لم يكن الهدف من محكمة الشعب، برئاسة المهداوي، التي تشكلت بعد ثورة 14 تموز 1958 اقرار العدالة والقصاص من رموز المرحلة الملكية فقط، بل لتكريس النظام الجديد من خلال تعظيم راسماله الرمزي، بعد ادانة النظام السابق .. وهذا لايعني بالضرورة ان الماضي كان مثاليا، والجديد سيئا يسعى لتجميل نفسه!

وانما لطي صفحة الماضي شعبيا، بعد ان تأخذ المحاكمات مداها النفسي والثقافي داخل المجتمع، ليحقق الحاكمون الجدد هدفا مزدوجا، يتلخص بالابعاد النهائي لرموز تلك المرحلة، والانفراد بالمواقع والمناصب، وايضا تقديم انفسهم المنقذين للشعب، وان كانوا كذلك حقا .. لم يحدث هذا في العراق وحده، بل في اغلب دول العالم التي حصلت فيها تحولات او ثورات، لان الصراع على السلطة يستدعي هذه الممارسات، وان تخفّت تحت مسميات مختلفة، الاّ ان الشيء الاهم في كل هذا، هو اقصاء الجهد الجمعي للشعوب وتسفيهه في اغلب الاحيان، من خلال عدم الاعتراف بمنجزات المرحلة السابقة، لأي نظام جديد، او التقليل من اهميتها، وهو اسوأ ما يعاني منه، ليس ساسة المراحل السابقة وحدهم، بل الفعاليات الوطنية المختلفة التي اسهمت في الانجازات او قامت على اكتافها، اذ ليس هناك ماهو اشد قسوة على الانسان، ان يرى مابذل من اجله سنين من عمره والكثير من عرقه وربما دمه، ينظر اليه فيما بعد، على انه ليس ذا قيمة او لايذكر، ان لم يتم التنكر للقائمين بانجازه اصلا.

آلاف المعلمين والمدرسين ممن بذلوا جهودا جبارة، وهم يضيئون الطريق امام الاجيال، في الارياف البعيدة وغيرها، وكذلك المهندسون والعمال ممن شقوا الطرق وبنوا المشاريع الكبيرة، والعسكريون الذين قدموا حياتهم من اجل بلادهم، او هكذا كانوا يعتقدون، عندما لبوا نداء الواجب، سواء التحقوا بالجيش بصفة متطوعين او مجندين، ومثلهم المئات من المثقفين وكذلك الفنانون الذين قدموا الاعمال الراقية المختلفة ليعكسوا صورة البلاد المتحضرة، وغيرهم من الفعاليات العديدة التي نهضت بالبلاد واسهمت في تقديمها للعالم، وبقدر ما سمحت لهم ظروفهم وامكانياتهم، تصبح كلها في نظر الحاكمين الجدد، ليست ذات اهمية او ينظر اليها كجزء من الخراب السابق! ان لم يدن اصحابها بوصفهم جزءا من مرحلة مدانة!

خروتشوف، مثلا، قال لنيكسون حين التقاه في موسكو، اننا (يقصد الاتحاد السوفيتي) مضى على قيامنا خمسين عاما، وحققنا ما حققتموه انتم في مئتي عام! وانقل هنا خلاصة قوله بالمعنى لا بالنص، متنكرا بشكل صارخ لجهود الشعب الروسي الممتدة لقرون والتي لولاها لما كان خروتشوف متعلما وزعيما كبيرا، والامر كذلك مع قادة وزعماء كثيرين، يعتقدون ان دولهم بدأت معهم.. هذه الثقافة التي تعكس جوهر لعبة السلطة في العالم، وتكشف عن بعض اسرارها المظلمة، لم تتخلص منها البشرية حتى اليوم، وان خفّت كثيرا عما كانت عليه سابقا، يبقى اقسى مافيها انها تصادر الجهد الجمعي للشعوب، وتجعله محل مساومة سياسية او خاضعا لمزاج سياسي يصنعه الحاكمون ويفرض على الناس من خلال الاعلام ووسائل الثقافة الموجهة.

ما دعاني الى كتابة هذه السطور، مشهد مؤثر لرجل تجاوز الستين من عمره، عرفت منه انه كان عسكريا، وتعرض الى اصابة اثناء حرب الثمانينيات، وتفاقمت حالته بعد تسرحه وتقدمه في العمر، ثم بعد مدة شاهدته مقعدا وعلى كرسي متحرك، ولعله توفي او بات طريح الفراش، اذ لم اعرف عنه شيئا، منذ ان جاءنا في احد الايام، ليسلّك مجاري منطقتنا وشكا لي حالته، وعرفت منه ان لامصدر لديه للعيش سوى عمله هذا، ولم يحصل على اي تعويض من الدولة، ولم يحظ براتب تقاعدي، وليس هناك من يسعفه لعدم وجود قانون ينصف هؤلاء الذين ضاعت اجمل سني اعمارهم في الجيش وخرجوا منها خالي الوفاض .. هؤلاء يبقون ابناء لهذا الوطن، سابقا ولاحقا، وان التلاعب بمصائرهم، وفق مبدأ الراسمال الرمزي الذي اشرنا اليه، لايمكن فهمه او تحمّله، لان الوطنية لاتخضع لمعايير عقائدية او مشاريع سياسية، كونها قدر البشر الذين توزعوا الارض وتوزع معهم حبهم لها، كل من ميدانه، وتلك هي الحقيقة الوحيدة الباقية، بعيدا عن متروكات السياسة والعقائد المتصارعة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق