ملفات - شهر رمضان

التمكين في نهجِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ السَّابِعَةُ

(١٩)

{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}.

في نهجِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) [تُصادف اللَّيلة (١٩ رمضان المُبارك) ذكرى تعرُّضهِ للضَّربة المسمُومة على يدِ عدوِّ الله القاتِل المُجرم الخارجي عبد الرَّحمن بن مُلجم وهو في محرابِ صلاةِ الفجر في مسجدِ الكُوفةِ المُعظَّم، والتي استُشهد على أَثرِها بعد يَومَين (٢١ من الشهر عام ٤٠ للهجرةِ)] فإِنَّ المالَ أَحد أَهم أَدوات التَّمكينُ للنَّجاح، ولذلكَ كان يبدو مِنْهُ أَشدَّ الحرصِ على أَن يُقلِّل الفجوة الإِقتصاديَّة بينَ فئاتِ وطبقاتِ المُجتمع والتي إِذا اتَّسعت زادت الطبقيَّة الإِقتصاديَّة التي تُنتج الطبقيَّة الإِجتماعيَّة وهيَ ظاهرةً خطيرةً تُنتِجُ الكثير من المشاكل الأَخلاقيَّة والسياسيَّة والإِجتماعيَّة كالجريمةِ المُنظَّمة والفساد المالي والإِداري وتجارةِ الجِنس والإِرهابِ وتجارةِ الأَعضاءِ البشريَّةِ وغيرِها، فيما إِذا تقلَّصت ساهمت في تحقيقِ السِّلم الأَهلي والمُجتمعي مَن خلالِ تحقيقِ العدالةِ الإِجتماعيَّةِ.

ولقد حذَّرَ القُرآن الكريم من أَن يتحوَّل المال في الأُمَّة إِلى دُولةٍ بينَ الأَغنياءِ فقط ويُحرم مِنْهُ الآخرون، فقالَ تعالى {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

دُولةُ المالِ هي الْيَوْم أَحد أَخطر أَسباب مشاكِل البشريَّة.

ولقد بنى أميرُ المُؤمنينَ (ع) نظريَّتهُ بهذا الخصُوص على عمودَين مُهمَّينِ وهُما؛ التَّوازن في التصرُّف في المالِ بين التمتُّع الشَّخصي والحقُوق، وتحديد منابع الفساد المالي في الدَّولة لمكافحتِها.

في الإِطار الأَوَّل نقرأ النصَّ التَّالي؛

فمِن كلامٍ لَهُ (ع) بالبصرةِ، وقد دَخَلَ على العلاءِ بن زياد الحارثي ـ وهو من أَصحابهِ ـ يعودهُ، فلمَّا رأى سِعَةَ دارهِ قال {مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا، أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الاْخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ؟ وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الاْخِرَةَ، تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا، فَإذَا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الاْخِرَةَ}.

فقالَ لهُ العلاء؛ يا أَميرَ المُؤمنينَ، أَشكو إِليكَ أَخي عاصِم بن زياد، قال؛ وما لهُ؟! قالَ؛ لبِسَ العباءةَ وتخلَّى من الدُّنيا، قالَ؛ عليَّ بهِ، فلمَّا جَاءَ قال (ع) {يَا عُدَىَّ نَفْسِهِ! لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ! أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ! أَتَرَى اللهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ!} قالَ؛ يا أَميرَ المُؤمنينَ، هذا أَنت في خشونةِ ملبسِكَ وجُشوبةِ مأكلكَ! قال (ع) {وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!}.

أَمَّا في الإِطارِ الثَّاني، ففي أَروع وأَدقِّ وأَشملِ توصيفٍ للفسادِ له (ع) لمَّا سُئلَ؛ كيفَ تفسدُ العامَّة من النَّاس؟! فقالَ (ع) {إنَّما هِيَ مِن فسادِ الخاصَّة، وإِنَّما الخاصَّة ليُقسَّمُونَ على خمسٍ؛ العُلماءُ وهُم الأَدِلَّاءُ على الله، والزُّهَّاد وهُم الطَّريقُ إِلى الله، والتجَّار وهُم أُمناء الله، والغُزاةُ وهُم أَنصارُ دينِ الله، والحُكَّام وهُم رُعاةُ خلقِ الله.

فإِذا كانَ العالِمُ طمَّاعاً وللمالِ جمَّاعاً فبِمَن يُستدَلُّ؟! وإِذا كانَ الزَّاهدُ راغِباً ولِما في أَيدِي النَّاسَ طالِباً فبِمَن يُقتَدى؟! وإذا كان التاجر خائناً وللزكاة مانعاً فبمن يُستوثق؟! وإِذا كانَ الغازي مُرائِياً للكَسبِ ناظِراً فبِمَن يُذَبُّ عَنِ المُسلِمينَ؟! وإِذا كانَ الحاكِمُ ظالِماً وفِي الأَحكامِ جائِراً فبِمَن يُنصَرُ المَظلُومُ على الظَّالمِ؟!.

وأَضافَ (ع) {فوالله ما أَتلفَ النَّاسُ إِلَّا العُلماء الطمَّاعُون والزهَّاد الرَّاغبُون والتجَّار الخائنُون والغُزاة المُراؤُون والحُكَّام الجائرُون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

الفسادُ منظومةٌ، إِذن؛ عِمامةٌ فاسدةٌ وزاهدٌ دجَّالٌ وتاجِرٌ خائنٌ وميليشيات تُتاجرُ بالدَّم وعِصابةٌ حاكمةٌ جائرةٌ!.

(٢٠)

{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.

ونموذجهُ في التَّاريخ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) عندما تمكَّن من السُّلطة بعد سنيِّ الظُّلمِ والقهر والتَّجاوز على حقِّهِ، أَمَّا في المُستقبل فنموذجهُ الإِمام المُنتظِر الحجَّة بن الحسن (عج) الذي {سيملأُ الأَرضَ قسطاً وعدلاً بعدَ ما مُلئت ظُلماً وجَوراً}.

ذلكَ المُستقبل الموعُود الذي يقولُ عنهُ تعالى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}.

نوعٌ آخر على العكس تماماً، وهو الذي يقول عَنْهُ القرآن الكريم {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} وقولهُ {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}.

فللتَّمكينِ إِلتزاماتٌ يجبُ أَن يفي بها الإِنسان وإِلا فستشملهُ نظريَّة الإِستبدالُ الإِلهي بقولهِ تعالى {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}.

والتَّمكينُ يتجلَّى في الأَفعالِ وليسَ في الأَقوالِ، فكثيرُونَ هُم الذين يقولُونَ كَيت وكَيت، وأَنَّهم سيُغيِّرونَ ويُصلحُونَ ويُحسنُونَ إِذا ما تمكَّنوا في الأَرضِ سَواء بالسُّلطة مثلاً أَو المال والجاه أَو ما إِلى ذلكَ، ولكنَّهم عندما يتمكَّنُونَ يفعلونَ عكس ما قالُوا فلا يُحسِنونَ لأَحدٍ ولا يُصلحونَ ما أَفسدهُ الطَّاغوت ولا ينجحُونَ في شَيْءٍ، بل تراهُم يسيرونَ بنفسِ المنهجِ القديم من دونِ أَيِّ تغييرٍ أَو تمييزٍ والقائمِ على قاعدةِ الإِستحواذِ لتحقيقِ المصالحِ الشخصيَّة.

يقولُ تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ* فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

وعندما اشتكى بنو إِسرائيل لموسى (ع) ظُلم فِرعَون قال الله تعالى مُحدِّداً شرطَ الإِستبدال والتَّمكينُ بما يلي {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.

وفي القرآن الكريم عدَّة صُوَر لأَقوامٍ تدَّعي وتُحاول أَن تُحمِّل رسولَها المسؤُولية فتطالبهُ برغباتِها، ولكنَّها تنقلبُ على كلِّ ما تقولهُ بمجرَّد أَن يستجيبَ الله لهُم.

مِن هؤُلاء قومٌ من بني إِسرائيل أَصرُّوا على نبيِّهم أَن يستأذِنَ ربَّهُ لقتالِ عدوِّهم، ولكنَّهم انقلبُوا على أَعقابهِم بمجرَّدِ أَن قَبِلَ النبيُّ دعوتهُم واستجابَ اللهُ طلبهُم.

يقولُ تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.

فعلى الرَّغمِ من قيامِ الأَسبابِ الوجيهةِ والموجِبة والشَّرعيَّةِ للقتالِ والتي ساقوها هم بأَنفُسهم لنبيِّ الله لإِقناعهِ بقَبولهِ، إِلَّا أَنَّهُم أَنفُسهُم تجاهلُوها عندما كُتِبَ عليهمُ القِتال!.

آخرُون من قومِ نبيِّنا (ص) ظلُّوا يُلحُّونَ عليهِ لِيستأذنَ ربَّهُ بالقتالِ، ولكنَّهم ما أَن أُذِنَ لهُم إِنقلبُوا على أَنفسهِم!.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا}.

إِنَّ مَن يقتنِعَ بأَمرٍ ثُمَّ لا يُقدمَ عليهِ لقليلٌ حظَّهُ من التَّمكينِ وأَسبابهِ وأَدواتهِ وتوقيتاتهِ!.

(٢١)

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}.

منذُ لحظةِ إِعتلائهِ سِدَّة الخِلافة، وكلُّهُم يعرِفُونَ أَنَّ هذهِ الآية نزلَت بحقِّهِ، سعى أَميرُ المُؤمنينَ (ع) [تُصادفُ اللَّيلة ذِكرى إِستشهادهِ في مِحرابِ الصَّلاة] أَن يُغيِّر حالَ الأَمَّة التي تكرَّست فيها ظواهِر الفساد المالي والإِداري وكذلك ظاهرة التمييز في العطاء التي أَنتجت طبقيَّة إِقتصاديَّة وإِجتماعيَّة بشَكلٍ واسعٍ كان قد حاربها الإِسلام بشتَّى الطُّرُق الإِنسانيَّة، إِلَّا أَنَّهُ ابتُليَ بجماعةٍ مُتقلِّبة المِزاج لم تثبُت على موقفٍ! يُقسِمونَ على شَيْءٍ في اللَّيلِ ينقلبُون عليهِ في النَّهارِ، يستعدُّون لأَمرٍ في الصَّباح يُغيِّروهُ في اللَّيلِ، إِذا دعاهُم للقتالِ في الصَّيفِ استاذنُوهُ حتَّى يحلَّ الشِّتاء، وإِذا جاءَ الشِّتاءُ استاذنُوهُ ليحلَّ الصَّيف!.

إِنَّ هذا النَّوع منَ الأُمم والشُّعوب لا تستفيد من فُرص التَّمكين أَبداً إِذا استَوطنَ الفشلُ في شخصِيَّتها وتمكَّنت منها أَسبابهُ وعلى رأسِها التَّواكُل والتَّثاقُل والتَّبرير، إِذ ستكُونُ فُرص التَّمكين أَكبر من حجمِها لا طاقةَ لها باستيعابِها، كما أَنَّها عادة تُضيِّع فُرصة وجودِ إِمامٍ عادلٍ شُجاع مُتمكِّن قادرٍ على تمكينِها كأَميرِ المُؤمنينَ (ع) الذي وصفَ الحالُ بقولهِ {فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِم فِي أَيَّامِ الحَرِّ قُلْتُمْ؛ هذِهِ حَمَارَّةُ القَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ عَنَّا الحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ؛ هذِهِ صَبَارَّةُ القُرِّ، أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا البَرْدُ، كُلُّ هذا فِرَاراً مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ، فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ!}.

أَمَّا عندما كانَ يدعوهُم للبذلِ كعُنصرٍ أَساسٍ من عناصرَ التَّمكين فكانُوا يتحجَّجُونَ بأَلفِ ذريعةٍ وذريعةٍ، فوصفهُم بقولهِ (ع) {فَلاَ أَمْوَالَ بَذَلْتموهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، وَلاَ أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا، تَكْرُمُونَ بِاللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلاَ تُكْرِمُونَ اللهَ فِي عِبَادِهِ! فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَصْلِ إِخْوَانِكُمْ!} حتَّى كانت النَّتيجة النهائيَّة والطبيعيَّة كما وصفها (ع) {أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الَيمنَ، وَإِنِّي وَاللهِ لاَظُنُّ هؤُلاءِ القَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِماعِهمْ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ في الحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ في البَاطِلِ، وَبِأَدَائِهِمُ الاَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ، وَبِصَلاَحِهمْ في بِلاَدِهِمْ وَفَسَادِكُمْ، فَلَو ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ}.

وبهذا النَّص حدَّدَ (ع) شرُوط التَّمكين بغضِّ النَّظر عن الخلفيَّة أَو حتَّى الإِلتزام الدِّيني، وهيَ؛

وحدةُ الصَّف، فالتَّفريقُ وتمزيقُ المُجتمعُ للسَّيطرةِ عليهِ من أَهم سياسات الطُّغاة، يقولُ تعالى {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.

ولذلكَ حذَّرَ القُرآن الكريم من الخلافِ الذي يمزِّق وحدة الصَّف لأَنَّهُ يُفقد الأُمَّة إِرادتَها وعزمَها، يقُولُ تعالى {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

طاعةُ القائد، فالعِصيانُ يُفسِدُ الخُططِ والمناهِج، يقولُ (ع) {وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيَانِ وَالخذْلاَن}.

أَداء الأَمانة بمعناها الأَوسع خاصَّةً على صعيدِ حفظِ الأَسرارِ والمسؤُوليَّة في إِطارِ مؤَسَّسات الدَّولة، يقولُ تعالى {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}.

النَّزاهةُ والصَّلاح، يقولُ (ع) {لاَ يُقِيمُ أَمْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ إلاَّ مَنْ لاَ يُصَانِعُ، وَلاَ يُضَارِعُ، وَلاَ يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ}.

والفاشلُون لا يتحمَّلون مسؤُوليةَ شيءٍ ولا يعترفُونَ بتقصيرٍ وإِنَّما يبحثُونَ دوماً عن شمَّاعات يعلِّقُونَ عليها فشلهُم وهزيمتهُم، وهوَ ما يُشيرُ إِيهِ كلامُ الإِمام (ع) مَعَ أَصحابهِ، فهُم لا يعترفُونَ بجُبنهِم وخذلانهِم لَهُ (ع) وإِنَّما يتحجَّجونَ بالحرِّ والبردِ هرباً مِن المسؤُوليَّة حتَّى قَالَ (ع) {قَاتَلَكُمُ اللهُ! لَقَدْ مَلاَتُمْ قَلْبِي قَيْحاً، وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيَانِ وَالخذْلاَن، حَتَّى قَالَتْ قُريْشٌ: إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِب رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلْكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالحَرْبِ.

للهِ أَبُوهُمْ! وَهَلْ أَحدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً، وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي؟! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ العِشْرِينَ، وها أنا ذا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ! وَلكِنْ لا رَأْيَ لَمِنْ لاَ يُطَاعُ!}.

وعندما عجزُوا عن توفيرِ أَسبابِ التَّمكين ودَّ (ع) بقولهِ {أَيُّهَا الشَّاهِدةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الْـمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، المُبْتَلَى بِهمْ أُمَرَاؤُهُمْ، صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ، لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَني بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةً مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ!}.

‏ nahaidar@hotmail.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8