الإنسان العادي يعيش في المجتمع بشكل أُفقي، لكن الفيلسوف يعيش في الفكر الإنساني لإعادة بناء المجتمع أُفقيًّا وعموديًّا. لذلك، لا يهتم الإنسانُ العادي بطرح الأسئلة عن طبيعة العلاقات الاجتماعية، ولا يبحث عن أسباب منطقية للظواهر الإنسانية، لأنَّه مشغول بالحياة المادية الضاغطة، ومُحَاصَر بإفرازات النظام الاستهلاكي...

(1)

الأنظمة الاجتماعية المسيطرة على طبيعة السلوك المادي للإنسان، لا تنفصل عن المشاعر والذكريات والقيم الروحية، وهذا الارتباط الوثيق يستلزم تكوين علاقة منطقية شاملة تقوم على تفسير الثنائيات المتجذرة في بنية المجتمع، مِثل: الجوهر والمظهر. المضمون والشكل. المفهوم والمنطوق. الرمز والإشارة. والإنسانُ في زحمة الحياة اليومية يتعامل مع هذه الثنائيات جُملةً وتفصيلًا، باعتبارها قِيَمًا وجودية مُعاشة، ولَيس باعتبارها تراكيب فكرية ضمن منهج فلسفي عقلاني يقوم على التَّعليل (السبب والنتيجة).

وهنا يتَّضح الفرق بين الإنسان الخاضع لأعراف المجتمع الاستهلاكي، والفيلسوف الذي يبني قوانين المنطق الاجتماعي. وهذا الفرق يُشبِه الفَرْقَ بين الرَّجل الذي يَشعر بالحُب تجاه زوجته، لكنَّه لا يَستطيع كتابة قصيدة حُب لها، لأنَّه لَيس شاعرًا، وبين الشاعر الذي يَشعر بالحُب، ويَستطيع كتابة قصيدة حُب، لأنَّه يَمتلك رؤية الشاعر ولُغته وأدواته. وهذه المُقارنة تُثبِت بوُضوح أنَّ جَميع الناس -بلا استثناء- لَدَيهم أحاسيس ومشاعر، ويَعيشون في تفاصيل الحياة بحُلوها ومُرِّها، ولكنْ لَيس كُل الناس لَدَيهم القُدرة على التعبير والتحليل المنطقي. والفيلسوف هو شاعر الواقع اللغوي، والشاعرُ هو فيلسوف الخيال اللغوي. وبدُون اللغة، سيقع الإنسان في الفراغ المُوحِش.

(2)

الإنسان العادي يعيش في المجتمع بشكل أُفقي، لكن الفيلسوف يعيش في الفكر الإنساني لإعادة بناء المجتمع أُفقيًّا وعموديًّا. لذلك، لا يهتم الإنسانُ العادي بطرح الأسئلة عن طبيعة العلاقات الاجتماعية، ولا يبحث عن أسباب منطقية للظواهر الإنسانية، لأنَّه مشغول بالحياة المادية الضاغطة، ومُحَاصَر بإفرازات النظام الاستهلاكي، وهذا يمنعه مِن الغَوص في أعماق نَفْسِه، والتَّنقيبِ عن ماهية العلاقات الاجتماعية. مِمَّا يَجعله كائنًا أُحادي النظرة، يسير وفق مُعادلة حياتية بسيطة، دُون أن يَلتفت إلى عناصر الطبيعة المُحيطة به مِن أجل تحليلها، والوصول إلى أنويتها الأساسية.

في حِين أن الفيلسوف يطرح الأسئلة التي تُحاول اكتشاف أعماق الطبيعة الإنسانية، وتحليل العلاقات الاجتماعية، وتفكيك المُركَّبات الفكرية وُصولًا إلى عناصرها الأساسية. أي إنَّ الفيلسوف يبحث عن أجوبة تعتمد على التفكير المنطقي المُتسلسل الذي يَبدأ مِن طبيعة الظاهرة الوجودية، وينتهي إلى ماهية الوجود.

ورحلةُ الفيلسوف من الظاهرة إلى الماهية، هي التي تَجعله يتحرَّك أُفقيًّا وعموديًّا في المجتمع، فهو يعيش كأيِّ إنسان ضِمن الأُطُر الاستهلاكية (الحركة الأُفقية)، لَكِنَّه يَعتبر الاستهلاكَ وسيلةً إلى حقيقة المعنى الإنساني وماهيةِ البُنى الاجتماعية، ولا يعتبر الاستهلاكَ غايةً قائمةً بذاتها، وهذا يَدفعه إلى الغَوص في المعاني، وتحليل عناصر الطبيعة المُحيطة به (الحركة العمودية).

(3)

جميعُ القطارات تنطلق مِن نَفْس المحطة (نقطة الانطلاق واحدة)، ولكنْ كُل قطار له مسار خاص وهدف مُختلف عن القِطار الآخَر (نِقَاط الوُصول مُتعدِّدة). وهذه الفكرة تُجسِّد حقيقةَ العلاقة بين الإنسان العادي والفيلسوف، فهُما يَنطلقان مِن نَفْس النُّقطة (الظاهرة الاجتماعية)، ولكنهما يَصِلان إلى غايتَيْن مُختلفتَيْن تمامًا، لاختلاف المسار، واختلافِ البنية التحليلية للأحداث.

الإنسانُ العادي يبدأ من الظاهرة الاجتماعية، ويضيع في المتاهة الاستهلاكية، حيث تُسيطر قيمة التَّسَلُّع على وجود الإنسان، أي إنَّ الإنسان يُصبح سجينًا للسِّلَع، خاضعًا لقوانينها، ويُصبح الحُلْم الشخصي للإنسان سِلعة ضِمن قانون العَرْض والطَّلَب.

في حِين أنَّ الفيلسوف يبدأ من الظاهرة الاجتماعية، ويُطبِّق آليات المنهج العِلمي في البحث، فيصل إلى حقيقة الأشياء، وماهية العلاقات، وخصائص الجوهر الإنساني، مِمَّا يَجعله يُفَرِّق بين الحُلم الإنساني والسِّلعة الاستهلاكية. وهذا التَّفريق ضروري لتثبيت الحقيقة المركزية في رُوح المجتمع، وهي أن الإنسان لَيس شيئًا مِن الأشياء، وليس تحصيل حاصل، وإنَّما هو ضابط إيقاع الأشياء، والعقل المُفكِّر الذي يضع الجُزء في منظومة الكُل، ولا يُحطِّم الكُلَّ بحثًا عن مصلحة الجُزء.

* كاتب من الأردن

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق


التعليقات

حامد الجبوري
العراق
مقال رائع جداً
حيث يضع الأمور في نصابها، ويجعل الإنسان هو المرتكز والباقي أطراف، وهذا ما يزيد من قيمة الإنسان في مجتمع آخذ يغرق في الشيئية.2020-06-21