من المعروف إن الاقتصاد العراقي اقتصاد نفطي بحكم امتلاكه كميات كبيرة منه واحتلال النفط أهمية كبيرة عالمياً. حيث يقوم العراق بإنتاج النفط وبيعه للعالم الخارجي مقابل الحصول على الدولار الأمريكي، ونظراً لاعتبار النفط ثروة عامة فكل وارداته تعود لوزارة المالية وتقوم الأخيرة ببيع الدولار للبنك المركزي مقابل الحصول على الدينار العراقي من أجل حقنه في الاقتصاد عبر قناة الإنفاق العام.

إن ارتباط المالية العامة بالدولار النفطي جعلها في مواقف لا تحسد عليها، وذلك بحكم عدم استمرار تدفق الدولار النفطي باستقرار بحكم تذبذب أسعار النفط لأسباب عديدة قد تكون سياسية أو قد تكون مناخية أو قد تكون صحية كما في ظل انتشار جائحة كورونا.

ان هيمنة الدولة على النفط وربط المالية العامة بالأخير دفع لاعتماد الاقتصاد العراقي برمته على النفط وبشكل مفرط مما أدى إلى تصفية القطاعات الاقتصادية الأخرى بفعل نقطتين:

- ارتفاع أسعار المنتجات الوطنية أمام المستورد الأجنبي بفعل ارتفاع قيمة الدينار العراقي.

- ترك العمالة لأعمالهم في القطاعات الأخرى للعمل في القطاع النفطي رغبةً بالأجور المرتفعة وهذا ما تسبب في ارتفاع تكاليف إنتاج القطاعات الأخرى ثم أسعارها وفقدان ميزتها التنافسية.

ان تصفية القطاعات الاقتصادية الأخرى دفع الى انخفاض تدفق العملات الأجنبية وبالخصوص الدولار الأمريكي.

كما أسهم الفساد في تراجع بيئة الأعمال وجعلها بيئة طاردة وليست جاذبة فكان له دور كبير في تراجع تدفق الدولار الأمريكي، في حين لو كانت بيئة الأعمال جاذبة للأعمال لأدى ذلك لزيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية وهذا ما سيؤدي لزيادة تدفق الدولار وبما يسهم في دعم الدينار العراقي.

ونظراً لضعف الاقتصاد العراقي لاعتماده على النفط بشكل مُفرط أصبحت عملته ضعيفة تستجيب بشكل سريع لأي حدث يحصل ولو إعلامياً وهذا ما حصل بالضبط خلال المدة الراهنة حينما تسربت مسودة قانون الموازنة العامة لعام 2021 وتبين من خلالها إن وزارة المالية ستبيع الدولار للبنك المركزي بسعر مرتفع وهو 1450 لكل دولار.

هذا ما يعني انخفاض الدولار النفطي لدى وزارة المالية في الوقت الذي هي بأمس الحاجة للدولار النفطي من اجل بيعه للبنك المركزي والحصول على الدينار العراقي لتغطية الإنفاق العام وبالخصوص الإنفاق الجاري المتضخم.

إن انخفاض الدولار مع عدم خفض الإنفاق العام المتضخم يعني إن الموازنة العامة ستعاني عجزاً صارخاً ومن أجل معالجة هذا الأمر ستلجأ وزارة المالية لخيار بيع دولار بسعر مرتفع بالسعر المذكور آنفاً كما اتضح من حلال المسودة المسربة، ليقوم البنك ببيعه للمصارف بـ 1460 وقيام الأخيرة ببيعه للجمهور بـ 1470، وبسبب التخوف سيرتفع سعر الدولار إلى أكثر في السوق الموازي.

بعد تسريب مسودة الموازنة للإعلام وإطلاع الجمهور عليها أصبح هناك توقع بأن سعر الدولار سيرتفع بشكل كبير فهرع المضاربون لشراء الدولار على أمل الاستفادة من ارتفاع سعره مستقبلاً هذا ما دفع لزيادة الطلب على الدولار وارتفاع سعره.

وشيوع الفساد وغياب ثقة المواطنين بالحكومة، دفع الكثير منهم إلى تفسير ارتفاع سعر الدولار بدوافع سياسية، على اعتبار أن الكثير من المصارف تعود للأحزاب السياسية في السلطة فعملت الأخيرة من خلال البنك المركزي على رفع سعر الدولار لكسب المزيد من الأموال على حساب الشعب العراقي.

رُبما لم يكُن هذا التفسير مقبولاً لدى العاملين في البنك المركزي وان مسألة التوقعات والمضاربة التي جاءت على خلفية تسريب مسودة الموازنة هو التفسير الأكثر قبولاً لديهم وغاب عن ذهنهم إن تسريب مسودة الموازنة هو تسريب سياسي بدافع اقتصادي لإشعال سعر الدولار وحصد المزيد من الأموال.

وتجب الإشارة إلى إن قيمة الدينار العراقي لم تكُن تعبر عن قيمتها الحقيقية لولا تدخل البنك المركزي عبر ما يُعرف بـ "نافذة بيع العملة" حيث يدخل البنك المركزي كبائع للدولار ومشترٍ للدينار من أجل الحفاظ على قيمة الدينار العراقي.

لأنه لو لم يدخل البنك المركزي عبر نافذة العملة لبيع الدولار مقابل استمرار الطلب على الدولار لأدى ذلك لارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة الدينار العراقي بشكل كبير.

إن الطلب على الدولار ناجم عن ضعف الجهاز الإنتاجي على توليد الدولار من خلال تصدير فائض الإنتاج بعد تلبية الطلب المحلي، وزيادة الاستيراد لتلبية الطلب المحلي من السلع والخدمات التي تتسم بالارتفاع والتنوع.

ولذا فالعمل على تخفيض سعر الدولار يقتضي العمل على زيادة بيع الدولار من أجل امتصاص زيادة الطلب عليه فينخفض سعر الدولار والوصول به للحد المرغوب به، وهذا ما سيعمل عليه البنك المركزي بتخصيص ثلاثة تريليونات لبيعها من خلال نافذة العملة.

وينبغي القول، إن استمرار دعم الدينار العراقي بفعل البنك المركزي لا ينسجم مع اتجاه الاقتصاد العراقي نحو اقتصاد السوق ولا بد من التخلي عن دعم الدينار العراقي بشكل تدريجي لا دفعة واحدة ولكن بعد تحقيق الاستقرار السياسي.

خلاصة القول، إن ارتفاع سعر الدولار ناجم عن اعتماد العراق على النفط وانخفاض أسعاره تارة والتوقعات بارتفاع أسعار الدولار لحدث معين تارةً أخرى.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

اضف تعليق