في طريقي الى البيت بعد يوم ماراثوني مجهد كنت افكر بوضع بمتاعبي على فراشي لأستريح من فرط التعب الذي الم بي، وصلت الى المحطة التي يفترض ان ارمي فيها العناء، وضعت رأسي على الوسادة مؤقتاً ساعتي البيولوجية للاستيقاظ بعد ساعتين فقط لأكون حينها استمديت جرعة طاقة تكفيني لإكمال عمل فُرض عليه تسليمه في صبيحة اليوم التالي.

وككل المرهقين لم احتاج سوى لحظات لأجدني غاطساً في نوم عميق، لكن الصراع الذي دار بين الراحة الضرورية التي يحتاجها الجسد المنهك وبين الخوف من استهلاك وقتي في النوم ايقظني ربما بعد دقائق قليلة لا غير، فالإرهاق كان له كلمة الفصل فامرني بالنوم مرة اخرى وهو ما حصل فعلاً.

اول من صادفني تجمع لحفل زفاف اطلقت فيه عشرات الالعاب النارية اضافة الى صخب الموسيقى ومنبهات السيارات، لكنني وجدت نفسي وسط تجمع لأصحاب الدرجات النارية (التوك توك، والستوتة) محتفلين بفوز فريقهم في كالسيكو الارض تمكنت من الهرب عند اول مفترق طرق صادفني، بعدها تناهت الى مسامعي مزيج من الاصوات بين اصوات مكبرات الصوت للباعة المتجولين على معظم ارصفة المدينة وسيارات الاسعاف التي تطلق صافرات لسبب او بدونه، اضافة الى اصوات مواكب المسؤولين التي اتخذت من الصفارات عرفاً لتمييزيهم، واخيراً وصلت الى مكان عملي راغباً في الاستمتاع بحقي من الهدوء والسكينة حتى وجدت زملائي يستمعون الى نشيد بحسب ما اتذكر من جهاز مكبر للصوت.

بعد كل ماصادفني فزعت معاتباً نفسي لماذا فشلت في الاسترخاء؟ (شلون راح اكدر اركز واكمل شغل باجر؟، زين اني نمت لا؟)، لتجبيني نفسي ان كل ما حصل ليس سوى انعكاس لواقعك الذي تعيشه يومياً.

الخبرات السلبية التي تتلقاها ستنسحب على وقت نومك فلا تسلم منه في اليقظة ولا في النوم، والجهازان العصبي والدوراني لا يتعودان ولا تخف ردود فعلهما السلبية على الضوضاء مما يؤثر في طبيعة، ففي بلد صودر فيه اغلب الاشياء الجميلة تمت مصادر السكينة ايضاً لصالح الصخب وهذه العملية تمت بشكل تدريجي حيث لم نستطع الانتباه الى الاثار الى بعد الخسارة، وبعد فقدان قدرتنا على التأمل والهدوء والاحساس بما حولنا من مظاهر جمالية هي الاخرى فقدنا لذة الاستمتاع بها، لنكون أول ضحايا الضجيج الذي اقتحم وسيطر على مشهد حياتنا المعاصرة، مع ازدياد حجمه مع كل يوم تزداد في اعداد البشر سيما مع كونهم غير معتدين بوعي احترام الذوق العام ومخترقين لكل الحدود التي يجب ان يقف عندها الانسان مراعاة لنظرائه في الخلق.

التوسع الرهيب لهذه الثقافة الفجة والتي اصبحت اليوم جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية بات يمثل عامل ضغط نفسي على الانسان وهذا الضغط تحول الى امراض نفسية واخرى عضوية، حيث يزيد الضجيج من افراز الهرمونات من الغدة الكظرية في الجسم، مما يؤدي الى ارتفاع ضغط الدم، وبالتالي يصاب الانسان بأمراض القلب والاوعية الدموية.

ويعاني الشخص من العصبية والتوتر الذي قد يجعله يفقد اعصابه وقد يقوم بسلوك غير قويم، وقد صدر تقرير طبي عن كلية العلاجات النفسية في جامعة ميتشغان الأميركية يشير ان التلوث الضوضائي يولد الارهاق الجسمي والفكري على السواء لأنه يتطلب من الانسان مجهودا جسديا وعقليا بشكل متواصل، فالأصوات التي تتلقها الاذن على شكل موجات تقوم بأرسالها الى الدماغ مما يجعلها مشوشة له ومغيبة لتركيزه، فكم من الطاقة يحتاج الانسان لجمع شتات تفكيره بعد تلقيه لهذا الكم من الاصوات من محيطه الخارجي.

ويبين التقرير ان الضجيج يتناسب طردياً مع التطور الصناعي مما ينذر بخطر كبير على مستوى الصحة العام للناس، ومع كوننا نحاول الاعتياد على الضجيج والتعايش معه الا ان اضراره تزداد مع ازدياد الأصوات تتراكم وتعطي تشوهات سمعية فيما بعد.

سلوكية الضجيج في حياة الانسان لم تأتي من فراغ بل محاولة لتخفيف اعباء الحياة والدخول في حالة اراحة الوعي، وقد يلجأ اليها الانسان هارباً من الخلو مع النفس ومواجهة افكارها لأن التفكير يكشف أن هناك تناقضاً بين ما عليه الانسان وبين ما ينبغي أن يكونوا عليه، كما يتسبب النقص الداخلي في ممارسة الضجيج لتعويض النقص بأدوات خارجية، فعلى مستوى التحدث فأن الفارغون يصرخون بأصوات عالية دون أن يقدموا دليلاً مقنعاً او من دون وجود حاجة لهذا الصراخ اما في حالة كون الانسان ممتلئاً علماً ووعياً فإنه يكون أكثر ميلاً إلى الهدوء والسكينة والوقار والتحدث بثقة، تلك هي ابرز ما يؤدي بالإنسان الى ممارسة نوع من انواع الضجيج.

لنعالج ولو بالممكن هذه الظاهرة التي اثرت كثيراً فينا حيث لوثت مسامعنا وافقدتنا خاصية السكينة، لابد من القيام بعدة اجراءات منها ان تفرض السلطات الرسمية غرامات مالية على مثيري الضجيج في الاماكن العامة والخاصة كمنع استخدام منبهات السيارات الا عند الضرورة ومنع مواكب المسؤولين من اطلاق الصافرات والمنبهات وكذلك وضع ضوابط على من يتخذون من الارصفة اماكن لعلمهم ويسري الامر على سائقي الاسعافات وسيارات قوى الامن وغيرهم،

ومن مهام الاعلام الثقيف بالضد منها وبيان اثارها السلبية على صحته الأفراد، كما ينبغي ان نعود انفسنا على التحلي بالسكينة حتى في الاماكن الخاصة وعدم اللجوء الى هذه الثقافة للتفريغ الانفعالي فكل فعل له مكانه ووقته، فهذه الجزئيات السلوكية البسيطة التي تنفذها السلطات والناس كل حسب ما يلميه عليه واجبه وثقافته ووعيه من شأنها ان تمنع الاثار النفسية والجسدية لثقافة الضجيج.

اضف تعليق