واقعية هذا الشهر تعطي الانسان والمجتمع الفرصة في التعامل مع هذه القيم في حياته اليومية والتجرد من المادية.. في شهر رمضان تترجم الأفكار إلى وقائع، وتتحول الحروف إلى حركة والكلمة إلى حياة، شهر الصيام هو مناسبة جيدة لتربية الإنسان والوصول الى "الفوز الأكبر وهو اصلاح النفس وتطوير الحياة...

شهر رمضان فرصة لسير الانسان نحو التكامل، الفرد والمجتمع، كلاهما قادران على احداث الفارق والنجاح في تحقيق عملية التغيير والارتقاء صعوداً الى قيم التقدم وجعلها جزء من التحول الكبير الى الحركة بعد السكون، وهي عملية تجعل من (الفرد/ الامة) في تطور مستمر، لأنها سوف تخلق حالة جديدة لها القدرة على تطور الافراد والمجتمعات وبث الروح فيها والانطلاق نحو المستقبل.

ان القدرة على هذه الانتقالة، بحسب البرفسور "مصطفى حجي": "لا تحققها الأموال ولا تبلغها الثروات الطبيعية وانما تحققها منظومة القيم الذائعة والشائعة في المجتمع من قاعدته الى قمته، فعن طريق توفر هذه المنظومة من القيم يتقدم الذين يتقدمون، وعن طريق انتفاء هذه القيم (واحياناً وجود نقيضها) يتأخر الذين يتأخرون، ثم يغرقون في خداع أنفسهم بأنهم متأخرون اما لآن الظروف غير مؤاتية او لآن الإمكانيات ناقصة او لآن العالم الخارجي يتآمر عليهم ولا يريد لهم خيرا".

ان البقاء على رتابة الحياة المادية والجهد المبذول فيها من اجل اشباع الرغبات المادية سيؤدي حتماً بمرور الزمن الى الجمود ثم الانحدار نحو هاوية التخلف والتراجع الإنساني، وفقدان الهوية الأخلاقية بصورة تدريجية يصعب معها، مع الوقت، العودة من جديد ثم النهوض والتقدم الى الامام.

"ان القيم الاجتماعية هي الخصائص أو الصفات المثالية للمجموعة، والتي تحددها الثقافة القائمة، وهي أدوات اجتماعية للحفاظ على النظام الاجتماعي والاستقرار الاجتماعي"، ومن خلال شهر رمضان الكريم والخصائص الفريدة التي يحملها، والقيم الثقافية التي يرسم ملامحها على سلوك الانسان والمجتمع، يمكن ان نلاحظ مقدار التغير والتطور الذي يتحقق.

ويرى المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي ان: "الانسان بحاجة في كل عام إلى وقفة مع نفسه ومع الحياة، لأن غبار الحياة قد يتراكم على قلبه فيجرده عن رؤية الحقيقة وتحول بينه وبين طريق التقدم، فلابد من غربلة تمهد الطريق إلى الدخول في شهر رمضان، لابد من نقض لما علق بالإنسان من غبار الجهل واليأس والتخلف، والأخذ بشآبيب الأمل والتقدم للمضي في طريق راسخ نحو تجديد الحياة الفردية ليكون هذا التجديد هو السبيل لتقدم حياة الجماعة نحو الامام".

ان التسامح والعدالة الاجتماعية واحترام الوقت ومعرفة قيمة العمل والايثار والتعاون على البر والإخلاص والاستقامة والتأخي والحرية والمسؤولية والصدق والامانة وغيرها، يمكن تطبيقها بصورة عملية في شهر رمضان، فواقعية هذا الشهر تعطي الانسان والمجتمع الفرصة في التعامل مع هذه القيم في حياته اليومية والتجرد من المادية قدر المستطاع، او كما يشير اليها الامام الشيرازي (رحمه الله) بقوله: "في شهر رمضان تترجم الأفكار إلى وقائع، وتتحول الحروف إلى حركة والكلمة إلى حياة، يتحول الإنسان إلى أمة كإبراهيم (عليه السلام) حيث كان أمة قانتاً لله، يكون أُمة بتقدمه في هذا الشهر".

لذلك يمكن القول ان "شهر الصيام هو مناسبة جيدة لتربية الإنسان على هذا القيم ليكون انساناً مستقيماً"، وبالتالي الوصول الى "الفوز الأكبر في شهر الصيام هو اصلاح النفس والغير وتطوير الحياة إلى الأفضل"، وبذلك ينجح الانسان او المجتمع في تطوير الذات وبناء قيم اجتماعية أكثر ازدهاراً ورقياً ومجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً.

ويمكن الاستفادة من القران الكريم في تغذية الفرد بقيم التقدم وتطوير قدرته على التفاعل والتعاطي الإيجابي معها، خصوصاً وان العلاقة التي جمعت بين شهر رمضان والقران الكريم هي علاقة خاصة جداً وتكاملية بشكل واضح كقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، وبالتالي يرى الامام الشيرازي ان إعادة احياء قيم التقدم في المجتمعات الإسلامية وزرعها في نفوس افرادها يأتي من خلال اعادة احياء الآيات القرآنية "المنسية" وما تضمنته من قيم التقدم، ومنها على سبيل المثال:

آية الاخوة: (إنّما المؤمنونَ إخوةٌ)

وآية الحرية: (وَيَضعُ عنهم اصرَهم والاغلالَ التي كانت عليهم)

وآية التعاون على فعل الخير: (وَتَعاوَنوا على البرِّ والتقوى ولا تَعاونوا على الاثمِ والعُدوان)

وآية المسؤولية: (كُلُّ امرئٍ بما كسبَ رهين)

وآية تجنب الظلم: (لا تُظلِمُونَ وَلا تُظلَمُون)

وآية السعي: (وأن ليس للإنسان الاّ ما سعى ــ وَأنَّ سعيَهُ سوفَ يُرى)

وبالتالي يمكن الاستفادة من هذه القيم التي حملها القران الكريم ونادى بتطبيقها من اجل فائدة الانسان وتطور المجتمعات وبناء الحضارة الإنسانية، ويمكن ادراج بعضها كخلاصة لما تقدم:

1. زرع قيم التقدم والأخلاق الاجتماعية النبيلة في المجتمع من خلال افراده، باعتبارها قيم تضامنية، من خلال ادراجها في المناهج التعليمية والحياة العامة واعتبارها جزء من الواجبات الأخلاقية.

2. التعاطي مع شهر رمضان بعيداً عن الرغبات المادية (الاكل، الشرب، النوم...الخ)، بل باعتباره شهراً للتقدم القيمي الإنساني والتطور الأخلاقي والرقي والازدهار الاجتماعي والتكامل الروحي، ومن خلاله يمكن تحقيق نهضه إنسانية شاملة.

3. الاستفادة من الفضائل الرمضانية كبرنامج عمل واقعي ويومي في تطوير المهارات الاجتماعية للفرد او الجماعة واعتبارها الأساس في السعي نحو التطور والارتقاء الاجتماعي.

4. الاستفادة من قدرة المؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين والأكاديميين في تعزيز هذه القيم وتفعيلها من خلال ادوارهم الاجتماعية المتنوعة وقدرتهم المعرفية ومدى التأثير الذي يملكونه داخل المجتمع وبين الافراد.

5. للإعلام دور فعال وجوهري في تعزيز هذه القيم وتفاعلها داخل المجتمع، فبدلاً من نشر المحتوى الاجتماعي الهابط الذي يحث على الرذائل والتخلف والجهل والعنف، يمكن انتاج برامج تعزز قيم التقدم والأخلاق النبيلة والفضائل.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2023
http://shrsc.com

اضف تعليق