ملفات - شهر رمضان

تمكينِ الجميعِ للجميعِ لينهضَ الجميعُ

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ السَّابِعَةُ

(٩)

{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}.

لقد حدَّدَ القرآن الكريم شرطَين لتمكينِ الدَّولة وهُما شيئانِ أَساسيَّانِ تستند عليهِما بقيَّة الشُّروط؛ الأَمن الغذائي والأَمن المُجتمعي، كما في الآيةِ الكريمةِ.

والأَوَّل يتحقَّق بالعدالةِ الإِجتماعيَّةِ والصحَّةِ العامَّة، أَمَّا الثاني فيتحقَّق بالقضاءِ العادِل والقانون الذي يجب أَن يكونَ فوقَ الجميع.

وإِنَّ آلةَ تحقيقِ ذلك هو مِعيار المُواطنة بغضِّ النَّظر عن الخلفيَّة والإِنتماء والولاء وغيرَ ذلكَ، فبالإِتِّفاقِ على هذا المعيارِ ستنظُر الدَّولة لرعاياها بعينٍ واحدةٍ فلا تُميِّز بين مُواطن وآخر ولا تُقسِّم المُجتمع إِلى درجاتٍ، فذلكَ يُجهضُ مشاريع التَّمكين.

ولذلكَ وردَ في عهدِ أَميرِ المُؤمنينَ (ع) إِلى مُحمَّد بن أَبي بكر عندما ولَّاهُ مِصر بقوله {فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ.

وَإنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ}.

ولقد فصَّلَ (ع) شرُوط تمكين الدَّولة فجعلها أَربعة، وهي كما وردت في عهدهِ للأَشتر لمَّا ولَّاهُ مِصر {هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌ أَميِرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الاْشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ؛ جِبْوةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا}.

وكما هو واضحٌ فإِنَّ كلَّ ذلكَ لا يتحقَّق إِذا كانت الدَّولة لا تتعامل مع الرعيَّة بالعدلِ والإِنصاف، فهُما حجر الزَّاوية في البناءِ والتَّنميةِ المُستدامة.

كذلكَ، فإِنَّ هذهِ الأُسُس تتحقَّق عندما تعتمد الدَّولة على المعايير الحقيقية في التعيينات على قاعدةِ [الرَّجُل المُناسب في المكانِ المُناسب] كالنَّزاهةِ والكفاءةِ والنَّجاح والرُّؤيةِ السَّليمةِ والتَّجربةِ والقُدرةِ على الإِنجازِ فضلاً عن خلقِ الفُرص اللَّازمة والأَدوات والأَسباب التي تُحقِّق النَّجاح المطلوب، أَي خلقِ مُستلزمات التَّمكينِ للنَّجاح.

بمعنى آخر؛ تمكينُ الفرد لتتمكَّن بهِ الدَّولة والعكسُ هو الصَّحيحُ كذلكَ، فلا السُّلطة تتغوَّل لتأكُل الفرد، ولا تضعُف ليعبث بها الفرد، كما هوَ حالُ بعضِ دُوَلِنا التي يكونُ فيها الحاكِم هو الدَّولة!.

وفي هذهِ النُّقطة تحديداً يتمظهر مفهُوم التَّكافل بينَ الدَّولة والمُواطن لتحقيقِ التَّكامل في التَّمكينِ بينهُما، إِذ لا يُمكنُ للدَّولة وحدها أَن تتمكَّن من النَّجاح إِذا لم يتمكَّن منهُ الفرد، ولا العكس، إِذ لا يمكنُ أَن نتصوَّرَ فرداً يتمكَّن من النَّجاح إِذا لم تتمكَّن منهُ الدَّولة، فالنَّجاحُ منظومةٌ واحدةٌ تعتمدُ على تمكينِ الجميعِ للجميعِ، لينهضَ الجميعُ.

ولتوضيحِ ذلكَ نضربُ مثلاً بالضَّرائب، فالبعضُ يتصوَّر أَنَّ الدَّولة أَحقُّ بها من المُواطن لتملأَ خزائنها فتتمكَّن، فيما يتصوَّر آخرونَ عكسَ ذلكَ، على اعتبارِ أَنَّها حقُّ مُطلقٌ للمواطنِ.

أَمَّا أَميرُ المُؤمنينَ (ع) فيشرحُ وجوبَ تحقيقِ التَّوازن الدَّقيق في ذلكَ بين السُّلطة والرعيَّة ليتمكَّنا سويَّة فينهضا معاً فلا الدَّولة تظلِم الرَّعيَّة ولا العكس.

كتبَ (ع) في عهدهِ للأَشتر؛

وَتفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صلاَحِهِ وَصلاَحِهِمْ صَلاَحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ، لاََنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ.

وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الاْرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لاِنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بَالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً.

وبذلكَ نحمي التَّوازن المُستقر بين إِقتصاد الدَّولة وإِقتصاد الفرد، فلا يسطُو أَو يهضم أَحدهُما الآخر، أَو أَن يتحوَّل المال إِلى ما تصفهُ الآية المُباركة {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ}.

وقِس على ذلكَ فيما يخصُّ بقيَّة مرافِق الدَّولة.

(١٠)

{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}

يتجلَّى التَّمكينُ بالسُّلطة أَوَّل ما يتجلَّى بالإِدارة، وهي للأَسف واحدةٌ من أَعقد مشاكلِنا التي تُدمِّر مشاريعنا ومؤَسَّساتنا سواءٌ على الصَّعيد الفردي، الأُسرة مثلاً، أَو على صعيدِ الدَّولة.

ولذلكَ فإِذا أَردنا أَن ننجحَ في خلقِ فُرص التَّمكين يلزمنا أَن نخلقَ فُرص علمِ الإِدارة في مؤَسَّساتِنا.

الإِدارةُ النَّاجحة هي التي تُحقِّق أَعلى نسبةٍ من النَّجاحاتِ بأَقلِّ الإِمكاناتِ وبأَسرعِ وقتٍ، أَمَّا الفاشلةُ فبالعكسِ تماماً.

وفي تقريرٍ سنويٍّ صدرَ عن البنك الدَّولي عرَّفَ التَّمكينُ بأَنَّهُ العمل على توسيعِ قُدُرات وإِمكانات الأَفراد في المُشاركة والتَّأثير والتحكُّم والتَّعامُل مع المُؤَسَّسات التي تتحكَّم في حياتهِم، إِضافةً إِلى تملـُّك إِمكانيَّة مُراقبة ومُحاسبة هذهِ المُؤَسَّسات.

هذا يعني أَنَّ التَّمكين والتَّنمية مُترابِطان بشكلٍ جذريٍّ وحيويٍّ، إِذ لا يُمكنُ أَن نتصوَّر أَيَّ نوعٍ من التَّمنية وعلى كلِّ المُستويات من دونِ أَن نستحضرَ ثقافة التَّمكين القائمة على النَّجاحِ الإِداري أَوَّلاً.

فمثلاً؛ على صعيدِ إِدارة المُؤَسَّسات، الدَّولة أَو المُجتمع المدني، لا يمكنُ أَن نُحقِّقَ التَّنمية إِذا كانت السُّلطات مُتمركِزة بيدِ المُدير أَو الرَّئيس، فما لم يُمنح الأَفراد سِعةً من القُدُرات والإِمكانات للمُشاركةِ في القرارِ تحديداً، للمُشاركةِ بالتَّالي في الإِنجازِ والنَّجاحِ، لا يُمكنُ أَن نتصوَّرَ تحقيقُ أَيِّ مِقدارٍ من التَّنميةِ في المُؤَسَّسة، أَيَّة مُؤَسَّسة.

يظُنُّ البعض أَنَّ تمكينُ الأَفراد في المُؤَسَّسة نوعٌ مِن أَنواع إِنتزاع السُّلطات عن المُدير أَو الرَّئيس وهذهِ طريقةُ تفكيرٍ خاطئةٍ جُملةً وتفصيلاً، والعكسُ هوَ الصَّحيح، فالمُؤَسَّسة، أَيَّة مُؤَسَّسة لا يُمكنُ أَن تتطوَّرَ وتضخَّ في جسدِها دماءٌ جديدةٌ وحيويَّةٌ مُضافة وطاقاتٌ خلَّاقة إِذا لم يُمنح الأَفراد أَدوات وظُرُوف التَّمكين للنَّجاح، لأَنَّ صِفة الخلاقيَّة والتَّجديد والتَّحديث في المُؤَسَّسة لا تنسجمُ وعقليَّة الإِستحواذ والخَوف من التطوُّر والذي لا يمكنُ أَن نتصوَّرهُ من دونِ منحِ الأَفراد فُرَصُ المُشاركة وتمكينهُم من الأَدوات والإِمكانات ليجدُوا شخصيَّتهُم فيندفعُوا للتَّطوير في إِطارِ فِكرة الخلاقيَّة والإِبداع والتَّجديد.

والتَّمكينُ للنَّجاحِ يعتمدُ الأَدوات على صعيدَينِ اثنَينِ؛

الصَّعيد النَّفسي [الرُّوحي] والصَّعيد المادِّي الملمُوس.

على الصَّعيد النَّفسي من خلالِ تهيِئة أَجواء الثِّقة بالنَّفس والتحلِّي بالصَّبر والتَّفكير بعقليَّة الفريق.

كما يتحقَّق ذلكَ من خلالِ تبديدِ الخَوف والتردُّد وعدم الإِقدام إِمَّا بسببِ تحاشي الثَّمن الذي يتطلَّبهُ كلَّ تجديد وتطويرٍ وتحديثٍ، أَو خَشية العِقاب في حالِ الفشل.

على الصَّعيد المادِّي الملمُوس، فيتحقَّق بالأَدوات والظُّروف الماديَّة والقُدُرات المطلُوبة للتَّمكينِ من النَّجاح، فضلاً عن التَّحفيز والتَّشجيع والحث بكلِّ الطُّرق الماديَّة المُمكنة وأَحياناً المطلوبة والضَّروريَّة.

وإِنَّ أَسوء أَسباب تدميرِ الإِدارة هوَ المُساواة بينَ المُحسنِ والمُسيء والنَّاجحِ والفاشلِ والذي دافعهُ الفساد الإِداري بالدَّرجةِ الأُولى.

يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) مُحذِّراً من ذلكَ {وَلاَ يَكُونَنَّ الْـمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَة سَوَاء، فَإِنَّ فِي ذلِكَ تَزْهِيداً لاَِهْلِ الاِْحْسَانِ فِي الاِْحْسَانِ، وتَدْرِيباً لاِهْلِ الاِْسَاءَةِ عَلَى الاْسَاءَةِ، وَأَلْزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ}.

إِنَّ المُدير النَّاجح يُقسِّم إِهتمامهُ ونظرهُ قِسمَينِ؛ فعينٌ على النَّجاح وعينٌ على المُوظَّفين، حتَّى لا يفلِت منهُ مُتميِّز، كما لا يفوتهُ كسولٌ، ليُكافئ الأَوَّل ويُمكِّنهُ أَكثرَ ويُعاقبُ الثَّاني لينتبهَ أَو يرحلَ تاركاً مكانهُ لآخرَ يستحِق.

أَمَّا عندنا فالمديرُ يفعل العَكس، لأَنَّهُ يخافُ الصَّغير إِذا كبُر والضَّعيف إِذا اشتدَّ عودهُ والمُتدرِّب إِذا اكتسبَ الخِبرة اللَّازِمة، ولذلكَ فالفشلُ حليفُنا دائماً!.

وإِنَّ المُدير النَّاجح هو الذي يخلقُ فُرص التَّمكين لمرؤُوسيهِ دائماً ليضمِنَ الإِستمراريَّة في مُؤَسَّستهِ، وهذا ما يُطلق عليه بنظريَّة [تعاقُب الأَجيال] فإِذا لم يفعل ذلكَ فستمُوتُ مؤَسَّستهُ بموتهِ.

فالمديرُ الذي يحتفظ بكلِّ ما يتعلَّق بالمُؤَسَّسةِ كأَسرارٍ يرفضُ أَن يفوِّضها لمرؤُوسيه يفشلُ في صناعةِ أَجيالٍ مُتعاقِبة، إِذ ستقِف عندهُ الأَجيال!.

ولذلكَ تتراكم عندهُم الخِبرة والتَّجربة فالإِستمراريَّة، ولا يحصلُ ذلكَ عندنا.

‏ nahaidar@hotmail.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4