دأبت ثقافات الشعوب على ممارسات طقسية واجتماعية في التعبير عن العلاقة بالوطن فهو المكان الذي يحتضن كامل عطاء أو هبة الوجود للإنسان، فالإنسان يدرك هذا المكان/الوطن في جذر الانتماء الذي يمر من خلاله الى الانتماء في الزمان/الحياة، ووشيجة الزمان بالحياة هو العمر المعدود بالزمان ووشيجة المكان بالوطن هو السكن المتجذر بالمكان، وبين الحياة والسكن وشيجة سكينة أنفاس الحياة، والسكينة تنسب في الكتاب العظيم/القرآن الى الله تعالى قوله "فانزل الله سكينته عليه".

وفي هذا التداخل في هذه الألفاظ والمعاني المؤدية فيها الى التلاقي بين الوطن ومفردات السكن والحياة وما يشتق منها في اللفظ والمعنى تكمن أسرار الوجود بالنسبة الى الانسان في جذر الانتماء وصولا الى الاتحاد بمعنى الوجود.

فالوطن يتجاوز معنى المكان بأبعاده الثلاثة الطول والعرض والارتفاع، ويعبر خارطة الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله الى وشيجته بالنفس وسكينة الروح فيه، وهنا يكشف عن صلته بالوجود في أصله وكله لأن الروح منفذه والنفس سكينته.

وهنا تبدو مفارقة نشأة الأديان بقرينة الأوطان، فالأديان نشأت في حواضر المدن الكبرى والأولى في التأسيس الحضاري وما قاد الى الأديان في التحليل المادي هو ضرورة العمران والعمران لا يكون إلا بالأوطان فالبدو الرحل لا يبنون المدن ولا يشيدون الاديان.

وكانت الآلهة الأولى في تاريخ الانسان هي الآلهة – الأم التي ترمز الى الأرض تحكي علاقة الانسان بالمكان أو هي في صميمها تحكي الانتماء الى الأوطان، فالعطاء والخصب هوية الأرض وهنا رمزية الآلهة–الأم، والعطاء والخصب سمة الجوهر في الأوطان أو الغاية من اتخاذ الانسان هبة المكان في استعداد التوطن وضرورة الاستيطان وهو ما عبرت عنه غريزة المكان.

لكن حين غادر نظر الانسان في الأرض الى السماء أدرك قصر آلهة الأديان القديمة لديه عن الاتصال بكامل الوجود أو كل الوجود، فالسماء تظلل الوطن وتمنحه مقومات البقاء بعد ان منحته إمكانات الظهور، فالتأليه للآلهة –الأم – الأرض– الوطن في صغرى نتائجها يقصر بالنظر لدى الانسان على حدود السطح في الطبيعة/الأرض دون عمق الوجود في السماء فتنقل النظر لدى الانسان الى السماء في الكواكب والنجوم والشموس وكانت أخرها الآلهة – الشمس لعلها تفي بالتأليه المغروس في جبلة الإنسان والذي استثارته في البدء الطبيعة/الأرض وأوطان الانسان فيها، وهنا نجد جذر القداسة في العلاقة بالأوطان لأنها علاقة نشأت في ظل الأديان وأسست لها آلهة المدن الأولى في مفتتح تاريخ البشر، فقد كان في معتقد المدن القديمة أنها مدن الآلهة بامتياز حيث تحرس هذه الآلهة بواباتها ومنافذها وهو وهم أفل بأفول آخر الآلهة – الشمس.

فالكوكب والنجم والشمس كلها تأفل، فادرك نبي التوحيد الأول في اصل الأديان الإلهية أن الإله لا يأفل فمد العنق وتطلع في أبعد نقطة في الافق فأدرك أن آلهة المدن تأفل وبأفولها تأفل المدن وتأفل الأوطان، لكن الوطن حاضر في النفس لا يأفل اذا كان له إلهه لا يأفل أو قل أن الوطن الذي لا يأفل له إله لا يأفل، فابتنى خليل الاله بيتا لا يأفل وكان أول بيت يتخذ وطنا لكنه وطن للروح قبل الجسد (ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) وكل وطن هو للروح قبل الجسد وسكينة للنَفَس، وهنا تتأسس العلاقة بالوطن في دين إله لا يأفل.

هكذا الوطن تنشأ فيه أديان الروح ومدافن الجسد وفيه البدء ومنه المعاد. وله إله لا يأفل، وفي الوصل به تندمج الروح في جسد الأرض ويسكن النَفَس في هيكل الوطن وفي الفصل عنه غربة الجسد واغتراب الروح.

فهناك اندماج بالأرض تشعر به راكزا في نفسك حينها تكون تلك الأرض وطن، وهناك أرض عابرة في حياتك حينها تكون في غربة بلا وطن، لكن لا يقر لك قرار إلا وأنت في وطن، وهنا تظل دائب البحث عن وطن، فالوطن إلف النفس وضرورة الحياة والغربة عبور النفس الى غير الإلف وهو الضياع في الحياة، والضياع عن الوطن هو الغربة والضياع في الوطن هو الاغتراب وبينهما فاصل دقيق ومعنى من اتصال يدركه المغترب وقد لا يعي به الغريب، فالغربة تنقضي اذا عاد الغريب الى الوطن بينما ينقضي الاغتراب اذا عاد الوطن الى المغترب وحسبك في هذا منفصل في التعريف بالمائز بين الغربة والاغتراب أو بين الغريب والمغترب.

وفي غربته قد يبحث الانسان عن تعويض عن الوطن ولذلك قالوا الغنى في الغربة وطن وهو غنى المال وهنا المال هو الوطن، لكن في الاغتراب لا يجد الانسان عوضا وهو في الوطن ولذلك قالوا الفقر في الوطن غربة، وهنا اغتراب الروح وليس الجسد، ولعل الفقر هنا لم يعنوا به فقر المال حصرا وإنما أرادوا به فقر الحال بمجمله فيكتمل به معنى الاغتراب، فكم من غني أو ثري شكى الحال إنسانيا وهو في الوطن وكم من فقير انسجم في الغربة بعيدا عن الوطن.

فالوطن وطن الروح والجسد والغربة غربة الجسد في المكان، والاغتراب اغتراب الروح في الزمان، وهكذا الوطن انسجام بين المكان والزمان في العلاقة بالإنسان، ولذلك توصف أزمان الوطن بالعمران اذا حلت الحضارة بالمكان وهنا تتلاشى الغربة بالعمران لأنها تمنح الانسان المال وحينها ينتفي الفقر في البلاد ويتلاشى الاغتراب بالحضارة لأنها تمنح الانسان المعنى بالوجود فيتأسس الاطمئنان بالبلاد.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

اضف تعليق