معروف ان شهر رمضان المبارك، يعجّ بالحوادث التاريخية الطيبة منها والمرّة، فالطيب منها ذكرى مولد الامام الحسن المجتبى عليه السلام في اليوم الخامس عشر وذكرى غزوة بدر الظافرة في اليوم الثاني عشر، أما الذكريات المرّة علينا فهي ذكرى استشهاد أمير المؤمنين في محراب صلاته، وايضاً ذكرى وفاة أول كافل لليتيم في الاسلام وحامي النبوة والرسالة عم الرسول الاكرم، أبو طالب، رضوان الله عليه، الذي توفي في العام الذي أطلق عليه صلى الله عليه وآله، بـ"عام الحزن" اذ تلقى النبي خلاله ايضاً نبأ وفاة زوجته الوفية والمؤمنة والرسالية السيدة خديجة "سلام الله عليها".

وبالحقيقة فان من فوائد استحضار التاريخ وقراءة احداثه؛ العبرة والتجربة وتحويلها الى مادة حيّة تفيدنا في حاضرنا ومستقبلنا، فالشخصيتان العظيمتان التي نحن بصدد الحديث عنهما، شكلا حجز زاوية في بناء الاسلام ومسيرة الرسالة، وقالها نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، بحق السيدة خديجة: "ما قام الاسلام إلا على مال خديجة وسيف علي"، بينما الحديث عن ابو طالب تختلط فيه لوعة الفراق في قلب النبي الأكرم، وهو في تلك الظروف العصيبة والمصيرية من تاريخ الاسلام، مع لوعة المغالطات التاريخية والوضع والدسّ المؤلم في قلوبنا، على عمّ النبي وكافله وحاميه، بانه مات مشركاً –حاشاه-.

كان العام العاشر بعد بعثته للنبوة، صلى الله عليه وآله، من أشد الاعوام وأقساها في مكة، رغم ما تحمله قبل ذلك من الأذى والعدوان على يد المشركين الذين فضلوا عبادة الاصنام الحجرية على الواحد القهار. في هذا العام خرج النبي الأكرم مع اهل بيته وعدد من المسلمين الرساليين، من الحصار الذي فرضه عليه المشركون طيلة ثلاث سنوات، وقد عُرف مكان الحصار بـ "شعب أبي طالب"، ويكفي عمّ النبي فخراً، أن يكون في مقدمة المساندين لابن اخيه وسائر المسلمين في الشعب، ويروي المؤرخون، ان النبي ومن معه من الاطفال والنساء شارفوا على الموت جوعاً، فقد منع رؤساء الشرك في مكة أي شخص بيع المسلمين طعاماً او شراباً او ايصال المواد الغذائية إليهم تحت تهديد السلاح والموت.

لنتصور شخصاً في مدينة او قرية يدعو الناس الى الاسلام، ثم يتعرض الناس بسببه الى حصار اقتصادي، فيحظر عليهم الطعام والشراب والمستلزمات الضرورية، ماذا سيكون موقفهم من هذا الشخص المبلغ؟

هكذا كان موقف النبي الأكرم، وفي بداية دعوته العظيمة وفي محيط محدود وسط الضغوطات النفسية والمادية من مشركي مكة، ومع كثرة العدو وقلّة الناصر. ويؤكد التاريخ ان الذي كان يخفف من وطأة الضغط النفسي عن صدر النبي، عمّه وكافله أبو طالب، فكما رباه صغيراً في يتمه، واكب مسيرة رسالته العظيمة في كبره. ومن شدة خوفه عليه، كان يفديه بأولاده، فيأمرهم ان يناموا في فراشه تحسباً للنوايا العدوانية لقريش بان يستغلوا حالة الضعف والحصار ويغتالوا النبي الأكرم، هذا يعني ان مبيت الامام علي، عليه السلام، في فراش النبي ليلة الهجرة، كانت آخر مرة ينام فيها أبناء أبو طالب على فراش النبي الأكرم، فكانت الحظوة والمنزلة العظيمة لأمير المؤمنين، عليه السلام، بان يكون في تلك الليلة من ينام على فراش النبي ويفتديه بنفسه فيما كان المشركون يهمّون بتنفيذ خطتهم لاغتياله في القصة المعروفة.

موت الكفيل وفرحة المشركين

في شهر رمضان المبارك من العام العاشر "عام الحزن" من البعثة النبوية، شكى ابو طالب من آلام الكبر والشيخوخة بعد ان تخطّى الثمانين من العمر، وأحسّ ان أجله يدنو اليه شيئاً فشيئاً، لكن ألماً آخراً كان أشد على أبي طالب، من ألم البدن والمرض، انه فراق ابن اخيه وتركه اياه وحيداً وسط ذئاب مكة، وهو على يقين بانهم سينتهزون فرصة رحيله عن الدنيا بالمزيد من التنكيل والاضطهاد، بل انهم سيعوضون ما احجموا عنه في حياته، لذا بذل مساعيه لتليين موقفهم من ابن اخيه ودعوته الحقّة، وهو على فراش المرض استغل فرصة عيادتهم له في مرضه، فقال لهم: "لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد واتبعتم أمره فأطيعوه تنالوا السعادة في دنياكم وآخرتكم....". ولكنهم أصروا على موقفهم المعاند والمعارض للتوحيد والاسلام.

وفي زيارة ثانية لهم وكان قد أشتدّ على ابو طالب المرض، قالوا له: "يا أبا طالب...! انك منّا حيث علمت، وقد حضرك ما ترى، فضع حداً للخصام بيننا وبين ابن اخيك فخذ له منّا، وخذ لنا منه، ليكف عنّا ونكف عنه، ويدعنا وديننا وندعه ودينه، فقال لهم النبي الأكرم وكان حاضراً عند عمّه: اعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، فقال ابو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات لا كلمة واحدة...! قال: تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه، فقالوا أتريد ان تجعل الآلهة إلهاً واحداً....؟!

وفيما كان النبي الأكرم خارجاً عن عمه في حاجة له، واذا به يسمع الناعي يخبره بوفاة عمّه، فهرع الى الدار واخذ برأس عمه في حجره ومسح على جبينه الأيسر والايمن كما كان هو يفعل معه في صغره، ثم قال: رحمك الله يا عمّ. ربيت صغيراً وكفلت يتيماً ونصرت كبيراً، فجزاك الله عنّي وعن الاسلام خير جزاء العاملين في سبيله بأموالهم وانفسهم وكل ما يملكون، ثم بكى وأبكى من كان معه حول الجثمان الطاهر لأبي طالب -رضوان الله عليه-.

وفي هذه الحالة مرّت بخاطره جميع اللحظات الجميلة والمواقف العظيمة مع عمّه في صباه ويتمه، ثم بعد ان بُعث نبياً، فقد بحق، الظلّ الواقي والدرع الحصين امام النوائب والمكاره، وهو القائل، صلى الله عليه وآله: "والله ما نالت قريش منّي شيئاً اكرهه إلا بعد موت أبي طالب...".

خديجة، نموذج الوفاء في الحياة الزوجية

صحيح اننا نستذكر بمزيد من الأسى والألم ذكرى وفاة السيد خديجة الكبرى - رضوان الله عليها- خير أمهات المؤمنين، وأول زوجة للنبي الأكرم واول امرأة في الاسلام واكبر داعم ومساند للرسالة بمالها. لكن في نفس الوقت نحن نستوحي العبرة - كما أسلفنا في بداية المقال- من هذه الواقعة الأليمة على قلب نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، فقد كان يكنّ لها الحب الكبير، وهذا الحب كان لحبها - سلام الله عليها- للاسلام وتعاليمه ونظامه، مؤمنة كل الايمان بانه الدين الوحيد الذي من شأنه ان يعلي شأن المرأة في الحياة ويحفظ كرامتها ومنزلتها في الحياة، وليس للمرأة من ملجأ ومصدر آخر غير المبادئ والقيم الاسلامية لتحقيق اهدافها في الحياة.

فقد كان يراها وهي تتجاهل بكل اصرار وثقة مقاطعة نساء قريش بعد زواجها منه، صلى الله عليه وآله، وهي المعروفة بثرائها ووجاهتها في مكة، حيث كان يأمل كل وجيه وزعيم وكبير بان يقترن بها، لكنها أبت الجميع إلا من يحمل القيم الاخلاقية الناصعة والمبادئ السماوية، بل ويكون منقذاً للانسانية من الضياع والظلام. فقد تعرضت للمقاطعة حتى حين وضع اول مولود لها وكانت الصديقة فاطمة، عليها السلام، فبقيت وحيدة في البيت، ولشدّ ما يحزن الرجل ويضيق عليه صدره وهو يجد زوجته في حالة الوضع، وحيدة لا معين لها ولا امرأة او اكثر حولها يخففن عنها الألم ويساعدنها في عملية الولادة. فكانت الرأفة والرحمة الالهية، وكان المدد من السماء ومن خير سيدات العالم، كما في الروايات التي يذكرها علماؤنا الكبار.

كان وفاة السيد خديجة - سلام الله عليها- بعد ايام قلائل من وفاة أبو طالب، حسب بعض المؤرخين، او أشهر لكن الفترة كانت خلال عام واحد وهو عام الحزن، وذلك بعد ان اشتد عليها المرض، وكانت تود ان تتحمل لفترات أطول كل شيء عن زوجها النبي الأكرم ليسلم لرسالته ونبوته. لكن أبرم القضاء وكتب الأجل، ولابد من ملاقاة الرفيق الأعلى. لكن النبي شعر انه في هذه الحياة وبعد فقد العزيزين، ان المسرّات تبتعد عنه، وانه على موعد مع التحديات المصيرية ومواجهة المشاق والصعاب خلال السنوات الثلاث قبل هجرته الى المدينة.

جلس النبي الأكرم عند الجثمان الطاهر لخديجة وهو يبكي ومعه من في البيت في مقدمتهم ابنته فاطمة، فقد كانت هي ايضاً على موعد مع اليتم وهي التجربة التي مرت بابيها من قبل. يقول الكاتب القدير السيد هاشم معروف الحسني في كتابه القيّم "سيرة المصطفى": "هاتان الفاجعتان الاليمتان في أشهر أو ايام معدودة تكفي لأن تترك أقوى النفوس، كليمة مضعضعة، فكيف وقد اجتمعتا على محمد، صلى الله عليه وآله، في عام واحد وخصومه ينتظرون هذه اللحظات"؟!

لم ينس رسول الله، صلى الله عليه وآله، خديجة ولم تنمح ذكراها من خاطره، فقد مضت ثلاث سنوات على وجوده في مكة بدونها، ثم هاجر الى المدينة وجرت الاحداث الجسام والتحولات العظيمة التي غيرت مسار التاريخ والانسانية، وتشكل أول مجتمع حضاري في العالم، وبدأت رسل الاسلام تنفذ الى الاقطار والامصار لتنشر نور الاسلام، ثم ان النبي الأكرم، اتخذ لنفسه عدة زوجات، لكنه مع كل هذه التحولات وانقضاء الفترة الزمنية لم تغب صورة خديجة عن ذاكرته، لقد كانت حيّة في قلبه ومشاعره، فكلما كان يجلس على مائدة الطعام تذكّر خديجة حيث كانت تشاركه المائدة. والأهم ذكرياته المحزنة والمؤلمة على قلبه، من مواساتها وتحديها للصعاب من اجله ومن اجل الرسالة. وقد روي في التاريخ انه كلما قدموا له طعاماً عزل منه جزءاً وأمر ان يذهبوا به الى امرأة يعرفها وكانت تتعهد خديجة وتزورها في ايام وحدتها وشدتها ومرضها، فيكرمها كرامة لزوجته الراحلة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0