الإنسان بحاجة مستمرة إلى تطهير ذاته، وتنقية نفسه وتصفيتها من كل الشوائب والخطايا، وخصوصاً في شهر رمضان المبارك، فهو معرض للوقوع في الأخطاء والخطايا والزلات، واقتراف الذنوب والمعاصي، وشهر رمضان الذي هو شهر البركة والرحمة والمغفرة والتوبة فرصة يجب اغتنامه لمحو تلك الذنوب والمعاصي والموبقات والزلات، وتطهير النفس من آثارها السيئة.

إن على الصائم أن يخلص في نيته ويطهّر قلبه من كل الملوثات والأدران حتى ينال بركات هذا الشهر الفضيل، لما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أيُّهَا النّاسُ، إنَّهُ قَد أقبَلَ إلَيكُم شَهرُ اللّهِ بِالبَرَكَةِ وَالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ... فَاسأَلُوا اللّهَ رَبَّكُم بِنِيّاتٍ‏ صادِقَةٍ وقُلوبٍ طاهِرَةٍ أن يُوَفِّقَكُم لِصِيامِهِ وتِلاوَةِ كِتابِهِ؛ فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَن حُرِمَ غُفرانَ اللّهِ في هذَا الشَّهرِ العَظيمِ».

تطهير القلب

إن أول ما يجب أن يطهره الإنسان هو قلبه، لأنه مركز حركة الإنسان ومحرك وجوده، فالقلب الطاهر من الرذائل والمعاصي والموبقات والملوثات يكون قلباً نقياً وطاهراً ونظيفاً؛ وأما القلب الملوث بالذنوب والموبقات والأحقاد والضغائن والأغلال فيكون قلباً ملوثاً وخاوياً ومظلماً. ولذا روي عن رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «إذا طابَ قلبُ المَرءِ طابَ جَسَدُهُ، وإذا خَبُثَ القلبُ خَبُثَ الجَسَدُ».

حتى يكون القلب طاهراً: ينبغي إعماره بذكر الله سبحانه، وبالطاعات والأعمال الصالحة، والامساك عن المعاصي والذنوب والمحرمات حتى يكون القلب سليماً ونقياً من كل ما يؤدي إلى ظلمته واسوداده.

لابد من تخلية القلب وتصفيته وتنقيته من الحسد والحقد والضغينة ضد الآخرين، وحب الخير للناس، والتسامح تجاه المخطئين والمسيئين إليه، لأن القلب الملوث مملوء بالأحقاد والضغائن ضد الغير، فطهروا قلوبكم منها، كما قال الإمام علي (عليه السلام): «طَهِّرُوا قُلوبَكُم مِن الحِقدِ؛ فإنّهُ داءٌ مُوبئٌ».

شهر رمضان المبارك فرصة للتسامح والعفو عن أخطاء الآخرين وزلاتهم، وبدء صفحة جديدة مع من حصل معهم فجوة وجفاء في العلاقة معهم، وخصوصاً مع الأرحام والأقارب والجيران والأصدقاء والمعارف وغيرهم.

صفات المتسامح من غير المتسامح

من صفات المتسامح أنه يعفو بطيبة نفس وأما غير المتسامح فهمه الانتقام، والمتسامح ينسى أو يتناسى أخطاء من أساء إليه وأما غير المتسامح فلا ينسى حتى أتفه الأمور، والمتسامح لا يحقد وأما غير المتسامح فهو شديد الحقد، والمتسامح يصل من قطعه وأما غير المتسامح فلا يقبل حتى زيارة من اختلف معه، والمتسامح يغض طرفه ويتغافل عن كثير من الأخطاء وأما غير المتسامح فيسجل كل خطأ!

وإذا لم يتسامح الإنسان عن أخطاء غيره في شهر رمضان المبارك فإنه لن يتسامح معهم في غيره من الشهور، لأن شهر رمضان هو شهر البركة والرحمة والمغفرة، والقلوب تكون فيه مهيأة للتسامح والعفو والصفح.

تطهير اللسان

وذلك بأن يحفظ الصائم لسانه من الزلات، ويطهره من الكلام البذئ والقبيح، وأن يجعل لسانه يلهج دائماً بذكر الله سبحانه وتسبيحه وتحميده في كل وقت وحين، ويتذكر قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

إن اللسان نعمة عظيمة أنعم الله بها على الإنسان، فبه يتذوق الأشياء ويستلذ بها، وبه يتحدث ويتكلم ويعبّر عما في قلبه من آهات وعما في عقله من أفكار؛ فهو آلة للبيان والكلام، وترجمان للقلوب والعقول.

باللسان يعرف المرء إذا تكلم وتحدث، فقد قال الإمامُ عليٌّ (عليه السلام): «تَكَلّموا تُعرَفوا؛ فإنّ المَرءَ مَخبوءٌ تَحتَ لِسانِهِ»، فمظهر الإنسان وشكله وهندامه الأنيق لا يعبّر عن عقله وعلمه، وإنما كلامه ومنطقه هو الذي يعبّر بصدق عنه.

واللسان رغم صغر حجمه، لكنه كبير في مهامه وفوائده، وعظيم في خطره وجرمه، له في الخير مجال واسع، وفي الشر باع طويل؛ فإن استخدم في ذكر الله وطاعته، وفي نشر العلم والمعرفة، وفي بيان الحق والدفاع عن الفضيلة والأخلاق كان نعمة، وفيه خير كثير؛ وإن استخدم في معصية الله، وقول الزور، والكذب والبهتان، والخوض في الباطل، والغيبة، والنميمة كان نقمة، وفيه شر كثير.

من هنا تتبين أهمية تطهير السمع، فلا يستمع إلى ما حرّم الله سماعه كالغيبة، والنميمة، والغناء، والكلام الباطل وغير ذلك مما يحرم سماعه واستماعه. وقد أشار القرآن الكريم إلى مسؤولية السمع والبصر والقلب في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾.

تطهير البصر

يتحقق ذلك من خلال النظر إلى الأشياء المباحة والمحللة، ويعد النظر إلى بعض الأشياء عبادة، وفيه أجر وثواب جزيل؛ كالنظر إلى القرآن الكريم، والنظر إلى الكعبة المشرفة، والنظر إلى وجه العالم الرباني وغير ذلك مما ورد التنصيص فيه عليه. ومن جهة أخرى يجب كفّ البصر عن رؤية الحرام، أو الصور المحرمة، أو الأفلام المحرمة وغير ذلك.

تطهير المال

ويتحقق ذلك بأن يكون مصدره من الحلال، وألّا يكون فيه مال حرام، أو مغصوب، أو مشتبه فيه؛ ويخرج منه ما يجب فيه من حقوق لله أو للناس، وقد قال الله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾، فإخراج الحقوق الواجبة منه هو تطهير للمال، وموجب للبركة والنماء والزيادة.

والمال المأخوذ من الحرام، كالمال المغصوب، أو المسروق، أو من الربا، أو من التجارة في المحرمات كالمخدرات والخمور والقمار وغيرها فإن مثل هذا المال مال ملوث وفاسد، ولا بركة فيه.

إن على الصائم ألّا يتناول الأطعمة والأغذية المعدّة من المال الحرام، أو المال المخلوط بالحرام، أو تناول الذبائح غير المذبوحة بالطريقة الشرعية، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «وكلوا الحلال يتم لكم صومكم». وعن الإمام عليّ (عليه السلام) قال: «بِئْسَ الطَّعامُ الحَرامُ».

إن على الصائم أن يحرص أشد الحرص على تناول الأطعمة والأشربة المحللة والمباحة والطيبة في فطوره وسحوره، وأن يطهّر قلبه ولسانه وسمعه وبصره من الحرام حتى يفوز برضا الله عزّ وجلّ، ويتقبل الله منه صيامه وقيامه، ويحصل على الآثار والبركات الجمة المرتبطة بصوم شهر رمضان المبارك.

اضف تعليق