ملفات - شهر رمضان

وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ التَّاسِعةُ (22-23)

{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ}.

إِذا وضعنا بجانبِ هذهِ الآيةِ الكريمةِ قولَ رسولِ الله (ص) {أَنا مدِينةُ العلمِ وعليُّ بابُها فمَن أَرادَ العِلمَ فلْيأتِهِ مِن بابهِ} فسيتَّضح الأَمرُ جلِيّاً.

السُّؤَال؛ كيفَ ندخُلَ البابَ؟! أَو كيفَ نقرأَ عليِّ بن أَبي طالبٍ لندخُلَ مدينةَ العلمِ هذهِ؟!.

قبلَ كُلِّ شيءٍ يلزمَنا طردَ نَوعَين من القرَّاء لأَنَّ ضررهُما أَكثر مِن نفعهِما، وهُما اللَّذان ذكرهُما أَميرُ المُؤمنينَ (ع) بقولهِ المشهُور والمعرُوف {يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وَبَاهِتٌ مُفْتَرٍ} وفي صيغةٍ أُخرى {هَلَكَ فِيَّ رَجُلَانِ مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ}.

لِماذا؟!.

لأَنَّ أَيَّة قِراءة لعليِّ (ع) لا تعتمد العَقل والمنطِق والإِنصاف فستظلمهُ بِلا جدالٍ، فلقد سمِعَ (ع) رجُلاً من الحَروريَّة [الخَوَارج] [وهُم الذين خرجُوا عليهِ بحَرُوراء] يتهجَّد [يُصلِّي باللَّيلِ] ويقرأ، فقالَ (ع) {نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ فِي شَكٍّ}.

وهوَ اليَوم حالُ الكثير ممَّن هُم في السُّلطة والحُكم ممَّن يدَّعي الإِنتماءَ لنهجِ عليٍّ (ع) إِلَّا أَنَّ فعلهُ فِعلَ الأَمويِّين بِلا مُنازعٍ، لأَنَّهُم واحدٌ مِن الإِثنينِ الَّذَينِ أَشار إِليهِما أَميرُ المُؤمنينَ (ع).

وبرأيي فإِنَّنا نحتاج إِلى أَن نقرأَ أَميرَ المُؤمنينَ (ع) الإِنسان أَوَّلاً وقبلَ أَيَّ شيءٍ آخر لنتجاوزَ كُلَّ الأُطر [الدينيَّة والمذهبيَّة] التي رسمَها الجهَلة والمُغرضُون والطائفيُّون لإِبعادِهِ عن المعنى الإِنساني لعلُومهِ وبالتَّالي بناءِ جُدُرٍ صلبةٍ حالت بينهُ وبينَ البشريَّة للإِستفادةِ والتَّفاعُل مع علومهِ العظيمةِ ونهجهِ الإِنساني الخالِد.

وإِنَّما اكتشفَ الأَديب اللَّبناني الرَّاحل جُورج جِرداق بعضاً من علومِ الإِمام (ع) في موسوعتهِ الأَشهر [الإِمامُ عليٍّ صَوت العَدالة الإِنسانيَّة] لأَنَّهُ قرأَهُ كإِنسانٍ فوجدَ بهذهِ الطَّريقةِ الوَشائج الروحيَّة والعلميَّة التي تربطهُ بهِ (ع).

وهوَ المنهجُ الذي يصِلُ بهِ إِلى عليٍّ (ع) كُلَّ مَن قرأَهُ بهذا المعنى.

ومنهُم [هيئة الأُمم المُتَّحدة] التي أَوصت في تقريرِها الإِنمائي السَّنوي عام ٢٠١١ باعتمادِ عهدِ الإِمامِ (ع) للأَشترِ النَّخعي لمَّا ولَّاهُ مِصر، كقاعدةٍ لتحقيقِ التَّنميةِ في البُلدانِ التي تنشُد النُّهوض.

أَمَّا المُحبُّ المُفرط فعندما يقرأُ عليّاً (ع) فإِنَّما يتخيَّلهُ أَوَّلاً أُسطورة أَو تُحفة تاريخيَّة لا تقدر على الإِستنارةِ بعلمهِ بأَيِّ شَكلٍ من الأَشكالِ، في الوقتِ الذي ردَّ (ع) على مثلِ هذهِ الطَّريقةِ من التَّفكيرِ بقولهِ {أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ} وهي دَعوةٌ مُلحَّةٌ مِنهُ (ع) للإِسترشادِ بعلمهِ وسلُوكهِ ونهجهِ.

كما أَنَّ المُحب الغالي يُبرِّر كُلَّ ما لا يفهمهُ من سيرةِ الإِمامِ (ع) وعظمةِ علومهِ بالغيبيَّات لأَنَّ التَّفكير فيها بالنِّسبةِ لهُ بمثابةِ التَّجاوُز على المُقدَّس، فأَولى لكَ، برأيهِ، أَن تقفَ عندهُ من دونِ البحثِ والتَّفكير فيهِ حتَّى لا تتجاوز على المُقدَّس.

وهيَ محاولةٌ لتبريرِ العجزِ الذَّاتي من جانبٍ آخر!.

وكلُّ هذا للتهرُّب من أَيِّ التزامٍ تجاهَ الإِمام (ع) ونهجهِ، وهيَ مُحاولةٌ معروفةٌ لتبريرِ فِكرةِ القَبول بهِ كهويَّة ولكن ليسَ أَكثر من هذا! وهي النظريَّة التي تُسقط فِكرة أَنَّ الإِمامَ حُجَّةٌ والحُجَّةُ هو مَن يحتجُّ بهِ الله على عبادهِ يومَ القِيامة، فإِذا كانَ الامامُ كذلكَ حسبَ رأيِ هؤُلاء فكيفَ يكونُ حجَّةً والله تعالى يقولُ {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ} ما يعني أَنَّهُ تعالى سيحتجُّ بالإِمامِ علينا في اليوم الآخِر، أَينَ كنتَ منهُ؟! وما هي المسافة التي احتفظتَ بها بينكَ وبينَ نهجهِ وسلوكهِ؟! وكم استفدتَ من علُومهِ؟!.

وكُلُّ هذا ردَّ عليهِ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) في أَكثر من خطابٍ وكلامٍ عندما كانَ يرى بعضاً من هذا النُّموذج يتجاوزُون الخطُوط الحَمراء في علاقتهِم معهُ وتعاطيهِم من سيرتهِ، فقالَ لِرَجُلٍ أَفْرَطَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ مُتَّهِماً {أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ}.

أَمَّا النَّوع الثَّاني مِن القُرَّاء وهوَ المُبغض القالي فهو نفسهُ عندما يقرأ القُرآن الكريم فلا يستنتجَ منهُ إِلَّا الإِرهاب والقتْل والذَّبح وسبي النِّساء والهدْم والتَّدمير فهوَ يقرأ القُرآن النَّاطق [علي (ع)] كما يقرأ كتابَ الله بجهلٍ وحقدٍ وكراهيَّةٍ لإِثارةِ الفتنةِ من خلالِ البحثِ عمَّا يُحقِّق مصالحهِ الذاتيَّة فقط.

ولقد أَشارَ إِليهِ القُرآن الكريم بقولهِ تعالى {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.

ولقد قَالَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَقَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَلَاماً {دَعْهُ يَا عَمَّارُ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَارَبَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَعَلَى عَمْدٍ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ}.

وإِنَّ أَحقر القُرَّاء على الإِطلاقِ هُم الذين يجمعُون الصِّفتَينِ، فيكونُ أَوَّلاً مُحبُّ غالٍ ثم يتدهوَر حالهُ إِلى مُبغضٌ قالٍ وهو حال الكثير من الخوارِجِ الذين قرَأُوا علياً (ع) في البدايةِ بجهلٍ ثمَّ تحوَّلت إِلى قِراءةٍ بحقدٍ وبُغضٍ وكراهيَّةٍ حتَّى اتهمُوهُ بالكُفرِ.

ولقد وصفَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) معاناتهِ معهُم في كلامٍ لهُ كلَّمَ بهِ الخوارِج حينَ اعتزلُوا الحكُومة و تنادَوا أَن لا حُكمَ إِلَّا لله {أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ وَلَا بَقِيَ مِنْكُمْ آثِرٌ أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّهِ وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وَسَيْفاً قَاطِعاً وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً}.

لحظة الإِختيار

{قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}.

الرِّجالُ إِثنان؛ رجلٌ يُتاجرُ بالدِّينِ لتحقيقِ غاياتهِ السياسيَّةِ، وآخر يُتاجرُ بالسِّياسةِ لتحقيقِ غاياتهِ الدينيَّةِ.

الأَوَّل يخُوضُ بالدِّماءِ لتحقيقِ ذاتهِ، والثَّاني يخُوضُ بذاتهِ لحمايةِ الدِّماءِ.

وليسَ أَصعبُ على المرءِ من التَّمييز بينَ الأَهم والمُهم، وبينَ المصالحِ العامَّة والأُخرى الخاصَّة، وبينَ أَن يختارَ المبدء ليحميهِ فيضحِّي بكُلِّ شيءٍ من أجلهِ وبينَ أَن يختار أَيَّ شيءٍ ويضحِّي بالمبدأ.

نظريّاً فإِنَّ كُلَّ ذلكَ واضحٌ وسهلٌ إِلَّا أَنَّ ما يكشف الحقيقة هو الإِختبار.

وعلى مُستوى السُّلطة فأَنا برأيي أَنَّ الرَّجُلَ يُختبَرُ في مَوقِفينِ وفي لحظَتينِ؛ لحظة وقُوفهِ على أَعتابِها، ولحظة إِزاحتهِ منها لأَيِّ سببٍ كانَ.

هُنا يقفُ الرَّجُل عند مُفترقِ طُرقٍ، فنتثبت ما إِذا كانَ رجُلَ دينٍ وقِيَم ومبادئ يضحِّي بكُلِّ شيءٍ لحظة تعرُّضها للخطرِ، أَم أَنَّهُ رجُل دُنيا وسُلطة لتحقيقِ نفوذهِ ومصالحهِ من خلالِ الدِّينِ والقِيم والمبادئ؟!.

وفيما إِذا كانَ يُتاجرُ بالسُّلطةِ من أَجلِ الدِّين أَم بالعكسِ؟!.

وفيما إِذا كانَ يُضحِّي بالسُّلطةِ من أَجلِ حمايةِ وحدةِ المُجتمع، أَم بالعكسِ يضحِّي بالأُمَّة من أَجلِ السُّلطةِ؟!.

حكيمٌ قادِرٌ عَلى التَّمييزِ بينَ الأَهم والمُهِم، أَم أَحمقٌ لا يُميِّز بَيْنَ النَّاقةِ والجملِ، وبينَ المصالحِ والمفاسدِ؟!.

إِنَّ الجوابَ على هذهِ الأَسئلةِ وأَخواتها ليسَ بالأَمرِ الهيِّن، فليسَ هُناك زعيمٌ يعجزُ عن إِيجادِ المُبرِّراتِ والذَّرائعِ لشرحِ موقفهِ من هذهِ المُفردات [الدِّين والسُّلطة والأُمَّة والوِحدة] كلَّما تضاربت المصالِح وتقاطعت العِلاقة فيما بينِها، لدرجةٍ أَنَّنا نرى يوميّاً نماذجَ من الزَّعامات تدَّعي أَنَّها تُقاتل من أَجلِ السُّلطة على حسابِ سلامةِ البِلادِ والعبادِ بتفويضٍ من الله تعالى إِستلمهُ عن طريقِ رُؤيا أَو مبعوثٍ خاصٍّ أَو ما إِلى ذلكَ من الخُزعبلات التي نسمعها دائماً منهم لتبريرِ إِستقتالهِم على السُّلطةِ وتدميرهِم كُلَّ شيءٍ وخوضهِم في الدِّماء والأَعراضِ لإِنجاز [رسالتهِم السماويَّة] التي بُعثوا من أَجلِها!.

إِلَّا أَميرَ المُؤمنينَ (ع) الذي رسمَ بالفعلِ لا بالقَولِ معالم مُعادلة جديدة بمعاييرَ قرآنيَّة حقيقيَّة للتَّمييز بين رجُل الدِّين والدَّولة والقِيم والحقُوق الذي يوظِّف كُلَّ شيءٍ من أَجلِ حمايتِها، حتَّى سُمعتهُ وروحهُ إِذا اقتضى الأَمر، وبينَ رجُل السُّلطة الذي يوظِّف كُلَّ ذلكَ من أَجلِها.

والتَّوظيفُ يكونُ في كُلِّ الحالاتِ، عندما تعتلي السُّلطة وعندما تتركَها.

ويكونُ كذلكَ عندما يحينُ الوقتَ لتترجَّلَ عنها بأَيِّ شَكلٍ من الأَشكالِ.

فمِن كتابٍ لهُ (ع) إِلى أَهلِ مِصر مع مالكٍ الأَشتر لمَّا ولَّاهُ إِمارتها كتبَ لهُم يشرح فيهِ حقيقةِ الظَّرفِ الذي دعاهُ لتركِ السُّلطة ولِماذا؟!.

{أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (ص) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ فَلَمَّا مَضَى (ع) تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ فَوَاللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ (ص) عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَهُ فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ (ص) فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ}.

فالإِمامُ (ع) وقفَ عندَ مُفترقِ طُرُقٍ؛ بينَ أَن يضحِّي بالإِسلام والقِيَم التي جاهدَ من أَجلِ ترسيخِها مدة [٢٣] سنة بينَ يدَي رسول الله (ص) ليتشبَّثَ بحقِّهِ [الشَّرعي والدُّستوري] في اعتلاءِ الخلافةِ وبينَ أَن يضحِّي بهذا [الحق] من أَجلِ حقٍّ أَعظم!.

بينَ أَن يضحِّي برسالةٍ إِستراتيجيَّةٍ خالدةٍ [الاسلام] لصالحِ رسالةٍ تكتيكيَّةٍ زائلةٍ [السُّلطة] أَو العكس!.

ولأَنَّهُ (ع) رجُل مبادئ ظلَّ وفيّاً لها إِلى آخرِ لحظةٍ من حياتهِ، لذلكَ اختارَ الثَّابت على المُتحوِّل والاستراتيجي على التَّكتيكي في لحظةٍ فارقةٍ.

ومن خلالِ فهمي للنَّص فأَنا أُجزم أَنَّهُ لولا لحظة الإِختيار تلكَ لما بقيَ منَ الإِسلامِ شيءٌ، وتلكَ هيَ التَّضحية الرِّساليَّة الحقيقيَّة.

أَمَّا عندما حانت اللَّحظة ليترجَّلَ (ع) عن الحُكم في [٢١] من شهرِ رمضان المُبارك عام ٤٠ للهِجرةِ، جرَّاء عمليَّة إِغتيالٍ جبانةٍ على يدِ عدوَّ الله إِبنَ مُلجم، فقد كتبَ (ع) من وصيَّةٍ لهُ لولدَيهِ السِّبطينِ الحسَن والحُسين (ع) {يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ وَلَا تُمَثِّلُوا بِالرَّجُلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ}.

قارن هذا المَوقف الرِّسالي القُرآني بموقفِ [الصَّحابة] الذين خاضُوا ثلاثةَ حرُوبٍ أُريقت فيها دماءٌ غزيرةٌ بذريعةِ المُطالبة بدمِ عُثمان حتَّى ذهبَ قَول [قميص عُثمان] مضرباً للمثَلِ لكُلِّ مَن يوظِّف أَمراً ما لتحقيقِ غاياتٍ ذاتيَّةٍ حتى إِذا جاءَ ذلكَ على حسابِ الدِّين والدَّم والعِرض ووحدةِ المُجتمعِ!.

هنا تحديداً لكَ أَن تُقارن بين الحقِّ والباطلِ لتعرفَ من هُم أَصحاب الحق ومَن هُم أَصحاب الباطل، فالتَّمييزُ ليسَ بالشِّعارات والأَزياء والخِطابات! وإِنَّما بالمَوقف على الأَرضِ وليس في مخيِّلاتِ [الزَّعاماتِ]!.

وإِلى اليَوم فبينما يصرُّ أَبناء القَوم على توظيفِ المُتشابهِ من القُرآن الكريم وسُنَّة رسولِ الله (ص) للنُّزو على السُّلطة وتفريقِ الأُمَّة وتمزيقِ شَتاتها، أَوصى أَميرُ المُؤمنينَ (ع) مالك الأَشتر لمَّا ولَّاهُ مِصر في عهدهِ إِليهِ يقولُ {وَارْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ}.

سأَكتفي هُنا بالإِستشهادِ بالنصِّ فقط دونَ أَن أَذهبَ إِلى أَبعدِ من ذلكَ فرُبَّما أَتجاوز برأيي منطقة الخَطر، مُتمنِّياً على المعنيِّينَ من عُلماء وفُقهاء ومفكِّرين ومُتخصِّصينَ أَن يُبادرُوا لبسطِ رأيهِم في النَّصِّ لأَهميَّتهِ وخطورتهِ في آنٍ، فقد يكونُ التَّجديد في فَهمهِ باباً لتجاوُزِ مرحلةٍ والدُّخول في أُخرى جديدةٍ من تاريخِنا وواقعِنا!.

اضف تعليق