الكلمة موقف، الله كلمة، الشرف كلمة، كل القيم مسمّاة بالكلمة، والمسؤولية كلمة أيضا، فهل تنتهي هذه المسميات عند تخوم الكلمة؟، كثيرون يشعرون بالمسؤولية ويعرفون تمام المعرفة المعنى الحرفي لهذه الكلمة، وكثيرون يعرفون ماذا تعني كلمة (الله) أو (الدين) أو (الشريعة) أو (الشرف) وغيرها من الكلمات والمسميات، هل ينتهي الأمر عند هذا الحد؟، كلا بالطبع، إن فهم هذه الكلمات فهما دقيقا واستيعاب معانيها وامتداداتها وحده لا يكفي، وما لم يتبع هذا الفهم التزام فعلي تطبيقي ينبع من صلب معنى الكلمة، فلا فائدة من فهمها أو الإيمان بها فقط.

فما ينبغي أن يتبع فهم الكلمة وتفكيك معانيها وأسرارها هو تطبيق ما توجبه على الفاهم والمفسّر، فمن يعرف الشرف مثلا عليه أن يطبق هذا المعنى جملة وتفصيلا في حياته، وفق منهج قويم، ويُقصَد بالمنهج المبدئي، أن يثبت الإنسان على مبادئه التي يؤمن بها، عن قناعة وإيمان لا يتزحزح، مهما تعرض لوسائل الترهيب والترغيب، فالمعروف أن أساليب الطغاة عبر العصور المختلفة، تتراوح بين الترهيب والترغيب وتجمع بينهما، من اجل تحقيق الأهداف التي يسعى إليها الحاكم المستبد، وهي أهداف واضحة المعالم، تتركز على حماية العرش، وتعظيم السلطة، وتضخيم الذات والنفوذ ومضاعفة الأرصدة والمكاسب، وكل هذه الأهداف تأتي على حساب حقوق الشعب، فتظهر علامات ومؤشرات الظلم بصورة واضحة، لا تقبل الشك، الامر الذي يستدعي مقارعتها، بكل ما يتوافر من عناصر مقاومة للظلم والطغيان.

وتأتي كلمات الإمام الحسين ضمن هذا التوجّه، لتؤكد لنا على أهمية أن يثبت الإنسان بقوة على مقارعة الظلم، وتحث الإنسان على الثقة بالنفس، والإيمان التام بالذات والقيم البناءة، وعدم التردد او الخوف من السلطان الجائر، إذ نقرأ ونستدل على الدلائل العظيمة لمبدئية الفكر الحسيني، في قول الإمام الثائر عليه السلام:

(وإنما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظَلَمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك، رغبة فيما كانوا ينالون منهم، ورهبة مما يحذرون.. والله يقول: *فلا تخشوا الناس واخشوني*).

فقد ربط الإمام الحسين عليه السلام، الخشية بما هو أعظم من قدرات الإنسان الظالم، إنما الخوف من الله تعالى هو النوع الوحيد الذي يجب ان يقدمه الإنسان على الخوف من بطش الحاكم أو المسؤول الظالم، وهذا يتطلب بطبيعة الحال، استعدادا قطعيا للتضحية بأنفس وأغلى ما يملك الإنسان، وهي الروح او النفس او الحياة التي تغدو مع الظالم نوع من البرم الذي لا يُطاق إلا بالخنوع وبؤس الذل.

هكذا يرسم لنا الفكر الحسيني مسارا مضيئا، و واضحا لمعالجة قضية الصراع الأزلي بين الظالم والمظلوم، ولأن الظلم مقرون على الدوام بالحكام الطغاة المستبدين، و الأنظمة السياسية الفردية التي لا تعرف من الواجبات سوى مصالحها ومغانمها، لذلك لابد أن يؤمن الإنسان المحكوم في ظل النظام الظالم إيمانا كاملا، بأهمية مقارعة السلطان والسلطة الغاشمة، وعدم الخضوع للخوف، أو الترغيب الذي يلجأ إليه معظم الحكام والمسؤولين المجرَّدين من الضمائر الحيّة، لكي يقتلوا روح الإيمان والتحدي لدى الإنسان المؤمن، وإنْ لا ينفع هذا الأسلوب فلديهم أسلوب آخر هو النقيض من الترغيب ونعني به التخويف والابتزاز وكل أشكال الضغط المادي والمعنوي لكسر إرادة الإنسان المحكوم وترويضه وإخضاعه لسلطة الظلم.

ومما يظهر بوضوح من كلمة الإمام الحسين عليه السلام الواردة في أعلاه، ترسم لنا صورة مفصلة وعميقة، لما تحثنا عليه مبادئ الفكر الحسيني، والدليل القاطع على أفضلية هذا المنهج، هو سيد الشهداء نفسه، عندما قدم - عليه السلام- روحه قربانا للإسلام في النزال الخالد بينه كصوت أزلي للحق وبين الطاغية المتنمّر الذي خرج بعيدا عن سيرة المجد النبوي في تثبيت ركائز الحرية والقيم المقدسة، وهكذا إذا كان الإنسان قويا من الداخل مؤمناً بالقدرة عن التغيير والانتصار، مستعدا لتقديم أقصى ما يمكن من التضحيات، حينئذ لن تكون النتيجة سوى هزيمة الظلم والطغيان مهما كانت سطوته ودرجة ظلمه.

وهذا ما تحقق في ثورة الإمام الحسين ووقفته التي تمنح الناس درسا عظيما يدور في هذا المدار، فقد انتصر سيد الشهداء رغم قلة العدد والعدة، لكن روح الإيمان كان أشد قوة وأكثر تأثيرا من العدة والعدد التي كانت لدى الأعداء، وهكذا انهزم الظالم شر هزيمة، وانتصر المظلوم نصرا مبينا سيبقى ما بقي الدهر متساميا نحو الأعالي راسخا في ذاكرة التأريخ الأبدية، ومهما تطاول الزمان سيبقى نصر الحسين المدوّي دليلا متوهجا على عظمة الفكر الذي أنتجته ثورته العظيمة، وأعظم ما هذا الفكر تلك المبدئية التي ستبقى متوهجة إلى الأبد كفنارٍ عالٍ يهتدي به المسلمون والإنسانية بلا استثناء.

وهكذا كان ولا يزال وسيبقى منهج الإمام الحسين نافرا متفردا رافضا للخطيئة، ويظلُّ مصدر رعب للحاكم الطاغية ومن يعينه على ظلم الناس، فمن أعظم ما يتحلى به المنهج الحسيني أنه يتناءى عن مداهنة الحكام الظالمين والذين يصطفون إلى جانبهم، معاونين لهم تزلفا وتعلقا بالمغانم المادية البائسة، وهذا يشمل جميع المخادعين المتمسكين بمنهج الظلام مهما كانت عناوينهم أو مسؤولياتهم، فالظالم الصغير والكبير لا يختلفان عن بعضهما، بل هما صنوان متشابهان، ولا يختلف بينهما سوى قيمة أو حجم الأثر المدمِّر الذي يصدر عنهما، من حيث الكمّ ودرجة الأذى التي يتم إلحاقها بالناس الأبرياء، أو أصحاب الحقوق الثابتين على مقارعة الظالم، محصنين أنفسهم من الوقوع في فخ الترهيب أو الترغيب، ولعل ما يعيشه المسلمون الآن في بعض الدول الإسلامية بالاسم فقط هو دليل على أن هناك من يكذب إلى الآن على الإمام الحسين (ع) أولئك هم الحكام ومعاونوهم الذين يقولون غير ما يفعلون، فتأخذهم السلطة والجبروت في الدنيا، مع أنهم يعلنون بأنهم حسينيون، نعم هم حسينيون بالاسم فقط، أما أفعالهم فلا علاقة لها بحب الحسين، فيأتي النص القرآني المبارك مصدقا لما يفعله هؤلاء الحكام والمسؤولون، يقول تعالى: يا أيها الذين آمنوا لماذا تقولون ما لا تفعلون.

بالمحصلة النهائية لا تتوقف مسؤولية الإنسان عند نقطة الشعور بها، إذ ما فائدة أن تفهم دورك وتعرف تفاصيل مسؤوليتك وتتوقف فقط عند هذا الحد، ولا تتجاوزه إلى تطبيق ما تفرضه هذه المسؤولية، فإن كنت مؤمنا بمبادئ الحسين، هذا يعني أنك أمام مسؤولية عظيمة، وإن قلت بأنك تعرف هذه المسؤولية وتشعر بها، فهذا جيد لكنه لا يكفي، فما هو الذي يستتبع هذا الشعور الجيد؟، يتبعه كيفية تحويل هذه المسؤولية إلى منتَج فعلي ملموس ومسموع ومرئي، ومجسَّد عبر مواقف وأفكار وأفعال لا تقبل الاحتمال أو الخطأ، وهذا بالضبط ما يوجبه المنهج الحسيني على كل إنسان يؤمن به ولا يتوقف عند الإيمان بالكلمة وحدها بل يسير قُدُماُ إلى تطبيقها وتجسيدها عمليا في ميادين الحياة المختلفة.

اضف تعليق