخاً من "11 فرداً من عائلته" لتصويته بمحاكمة ترامب، وتسلم مذكرة خطية نيابة عنهم اتهموه فيها "بإهانة إسم عائلة كينزينغر".

يجمع المراقبون على أن قائمة المرشحين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة تشمل نائب الرئيس السابق مايك بينس، وأعضاء في الكونغرس، ماركو روبيو وتوم كوتون و ميت رومني و تيد كروز وتيم سكوت (السيناتور الأسود الوحيد عن الحزب الجمهوري)، ومحافظ ولاية ماريلاند لاري هوغان وجوش هاولي وريك سكوت، والمندوبة الدائمة السابقة في الأمم المتحدة نيكي هايلي.

في المدى المنظور يتعاظم الجدل حول "انقسام وتصدع" الحزب الجمهوري، واحتمال ظفر الرئيس ترامب بقواعده الانتخابية لتشكيل حزب ثالث، ما سيؤدي إلى تشظي الحزب ومأسسة "اليمين القومي" الصاعد، وخصوصاً مع فوز ترامب بنسبة مرتفعة من أصوات الناخبين؛ 74 مليون صوت مقابل نحو 81 مليوناً لمنافسه الرئيس بايدن.

أزمة الحزب الجمهوري البنيوية هي امتداد لأزمة النظام السياسي والاقتصادي الأميركي في مرحلة هيمنته المطلقة على الموارد الطبيعية، واستمرار ارتفاع الدين العام إلى مستوى غير مسبوق، 23 مليار دولار، يسدد عبر مزيد من الاقتراض والاستدانة، فضلاً عن تراجع حصته من الناتج العالمي، وفشل حروبه العسكرية الطويلة في أفغانستان والعراق، واستنزاف طاقاته بفعل المقاومة المحلية. عوامل التراجع المذكورة، إضافة إلى عوامل دولية واستراتيجية أخرى، انعكست سلباً على الداخل الأميركي، وفاقمتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وانتشار وباء كورونا.

في أزمة شبيهة بأزمة الحزب، تشكل "حزب الشاي" مطلع القرن الحالي من رحم الحزب الجمهوري، وجلّه من الناخبين الجدد والتيار القومي في الحزب خلال ولاية الرئيس جورج بوش الإبن الثانية. وقد فرض حضوره وأجندته على ممثلي الحزب في الكونغرس، وما لبث أن تلاشى لعدم رسوّه على زعيم يقوده ويعبر عن طموحاته، إلى أن ظهر دونالد ترامب في الساحة السياسية، وفرض حضوره بقوة على التيارات التي كانت مهمشة سابقاً، لكنها تمثل أغلبية القواعد الانتخابية، مع الإقرار بأن الرئيس ترامب بعيد كل البعد عن الانتماءات الإيديولوجية، والأولوية عنده لآرائه السياسية، وليس لتوجهات الحزب بشكل عام.

تنبغي الإشارة إلى تنامي مطالب قواعد الحزب الجمهوري الانتخابية بترشيح النجل الأكبر لترامب في الانتخابات النصفية العام المقبل. وربما يحالفه الحظ في الترشح للانتخابات الرئاسية في العام 2024، في ضوء امتعاض الناخبين من تكتل أجنحة وتوجهات سياسية داخل الحزب عملت على تقويض سياسات الرئيس ترامب وإقصائه عن المشهد السياسي حتى قبل مغادرته البيت الأبيض.

صرح الرئيس السابق دونالد ترامب مراراً بنيّته خوض الانتخابات الرئاسية لعام 2024، على الرغم من تقدمه في السن، إذ سيبلغ حينها 78 عاماً. إرجاؤه الإعلان عن الترشيح يعود إلى إجراءات المحاكمة التي تعرض لها في مجلس الشيوخ، لكنه حافظ على اللقاء ببعض قيادات الحزب، نائب رئيس مجلس النواب كيفين مكارثي والسيناتور ليندسي غراهام، ولم يعلن عن تفاصيل تلك اللقاءات.

تخشى قيادات الحزب استفزاز الرئيس ترامب إن تقدمت بترشيح مبكر لعناصر مؤيدة للخط السياسي التقليدي، وكذلك أخذها بعين الاعتبار الدعم الشعبي الواسع له، والذي سينقلب ضدها حتما، وخصوصاً بعد إصداره بياناً هزّأ فيه رئيس مجلس الشيوخ السابق ميتش ماكونل، والذي أسرّ لبعض قيادات الحزب بأنه يرغب في "رحيل ترامب إلى غير رجعة"، ما يدل على قطيعة تامة بين ترامب وبعض النافذين في الحزب. كما أن ترشيح الحزب لأي شخص ينبغي أن يأخذ في الحسبان قربه أو بعده عن سجل الرئيس ترامب، وخصوصاً إذا اصطف إلى جانب أصوات أعضاء الكونغرس الذين أيّدوا المضي في محاكمة ترامب.

السؤال الأدق: هل تقف أميركا على أعتاب ظاهرة "ترامبية" تدخل الحلبة السياسية من أوسع أبوابها؟ ما يعزز تلك الفرضية التحضيرات المسبقة لترامب في جمع ما يقارب من 100 مليون دولار يستطيع توظيفها في أي حملة انتخابية يميل إليها. وإذا إضيف عامل حشده الناجح للقواعد الانتخابية، فسيصعب على المؤسسة التقليدية تجاهله أو إقصاؤه في المدى الأبعد. ترامب كان شديد الوضوح بنيّاته المقبلة باقتصار "دعم مرشحين عن الحزب الجمهوري يؤيدون أجندته السياسية"، الأمر الذي يعقّد الخيارات المتاحة لمحاصرته من البعض.

يسجل لترامب أنه وحزبه استطاعا تعزيز النفوذ السياسي في مجالس الولايات التشريعية، 62 من مجموع 99، وكذلك في كسب أغلبية حكام الولايات، 27 من مجموع 50، مقابل فوز الحزب الديموقراطي بمقاعد الكونغرس والبيت الأبيض لكن إلى حين، فالقاعدة السياسية في أميركا تؤيّد مقولة خسارة حزب الرئيس في الانتخابات النصفية، ما يضاعف احتمالات استعادة الحزب الجمهوري لأغلبيته في مجلس الشيوخ وخصوصاً أنه يحتاج إلى فوز عضو وحيد في معادلة التوازن الراهنة.

ما تعرض له النائب كينزينغر من هجاء وذم من أقاربه المقربين، على خلفية اصطفافه لمعاداة ترامب، أضحى أمراً يتكرر في عدد من الولايات، فقد أصدرت قيادات لجان الحزب المحلية قرارات بالإدانة والتوبيخ لممثليه في الكونغرس، أبرزهم النائب عن ولاية وايومنغ، ليز تشيني، كريمة نائب الرئيس الأسبق، وهي التي كان الحزب يعوّل عليها لتبوؤ منصب متقدم.

الصراع المستدام بين البيت الأبيض الديموقراطي حالياً ومنافسيه في الحزب الجمهوري يؤشر إلى حقبة جديدة من "اللافعل"، التي اشتهر بها كل من رئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغريتش ورئيس مجلس الشيوخ السابق ميتش ماكونيل، عبر المماطلة الطويلة للبت بأي مشروع مقدم وإحالته إلى خبر كان.

تشمل أولويات أجندة الرئيس بايدن، استناداً إلى وعوده الانتخابية، مسائل وقضايا غير محبّبة للحزب الجمهوري وينوي معارضتها بشدة، منها: تشريع قيود على الأسلحة الشخصية، وحق المرأة في الإجهاض، والبيئة والانحباس الحراري اللذان يعارضهما الجمهوريون بقوة، وقوانين الهجرة، والنظام الانتخابي، وتشديد القيود الاقتصادية على كبريات الشركات.

عند هذه المحطة، يُشار إلى تصادم صلاحيات الدولة الفيدرالية وسلطات الولايات المحليّة التي تتمتع بنطاق واسع من الاستقلالية في تطبيقها للقوانين الفيدرالية. على سبيل المثال، تقاضي ولاية تكساس الحكومة الفيدرالية لقفزها على قوانينها المحلية للهجرة، كما اصطف ّحاكما ولايتي تكساس وفلوريدا في مناهضة قرار البنتاغون بنشر قوات الحرس الوطني في العاصمة واشنطن، وسحبا قوات الحرس الوطني لولايتيهما قبل انتهاء مهامها.

كما أن القوات العسكرية التقليدية لا تملك صلاحية التدخل في تطبيق القوانين الفيدرالية على الولايات، وهي ممنوعة من القيام بتلك المهمة، والجهاز الوحيد الذي يسمح له بتخطي حدود الولايات هو مكتب التحقيقات الفيدرالي، وذلك في تطبيق مهام تقتصر على صلاحياته الأمنيّة حصراً.

لا يملك الرئيس بايدن ترف عنصر الزمن، إذ يتعيّن عليه إنجاز أكبر قدر من أجندته خلال سنتين، لحين الانتخابات النصفية التي قد تسفر عن تغيرات حادة في التوازنات السياسية، وإمكانية تجديد الحزب الجمهوري تطبيق خياره بالمماطلة وحرمانه من تحقيق أي إنجاز يذكر.

عند إضافة عامل تشكيل الأغلبية الجمهورية لحكام الولايات ومجالسها التشريعية، فقد يواجه الرئيس بايدن مماطلة أشدّ من قبلهم لتطبيق أجندته في القضايا الخلافية المنصوص عليها سابقاً. لا تستبعد النخب السياسية والفكرية الأميركية تجدّد اندلاع حرب أهلية في ظلّ الانقسامات الحادة في المجتمع الأميركي، سياسياً واجتماعياَ واقتصادياً، استهلتها مجلة "فورين بوليسي" في التبشير بأنّ "الحرب الأهلية الأميركية لم تنتهِ رسمياً"، محذرة من "نضوج العوامل المواكبة لانفجار حروب أهلية" تقليدية،("فورين بوليسي"، 18/2/2021).

واستطردت قائلة إنّ عوامل التفجير المشار إليها أضحت ملموسة، وتنقسم إلى 3 عناصر: انقسامات داخل صفوف النخب، وحدوث انقسامات عميقة في المجتمع على خلفية تحديد الهوية الوطنية/الشعبوية، والانقسام السياسي الحاد بين الحزبين من دون أفق لصيغة توافقية قريباً، يفاقمها فشل الوعود الرئاسية اللامتناهية لتحقيق الرفاهية لأفراد المجتمع منذ استعصاء تحقيق نبوءة الرئيس الأسبق رونالد ريغان في "سياسات التقاطر الاقتصادي"، وما تركته من تداعيات وتحديات لا زالت تنتظر حلولاً لها.

في كلمة أخيرة، إنّنا نستبعد ولا نعتقد أنّ المؤسسة الحاكمة بكل مكوناتها، السياسية والعسكرية والاستخباراتية والمصرفية، ستغضّ الطرف عن انفجار الأوضاع ودخول استخدام السلاح بشكل مرئي، وهي تمتلك الضوابط والتجهيزات العملية للحيلولة دون وقوع ذلك في المستقبل القريب.

العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل توجّهات الحزب الجمهوري قد يتعلّق بمصير الدعاوى القانونية التي يواجهها ترامب في عدة ولايات، وسيتوقّف موقعه ودوره ونفوذه على الحزب الجمهوري على نتائجها. هناك تعويل من القيادات التقليدية على أن تؤدي الملاحقات القانونية الى إقصائه ومنعه عن إمكانية الترشح للرئاسة من جديد أو إحكام قبضته على قاعدة الحزب، كما يبدو حتى الآن.

* نشرة التقرير الأسبوعي لمراكز الابحاث الأميركية

اضف تعليق