علاقة الأسرة المرجعية من آل الشيرازي بالشعائر الحسينية، لا تقتصر على الجانب التبليغي والإرشادي، كونهم أسرة مرجعية ضاربة في القدم، بل تتسع الى حيث الابعاد الانسانية والحضارية، فقد كان التجسيد نموذجياً فريداً، فقد اقتفى المراجع من آل الشيرازي، أثر جدهم الشهيد، أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، في طريقة وآلية النهضة والتغيير ثم البناء، فكان التصدّي الشجاع وتحدي العقبات والتضحية والمواقف الحازمة وغيرها، تعبر عن إدراك عميق منهم للحجم الحقيقي للثورة الحسينية في هيكلية الحضارة الاسلامية. لذا نجدهم على طول الخط، يشجعون ويدعون ويشاركون ايضاً، في إحياء الشعائر الحسينية، فالمرجع الراحل وزعيم الحوزة في زمانه، السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي، كان يكرم شاعر أهل البيت المعروف، حيدر الحلّي، ويزوره في بيته، ويحثّه على نظم القصائد الحسينية. وفي حقبة لاحقة، نلاحظ تطوراً في المسيرة الحسينية، بظهور التنظيم والابداع في نشر الشعائر الحسينية، فكانت الهيئات والحسينيات والمواكب والمقتل الحسيني الشهير وعديد الفعاليات المستحدثة، علي يد المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي، ولم تنحصر هذه الفعاليات في كربلاء المقدسة والمدن العراقية، بل انطلقت باشعاعها في الدول المجاورة ثم في جميع انحاء العالم.

واليوم حيث نقف عند البقية الصالحة، سماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي – دام ظله- نشهد مواكبة من نوع جديد للمسيرة الحسينية، ربما الظروف ومقتضيات الزمان هي التي جعلتنا نشهد ثورة في ثورة... وتفجير ثورة من اجل الشعائر الحسينية، ابطالها الباكون تحت المنابر واللاطمون على الصدور والرؤوس والمهرولون في "عزاء طويريج" والضاربون بالسيوف الى الهامات والسلاسل على الظهور، وحتى الطباخون ومن يعد الطعام والشراب للزائرين وغيرهم كثير.

لقد عاصر سماحة المرجع الشيرازي، عهدين او حقبتين – إن صحّ التعبير- للشعائر الحسينية؛ في الحقبة الاولى كان المجتمع الاسلامي مهدداً في عقيدته وهويته الدينية، سواءً في العراق وعديد البلاد الاسلامية، فكانت هذه الشعائر، بمنزلة الدرع الحصين أمام الافكار الوافدة ومحاولات التضليل والتحريف. أما الحقبة الثانية التي نعيشها اليوم، فان الوضع بات أكثر خطورة، حيث التهديد والتحدّي الخارجي بات يطلّ برأسه على الداخل الشيعي ساعياً لضرب هذه الشعائر ثم رسم صورة جديدة للنهضة الحسينية غير التي نحفظها عن الأئمة المعصومين، عليهم السلام. وهذا ما استدعى المرجع الشيرازي لتحمّل أعباء هذه المسؤولية والنهوض بهذه الثورة، التي تحمل طابعاً مشابهاً للثورة الحسينية الاولى، فهي لا تقدم النصر والتفوق على الطرف المقابل، وتضمن امتيازات ومكاسب لما بعد الثورة، كما يحصل في الثورات ذات الأفق الضيق والمصالح الخاصة. إنما العكس تماماً؛ حيث المشاكل والمعاناة والتشكيك والتشهير وحتى التهديد.

خطاب المنطق الى المثقفين

يحرص سماحته في ثورته هذه على تقوية أركان الخطاب الحسيني بالأدلة المنطقية والبراهين لسحب البساط من تحت المشككين والمعادين، وايضاً الساعين لحرف المسيرة وإعطائها لوناً آخر غير الدم والتضحية الفداء، ويوضح أن القضية ليست حدثاً تاريخياً، كما ان الامام الحسين، عليه السلام، ليس شخصية تاريخية، حاله حال عديد الشخصيات البارزة واللامعة في التاريخ من فلاسفة وعباقرة وقادة كبار، أنجزوا ما عليهم في حياتهم، وباتوا رموزاً في بلادهم ولدى شعوبهم، إنما يمثل روحاً تسري في أوصال الامة وفي الاوساط الشيعية – الايمانية بشكل خاص. فحياتهم بهذه الروح المتوقّدة.

ويبين هذه المسألة من خلال شرحه معنى كلمة "الطف" التي جاءت في الحديث النبوي الذي روته "أم أيمن" من رسول الله، وقد أكده أمير المؤمنين فيما بعد؛ وروته العقيلة زينب للإمام السجاد بعد الواقعة: "...وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء، لايُدرس أثره، ولا يعفو رسمه".

أما المعنى اللغوي للطف فهو؛ "المكيال الذي لم يكمل، ولكن من المقرّر أن يكمل، فيكون المراد من كلامه، صلى الله عليه وآله، أنّ استشهاد الإمام الحسين، لم تُختم زماناً ومكاناً، بل هي مستمرة إلى أن يظهر الإمام الحجّة، عجّل الله تعالى فرجه، وينتقم لدمه صلوات الله عليه، أو أنها ستستمر إلى يوم القيامة". ثم يدعو سماحته ضيوفه مخاطباً إياهم بإنكم "أيها الحضور الكرام من أهل الفضل، وفيكم المثقّفون والأساتذة والمفكّرون، يجدر بكم أن تراجعوا المصادر التاريخية لتعرفوا حقيقة عاشوراء...".

إن استمرار الشعائر الحسينية رغم المحاربة العنيفة والوحشية منذ عهود ودهور، لهو محل تساؤل مثير لكل باحث وعالم، فكما ان الكثير من الباحثين والمفكرين اهتدوا الى أحقية التشيع وفكر أهل البيت، من خلال الديمومة طيلة القرون الماضية، فيما اندثرت طوائف وفرق اسلامية ظهرت وسادت ثم بادت، ولم يبق منها إلا الاسم في الكتب، بينما التشيع، فهو – كما موجود امام العالم- ليس مجرد طائفة او مذهب، إنما عنوان لحضارة ومنظومة فكرية وثقافية متكاملة للحياة. وهذا تحديداً ما يسعى سماحة المرجع الشيرازي لتكريسه من خلال احاديثه ومؤلفاته، حتى أنه وصف الطغاة والحكام الذين سعوا لمحاربة الشعائر الحسينية من المعاصرين، مثل الشاه البهلوي الأول في ايران وياسين الهاشمي في العهد الملكي في العراق وفي نفس الحقبة، بانهم "لا عقل لهم ومجانين، بل أسوء من المجانين...! ".

هذا الجنون والخروج عن المألوف في نمط التفكير والرؤية، يرجو سماحته أن لا ينسحب على الشريحة المثقفة واصحاب الفكر والقلم، إدراكاً منه بأهمية هذه الشريحة في صنع الواقع الثقافي ومساعدة الحكام والطغاة على التخلّص من نداءات وصيحات النهضة الحسينية، بعدم الركون الى الظالم ولا القبول بالذلّ والخنوع وغيرها من القيم الانسانية.

من هنا يحذر سماحته من الانزلاق في منحدرات فكرية لأي سبب كان، ما دام يمثل انحرافاً عن الشعائر الحسينية، ويرد مثالاً بالمتصوّف المعروف "محيي الدين بن عربي"، الذي يعده البعض عالماً كبيراً، ففي كتابه "الفتوحات المكية"، يذكر أنّ مجموعة من الحكّام كانت لهم الخلافة الظاهرية والباطنية، ومنهم رسول الله، صلى الله عليه وآله، وايضاً المتوكل العباسي...! يقول سماحته متسائلاً: "لعمري إن ابن عربي بقوله هذا يريد إضلال من؟ علماً أنّ الكثير قد انخدعوا به، ولكن هل يعذرون على ذلك؟ إن مولانا، رسول الله، صلى الله عليه وآله، يلعن الساكت عن قتلة الإمام الحسين، لكن ابن عربي يصرّح أنّ مثل المتوكل خليفة الله ظاهراً وباطناً"؟!

الشعائر الحسينية.. الفيصل

كما بات واضحاً أن الشعائر الحسينية، تمثل – فيما تمثله- في الامة وفي الوجدان الاجتماعي، نسخة مقاربة للثورة الحسينية يوم عاشوراء، حيث التحدي والثبات والتضحية والإباء، كل ذلك من اجل قيم سامية، فاذا لم تكن توجد منطقة وسطى في كربلاء الحسين سنة 61 للهجرة، فانه اليوم، وكل يوم، لن توجد هذه المنطقة مطلقاً في خارطة الامة، فإما مع الحسين، وإما مع يزيد. إما مع الشعائر الحسينية، وإما مع المحاربين لهذه الشعائر.

هكذا يعبر سماحته بكل شفافية عن هذه الصورة: "انتهى عاشوراء هذا العام... وبقي شيئان؛ أحدهما الثواب الجزيل، والآخر العقاب الأليم، والأوّل هو الرحمة الإلهية الواسعة، والآخر: الغضب الإلهي الشديد، وهكذا كان يوم عاشوراء عام 61 للهجرة؛ فلقد تميّز الفريقان، واستحقّ أصحاب الإمام الحسين، عليه الثواب والرحمة، وحقّ على أعدائهم السخط والعقاب". وكما هنالك حبيب بن مظاهر الأسدي، وشمر بن ذي الجوشن، وكلاهما من مدينة واحدة – كما يوضح سماحته- "وعاشا معاً سنوات طويلة، ولكن شتّان ما بين عاقبتيهما وما آل إليه أمر كلّ منهما في يوم عاشوراء"، كذلك الحال في الوقت الحاضر، حيث تقام الشعائر الحسينية، كل عام لإحياء ذكرى الامام الحسين، بل وتقام المجالس الحسينية لتكريس الثقافة الدينية على مدى أيام السنة، فان القائمين على هذه المجالس من المفلحين المنجحين، لانهم اقتبسوا من ثورة الامام الحسين، ما يساعدهم على تحقيق النجاح في الحياة الدنيا، ويضمنون لهم رضوان الله وهو أكبر، فلا يكونوا عبيداً ولا متخلفين ولا مقهورين بأي شكل من الاشكال، أما في الجهة المقابلة فان الذل والهوان نصيبهم. ولعل شواهد التاريخ تدل تؤكد هذه الحقيقة، يسردها سماحته في عديد أحاديثه ومؤلفاته.

وحتى يكون الانسان على الطريق الصحيح، ما عليه سوى الثبات والصمود، كما حصل يوم الطف سنة 61 للهجرة، وسماحة المرجع الشيرازي واضحاً جداً في هذه القضية، حيث يبين للحسينيين بأن من "يتعرض للسجن يوماً واحداً في سبيل الامام الحسين، عليه السلام، فله أجر كبير، وكلما طال بقاؤه في السجن، وكلما تعرّض للأذى والتعذيب ازداد أجره...". ويذكر سماحته حديثاً مطولاً منقولاً عن الامام الصادق، عليه السلام، حول من يتعرض للموت والأذى والاعتقال والتعذيب في طريق زيارة الامام الحسين، عليه السلام، ويذكر عن الامام ، عليه السلام، الثواب الجزيل والفضل الكبير لمن يتحمل كل هذا الأذى لإحياء النهضة الحسينية.

لا تتعرضوا للحسين، فيحترق تاريخكم!

إنها كلمة مدوية وذات دلالات، اطلقها سماحة المرجع الشيرازي في إحدى كلماته أمام حشد من المعزين ومقيمي الشعائر الحسينية، فقد أكثر سماحته من الاستشهاد بالحكام الطغاة من ذوي الامكانات الكبيرة والسطوة والهيمنة من البهلوي في ايران، وبعض الحكام الطائفيين في العراق، يتقدمهم الطاغية البائد، كل هؤلاء، إنما سقطوا وفشلوا لتعرضهم لمسيرة الشعائر الحسينية، ولطالما استخدموا العنف والوحشية، وملئوا السجون وغرف التعذيب بالمعزين والسائرين على الاقدام، وذهب بسبب هذه السياسات القمعية العشرات بل المئات من الشهداء. وما يثيره دائماً سماحته السبب في تكرار نفس التجارب الفاشلة من قبل الحكام المتعاقبين، فالمتوكل العباسي جرّب كل المحاولات للحؤول دون وصول الزائرين الى مرقد الامام، وفشل، وبعد قرون من الزمن، لاحظنا كيف ان صدام استخدم نفس السياسة بوسائل اخرى، وفشل ايضاً، فهل يقتفي آخرون أثره...؟! انه المآل الذي طالما يحذر سماحته من تكراره، ويصرح بالقول: "من يحارب الشعائر الحسينية إنما يحرق تاريخه".

ولكن، ربما هي السلطة ومغرياتها، وكذلك الرؤية الخاطئة والقراءة المغلوطة للتاريخ والنصوص الدينية هي التي تدفع بالبعض - احياناً- لاتخاذ الموقف الخطأ او القرار الخطأ والقاتل بالتعرض للشعائر الحسينية ومحاولة التقليل من شأنها وتحجيمها، إن لم يتمكن من أزالتها من الاذهان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0