ملفات - شهر رمضان

بالمبادرات الفرديَّةِ تتحرك الأمم

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ التَّاسِعةُ (١٩)

{وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}.

بهذهِ العقليَّةِ المريضةِ والطَّريقةِ غَير المُستقيمةِ يُبرِّر الفاشِلونَ فشلهُم، فهُم لا يُحمِّلونَ أَنفُسهُم أَيَّة مسؤُولية، وإِنَّما هُناكَ مَن يتحمَّلها بالنِّيابةِ عنهُم! لماذا؟! لأَنَّهُ استغفلهُم أَو ضلَّلهُم أَو ضحِكَ عليهِم أَو أَغواهُم {فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} بالمالِ والجنسِ والمناصبِ والسُّلطةِ وغَيرِ ذلكَ من وسائلِ التَّرغيبِ!.

أَمَّا الآية الكرِيمة فواضحةٌ جدّاً، فهي تعتبِرُ الطَّرَفَينِ [ظالِمان] المُضلِّل والمُضلَّل، المُستغفِل والمُستغفَل، الأَوَّل لأَنَّهُ ضلَّلَ الثَّاني والثَّاني لأَنَّه قبِلَ أَن يُضلِّلهُ الأَوَّل.

يقُولُ تعالى {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}.

هذا يشمِلُ الإِنسان الفَرد والإِنسان المُجتمع، إِذ كما أَنَّ فرداً يُضلِّلُ آخر، كذلكَ فإِنَّ [أُمَّة] أَو [جماعة] تُضلِّلُ [أُخرى].

في هذهِ الحالةِ كذلكَ فإِنَّ الطَّرفَينِ [ظالِمان] فالمسؤُوليَّة لا تسقُط عن أَحدٍ أَبداً، إِلَّا في الحالاتِ التي يُسمِّيها القُرآن الكريم بـ [الإِستضعافِ] كما في قولهِ تعالى {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا}.

فلَو تدبَّرنا في آياتِ القُرآن الكريم فسنجِد أَنَّ حديثَها عن المسؤُوليَّة ينقسِم إِلى قسمَينِ؛ مسؤُوليَّة الفرد {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ} ومسؤُوليَّة الجَماعة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.

كما أَنَّ قولهُ تعالى {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} يُشيرُ بشَكلٍ واضحٍ إِلى التَّحريضِ على مسؤُوليَّة الإِنسان الفَرد في الأَخذِ بأَسبابِ الفَوزِ والنَّجاح.

وأَكثر مِن هذا، ففي قولهِ تعالى {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} إِشارةٌ لطيفةٌ إِلى الإِلتفاتِ إِلى النَّفسِ عندَ السَّلام حتَّى إِذا كُنتَ لوحدِكَ عندَ دخُولِ بيتٍ تمتلكُ مفاتِحهُ ولم يكُن أَحدٌ غيرُكَ.

وإِذا نقرأ تاريخ الأُمم فسنلحَظ أَنَّ قَصص النَّجاحات لا تبدأ عادةً مِن كُلِّ المُجتمع، أَبداً وإِنَّما تبدأ من قصَّةِ فردٍ أَو أَفرادٍ معدُودينَ لتتطوَّر إِلى حركةٍ تغييريَّةٍ وبالتَّالي إِلى قصَّة نجاح مُجتمع أَو أُمَّة بأَكملِها.

وهوَ ما يُسمَّى بالمُبادرةِ الفرديَّةِ التي تُحرِّك [أُمَّة].

ولقد قصَّ علينا القُرآن الكريم عددٍ من النَّماذجِ بهذا الصَّددِ منها نموذَج نبيَّ الله يوسُف (ع) {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} فبهذا الطَّلبِ المشرُوع وقبُول الملِك بهِ غيَّر يوسُف (ع) أَمَّةً وعلى [٣] مستَويات هي مُكافحةِ الفسادِ المالي والإِداري والتصدِّي ومواجهةِ التَّضليلِ باسمِ المُقدَّس [الدِّين] وإِصلاح عقيدةِ الدَّولة.

ومنها نموذَج نبيَّ الله إِبراهيم (ع) {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} والذي قلبَ بتصدِّيهِ هذا كُلَّ مقاييسِ الأُمَّة وأَصلحَ حالها.

أَمَّا على مُستوى المُبادراتِ الجماعيَّة فتُحدِّثنا عنها الآيةِ الكريمةِ {وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةࣱ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابࣰا شَدِیدࣰاۖ قَالُوا۟ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ}.

فضلاً عن نمُوذجِ أَهلِ الكهفِ، كجماعةٍ مُبادِرةٍ، كما يصفهُم القُرآن الكريمِ بقَولهِ {نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}.

والمُلاحظ في قَصص هذهِ النَّماذِج أَنَّ هُناكَ مَن يتصدَّى لها للتَّثبيطِ وللتَّقليلِ مِن شأنِ المُبادرةِ! إِلَّا أَنَّ الثَّبات والإِصرار والعزيمةِ والإِستقرارِ يُفشِل جهُود المُثبِّطين وبها تنجحُ المُبادرة.

إِنَّ الإِستهانةَ بقُصَّة نجاح الفَرد بانتظارِ نجاحِ المُجتمعِ بأَكملهِ هي إِنتظارٌ للمَجهُولِ أَو لسرابٍ لم يتحقَّق أَبداً، فالمُجتمعِ، أَيِّ مُجتمعٍ، لا يتحرَّك نحوَ النَّجاحِ بالمجمُوعِ ما لم يُعلِّقٌ أَحدٌ الجرَس كما يقُولون.

نعم، فإِنَّ مِن الحِكمةِ والمنفَعةِ العامَّةِ أَن يكونَ الفردُ ناجِحاً في وسطِ مُجتمعٍ ناجحٍ ولكن ليسَ على حسابِ نجاحهِ وفشلهِ إِذا رأَى أَنَّهُ غَير قادِر على إِقناعهِ بالنُّهوض وتحقيقِ النَّجاح.

إِنَّ كُلَّ إِنجازٍ يُحقِّقهُ المرء وكُلَّ قُصَّة نجاح يُسجِّلها إِنَّما هيَ لنفسهِ أَوَّلاً فكيفَ يُجيزُ لنفسهِ أَن يُفرِّطَ بها بذريعةِ كَون المُجتمع فاشِل أَو أَنَّهُ يعيشُ وسطَ جماعةٍ فاشِلةٍ؟!.

يقولُ تعالى {مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} وقولهُ {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} وقَولُهُ {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ* ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ}.

إِنَّ قَصص النَّجاحاتِ التاريخيَّة بمثابةِ بناءٍ شاهقٍ يُساهِمُ كُلَّ فردٍ منَ المُجتمعِ بوضعِ لَبِنةٍ ويُواصِل مسيرهُ إِلى النِّهايةِ، فإِذا فكَّرَ كُلَّ واحدٍ مِن المِجتمعِ أَن لا يضعَ لبِنتهُ في مكانهِا فسوفَ لا يستقِيمُ بناءً أَبداً.

ضَع لبِنتكَ في مكانِها ولا عليكَ بالآخرين، فهذا الحُر بن يزيد الرِّياحي قرَّرَ في لحظةٍ تاريخيَّةٍ أَن يترُكَ بصمتهُ في المكانِ الصَّحيح، ولَو أَنَّهُ فكَّرَ بالطَّريقةِ السَّلبيَّةِ التي تعتمدُ قَول [وهَل هيَ بقِيَت عليَّ؟!] لما كانَ اليَوم من الشُّهداءِ الخالدِين!.

اضف تعليق