نُفاجئ في كثير من الأحيان بظهور اخبار عاجلة على شاشات التلفاز كأن تكون حول قرار أحد الرؤساء بشن الحرب على دولة ما، او قد تتعلق بقضية جوهرية تهم العالم بأسره، الامن القومي مثلا او الوصول الى نهاية قريبة لفيروس فتك بالبشرية.

بعد دقائق معدودات يظهر لنا نفي قاطع لما سمعناه او قرأناه، وليس غريب ان يكون التصحيح بعد التأكد من دقة المعلومات وكثيرا ما يحدث ذلك، دون قصد او تعمد من هذه الوسائل، لكن ما يثير القلق والانتباه هو ما تذهب اليه المحطات من فبركة للأحداث ونشر اخبار كاذبة حول موضوعات مختلفة.

ذلك يدفعنا للسؤال التالي، لماذا تكذب وسائل الإعلام؟، لو أردنا البحث في الأسباب التي تجعل من القنوات التلفزيونية تكذب لوجدنا قائمة لها بداية وليس لها نهاية من الدوافع التي تقف وراء هذه الأفعال.

من بين هذه الأسباب هو تضليل الرأي العام وحرف مسار الحقائق لمنعها من الوصول الى شريحة واسعة من الجماهير، فمعرفة الحقيقة ستكوّن رأي اغلبية رافضة لفعل معين او قرار ما، وكثيرا ما تقوم بهذه المهمة هي وسائل الإعلام الحكومية في أوقات الازمات.

ففي الحروب يعمد الإعلام الى تزييف الحقائق ونشر الأكاذيب بنسبة كبيرة خوفا من حالة الاستياء التي تنتشر بين صفوف الرعايا، فالخسارة بالحرب او زهق أرواح المقاتلين له انعكاس سلبي على الروح المعنوية بالنسبة للمقاتلين وكذلك المواطنين المدنيين، فقد يكون خيارهم الأفضل بمثل هذه الظروف هو انهاء الحرب والتراجع حفظا للأرواح.

وهذا التراجع سيكبد الدولة خسائر أكبر بكثير مما لو بقيت بنفس الغاية، فمن الممكن تخسر تحالف دولي بأكمله لو قالت انها لا تريد الاستمرار بطريق الدم، وكذلك من المؤكد ستكون الابن العاق بالنسبة للدول المتحكمة بالقرار العالمي، وهنا تصبح النتائج سلبية ولا تصب بمصلحة هذه الدولة بصورة مطلقة.

فرق شاسع بين الاخبار الكاذبة والمغلوطة، فالأخيرة تحمل جانبا من الصحة وآخر قد يكون أكبر من عدم الحقيقة وبذلك يكون تأثيرها اقل من التي تتسم بالكذب ولا تحمل أي صورة واقعية، بينما الاخبار المغلوطة يمكن التأكد من مصدرها والعمل على تصحيحها مع الإشارة الى نوع الخلل او القصور واي جهة تتحمل ذلك الغموض في الإفصاح عن الحقيقية.

تعتمد القنوات التلفزيونية على مبدأ اتبعه وزير الدعاية الألمانية جوزيف غوبلز حيث قال، "اكذب ثم اكذب حتى تصدقك الناس"، ففي أحيانا كثيرة تعلم بعض المحطات انها تمارس عملية الكذب والتحريف، لكنها تبقى على نفس المنوال بحثا عن الشهرة والتفرد الذي تظن انها ستحققه بهذه الطريقة.

والأخبار الكاذبة ليست جديدة العهد بل موجودة منذ وقت طويل، مع بدايات الصحافة الصفراء، لكن الشبكات الاجتماعية ساهمت في تغذيتها وجعلها وجبة يومية، وعن ذلك يقول الباحث في الإعلام الدكتور أيمن السعيدي: "الأخبار الكاذبة السياسية خطيرة بلا شك وتؤثر على حياة الناس، لكن يمكن التأكد من صحتها من خلال المصادر الرسمية، أما الأخبار الكاذبة الأكثر خطورة هي التي تتحدث عن الصحة ونوعية المأكولات المُسرطنة وغيرها".

ويضيف السعيدي، “الحاجة أو الرغبة للمشاركة هي أكبر محفزات انتشار الأخبار الكاذبة” سواءً من خلال إرسال تغريدة أو برودكاست على واتساب، ويبدأ معها السباق “أريد أن أكون صاحب الأسبقية في النشر” مثل أخبار نزول الرواتب، أو رؤية هلال شهر رمضان، وأخبار تعليق الدراسة.... الخ.

الاسبقية في النشر ليس على حساب الحقيقية فقد يكون اللجوء الى هذا الأسلوب معول يهدم السمعة الإعلامية لهذه الوسيلة او تلك دون الشعور منها، فهي تريد ان تكون بالمقدمة، ويكتشف الجمهور بعد حين انها ساهمت بتضليلهم وحجب الحقيقية عنهم بقصد او دون.

وبحسب دراسة حديثة ان “أكثر الناس تصديقًا ومشاركة للأخبار الكاذبة هم الناس الذين لديهم خلفيات عقائدية متشددة أو لديهم إيمان بنظريات المؤامرة.”

وفي مثل هذه الحالات تضطر المحطة التي قامت بنشر معلومات غير صحيحة الى إيضاح ذلك الخلل، وسبب نشر الخبر دون تمعن، هذا الامر قد يكون مجدي وفي الغالب لا يحدث فرق بقناعة الجمهور الذي تكونت لديه نظرة سلبية عنها وبدأ يحذر من متابعتها لما تقوم به باستمرار.

قبل سنوات قليلة اختلق نفس الإعلام الكاذب أزمة كبرى بين أكبر بلدين عربيين هما مصر والجزائر على خلفية معلومات مشوهة تتعلق بنتيجة مباراة كرة قدم ولاحظنا بوقتها كمية العداء الذي نشب بين الشعبين قبل تسوية الامر ومنعه ان التشعب.

قليلون هم من لم يقعوا بشرك الاخبار الكاذبة، ونكون (نحن الافراد)، في كثير من الأحيان مشاركين بنشر هذه الاخبار، قبل القيام بعملية التحليل للمعلومات التي نتلقاها والتريث بإشاعتها منعا لأحداث ردود فعل غير سليمة على الشارع وبالتالي يسير الجميع خلف السراب.

وربما يساهم الإعلام المتلفز أحيانًا في دعم الإشاعات والأكاذيب كما يفعل بعض معدي الأخبار الذين يركزون في تغطيتهم وكتابة قصصهم الإخبارية عن الشبكات الاجتماعية على ما هو شائع ( Trends) في تويتر. الترند في تويتر لا يعكس بالضرورة ما هو الواقع “قد يكون مدفوع” أو يكون ساخر، لذلك قد لا يعبر عن الرأي العام بالضرورة.

يصعب حصر الأدلة والامثلة على الممارسات الخاطئة لكن اكتفينا بجلب آخر فخ وقعت به صحيفة نيويورك تايمز عندما عملت على انتاج برنامج إذاعي وثائقي حول حياة العناصر الإرهابية وكيفية الانخراط بصفوف المقاتلين.

اذ تعد هذه الحادثة واحدة من أكبر الفضائح الإعلامية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، انتهت بخيبة أمل، فبعد شهرين من التحقيقات الداخلية، أقرت نيويورك تايمز بأن البرنامج الوثائقي الإذاعي "الخلافة" الذي حقق نجاحا جماهيريا كبيرا، كان مبنيا على كذبة.

وقد اعتمد فريق الصحيفة على رأي اثنين من موظفي المخابرات الأمريكية لم يذكر اسميهما، صرحوا بأن الشاب الكندي من أصل باكستاني اسمه شيروز تشاودري يبلغ من العمر 26 عاما، كان على قائمة الممنوعين من السفر إلى الولايات المتحدة وأنه انضم فعلا إلى صفوف تنظيم الدولة، ولكن لم يكن يفترض أن تستخدم هذه المعلومات كأدلة دون المزيد من التعمق، باعتبار أن عملاء المخابرات ليسوا معصومين من الخطأ.

استخدمت هذه القصة من قبل الصحيفة وغيرها الكثير من القصص المماثلة لخلق صورة ذهنية عن المجاميع الإرهابية التي تُنسب في كثير من الأحيان الى بلدان دون غيرها ضمن حزمة من الأهداف التي تريد تسقيط تلك الدول امام المجتمع الدولي.

وساعد على ذلك استخدام التقنيات الحديثة التي أصبحت عامل مساعد ومهم في حجب نور الحقائق وجعل المتابعين يعيشون بعتمة الجهل وعدم إدراك الابعاد الحقيقية للأحداث.

الإعلام ولما يتمتع به من تأثير كبير على الافراد يعد من أخطر الوسائل لتحقيق اهداف وغايات يصعب على أي أسلوب إنجازها بهذه السرعة، لذا أدرك من يحاول تمرير الاجندات والسياسات المختلفة أهمية اتباع أساليب ملتوية وصولا الى الهدف المنشود، وبعد معرفة المقاصد نعرف أيضا لماذا يكذب الإعلام.

اضف تعليق